مستقبل سوريا   
الجمعة 1435/12/10 هـ - الموافق 3/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)
كريستوفر ر. هِل


ذات يوم قال الدبلوماسي الإسرائيلي أبا إيبان "لا يتصرف الرجال والأمم بحكمة إلا بعد أن يستنفدوا كافة البدائل الأخرى". تُرى هل تكون هذه هي الحال بالنسبة للولايات المتحدة في ما يتعلق بمسألة سوريا القضية الأكثر تعقيدا وخطورة في الشرق الأوسط اليوم؟

حتى وقتنا هذا كانت سياسة الولايات المتحدة تتلخص في شن غارات قصف جوي دقيقة ضد المتطرفين السُنّة فضلا عن الجهود الرامية إلى تدريب نحو خمسة آلاف سوري من "المعارضين المعتدلين"، الذين يفترض فيهم القدرة على إلحاق الهزيمة بالمسلمين السُنّة الآخرين، وقهر قوات الرئيس بشار الأسد، والخروج أخيرا في مسيرة النصر إلى دمشق، ربما بدعم جوي من الطائرات الأميركية.

وبالتالي فقد استمرت الولايات المتحدة في القيام بنفس التصرف الخاطئ -أو على الأقل غير الملائم- المتمثل في الإنصات إلى أولئك الذين كانوا جزءا من المشكلة، وأسوأ من ذلك تصديقهم.

رغم أن أوباما حَدَّد بشكل صحيح تنظيم الدولة باعتباره العنصر الذي لا تريده أميركا في المنطقة، فإنه فشل في تحديد ماذا تريد أميركا لسوريا، والذي من أجله يتعين على أميركا أن تحفز الدعم في المنطقة وفي المجتمع الدولي

الواقع أن الرئيس باراك أوباما محق في اعتقاده بأن تدمير تنظيم الدولة الإسلامية مشروع طويل الأجل. ولكن برغم أن أوباما حَـدَّد بشكل صحيح تنظيم الدولة الإسلامية باعتباره العنصر الذي لا تريده الولايات المتحدة في المنطقة، فإنه فشل في تحديد ماذا تريد الولايات المتحدة لسوريا والذي من أجله يتعين على الولايات المتحدة أن تحفز الدعم في المنطقة وفي المجتمع الدولي. وتماما كما لا يجوز أن يحكم الشيعة وحدهم العراق، فإن سوريا من غير الممكن أن تُحكَم فعليا بواسطة الأغلبية السُنّية وبالنيابة عنها.

الواقع أن سوريا مشكلة عصيبة يُضرَب بها المثل، فهي دولة لا وجود لصلة تُذكَر بين حدودها والهويات القَبَلية أو الطائفية الموجودة في بلاد الشام. والواقع أن حدود سوريا، كما لاحظ كثيرون، رُسِمَت على عجل وفي سرية قبل قرن من الزمان بواسطة وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا. ولن تشهد سوريا يوما لا يذكر فيه أحد هذه الحقيقة، أو يقترح مجموعة جديدة من الحقائق. وحتى تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يبدو أن التاريخ انتهى بالنسبة له في القرن السابع، أشار إلى الإرث الاستعماري الذي فرض نفسه على حدود المنطقة.

لكن خط سايكس-بيكو ليس مشكلة أساسية تتفرد بها سوريا. فالحدود في أفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وأميركا الشمالية تمتد جذورها إلى تاريخ معقد قد يفكر قليلون منا في إعادة فتح صفحاته. وفي الشرق الأوسط، من المرجح أن تفضي أي محاولة لتغيير الحدود إلى خلق عدد من المشاكل الإضافية يتجاوز تلك التي قد تحلها.

وترجع المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة في سوريا إلى نَسَب أحدث عهدا. ففي أعقاب الربيع العربي، ووسط التوتر المتصاعد بين السوريين الساعين إلى إنهاء حكم نظام الأسد الوحشي، أرسلت كل من الولايات المتحدة وفرنسا سفيرها لزيارة حماة في يوليو/تموز من عام 2011 لاستحثاث الوحدة بين أطياف حركة المعارضة الوليدة آنذاك.

وحماة معروفة بسكانها من السُنّة ومشاعرهم المناهضة للأسد، والتي كثيرا ما تحولت إلى احتجاجات عنيفة ترتب عليها المزيد من حملات القمع العنيفة من جانب الحكومة. وحماة معروفة أيضا بكونها مرتعا لأنشطة جماعة الإخوان المسلمين.

من المؤكد أن الزيارة لم توحد المعارضة. وكانت نتيجتها الأكثر أهمية القضاء على أي إمكانية للتعامل مع حكومة الأسد. بل إن القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بالوقوف علنا في صف المحتجين في حماة كان يعني نهاية أي تأثير على العلويين، القبيلة التي يقوم عليها نظام الأسد، الأمر الذي أدى إلى تهميش دور الولايات المتحدة عمليا.

إن مشكلة سوريا ليست ببساطة وجود الأسد في السلطة، ولن يفضي إبعاد نظامه في حد ذاته إلى مواءمة المصالح المترسخة في نسيج البلاد المختلط من الهويات العرقية والطائفية. ولا شك أن الاعتبارات الدائمة والمدروسة لمستقبل سوريا، وكيفية حكم البلاد ديمقراطيا، مطلوبة بإلحاح.

لقد شبه أوباما سياسته في التعامل مع سوريا بالعمليات المستمرة ضد الخلايا الإرهابية في منطقة القرن الأفريقي. وتحدث عن ضرورة إدراج هذا الاتجاه. ولكن كما أشار رئيس هيئة الأركان المشتركة مارتن ديمبسي، عندما فتح الباب لمناقشة إضافة العنصر البري الأميركي إلى الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، فإن القوة العسكرية الأميركية لا يمكن استخدامها بشكل متزايد وغير حاسم.

ولكنها لا بد أن تشكل عنصرا في حل الصراع الذي لم يُظهِر أي بادرة تُذكر تدلل على إمكانية حل نفسه بنفسه.

سوف يزعم البعض أن تحديد الخطوط العريضة لحل سياسي أمر لا يخلو من التعالي على السوريين، ولكن عندما يتسبب حكم البلاد المختل في وفاة مئات آلاف الأبرياء، ثم يهدد البلدان المجاورة، فإن مثل هذه الشكاوى تصبح في غير محلها

تتألف المشاركة الدبلوماسية الأميركية من ثلاث دوائر متحدة المركز: الجهود الناجحة في بغداد لدفع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى ترك السلطة وبالتالي محاولة كسب قلوب وعقول السُنّة من جديد، والجهود الرامية إلى تعميق الحوار مع الدول الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية، والجهود الأوسع نطاقا لإشراك زعماء العالم. وقد استخدمت إدارة أوباما جهودها الرامية إلى إبعاد المالكي كنقطة انطلاق لتحسين العلاقات في المنطقة. ولكن ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان الشركاء الإقليميون على استعداد للتعاون مع عراق يقوده الشيعة.

وبرغم أهميته كدبلوماسية إقليمية، فإن النهج الأميركي الذي يتضمن الحكم المركزي المتكامل في العراق سوف يكون إشكاليا، نظرا لواقع الزعامة الشيعية.

ويتصور التفكير الحالي حول التوصل إلى حلول سياسية في نهاية المطاف إجراء انتخابات مؤقتة تليها عملية دستورية تتقبلها الأطراف المتحاربة. ولكن الحقائق على الأرض تشكك إلى حد كبير في إمكانية نجاح أي عملية انتخابية في خلق سلطة مؤقتة قادرة على خلق نظام سياسي مستدام.

ويستلزم علاج هذا الوضع وجود تحركات دبلوماسية على المستوى الدولي لتحديد خطة قابلة للتنفيذ لرسم مستقبل سوريا على نحو يسمح للعقلاء بدعم هذه الخطة. وقد تكون الحالة السورية فريدة من نوعها، ولكن المشاكل المترتبة على حكم بلد متعدد الأعراق ليست فريدة. والواقع أن العديد من الحلول (برلمان يتألف من مجلسين وهياكل إقليمية لا مركزية على سبيل المثال) معروفة جيدا.

بطبيعة الحال سوف يزعم البعض أن تحديد الخطوط العريضة لحل سياسي أمر لا يخلو من التعالي على السوريين. ولكن عندما يتسبب حكم البلاد المختل في وفاة مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء، ثم يهدد البلدان المجاورة، فإن مثل هذه الشكاوى تصبح في غير محلها على الإطلاق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة