الخليج..حريق في مهبط الترانزيت   
الثلاثاء 1431/3/9 هـ - الموافق 23/2/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:44 (مكة المكرمة)، 11:44 (غرينتش)
مهنا الحبيل


 
فوران القدر الانتخابي في العراق كان يطفح عليه وعلى أركان الخليج العربي خاصة الحركة الانقلابية داخل العملية السياسية التي لطالما بَشّر بها العهد الديمقراطي الأميركي كبوابة لمشروع الاحتلال, فالتصفية السياسية لمجموعة صالح المطلك وحلفائه كانت اختبارا نوعيا بين الاحتلالين تفوّقت فيه العمامة الإيرانية على قبعات الأميركيين البيضاء والسمراء هذه المرة.
 
مع ملاحظة مهمة أن فرسان هذا الانقلاب هم ذاتهم وبالضبط شركاء الاحتلال الديمقراطي!! في العراق الذي فاقت ضريبته أكثر من مليون قتيل عراقي وضعف ذلك من الجرحى والأرامل والمشردين كانت طهران تتلو عليهم صلوات المغفرة أو اللعنة جنبا إلى جنب مع شركائها البيض الذين فضلوا العمامة الطائفية لتتلو الصلوات عوضا عن القساوسة.

"
الشخصيات الأربعة الذين برزوا مجددا على الساحة بقيادة الجلبي ومعه الحكيم والربيعي والمالكي هم نجوم المشروع الأميركي وبالذات الجلبي الذي يتهمه الأميركيون الآن بأنه يعيد التنسيق لاحتلال آخر للعراق ولكن عبر البوابة الطائفية هذه المرة
"
فالشخصيات الأربعة الذين برزوا مجددا على الساحة بقيادة أحمد الجلبي ومعه عمار الحكيم وموفق الربيعي ونوري المالكي هم بذواتهم أو بأحزابهم نجوم المشروع الأميركي وبالذات أحمد الجلبي الذي يتهمه الأميركيون الآن بأنه يعيد التنسيق لاحتلال آخر للعراق ولكن عبر البوابة الطائفية هذه المرة وليس الديمقراطية.

وبدا ذلك الهجوم الأميركي على سيناريو الانقلاب ذرا للرماد في العيون لا موقفا إستراتيجيا، فزيارة بايدن نائب الرئيس الأميركي انتهت عمليا بالقبول الضمني للتصفية السياسية للمطلك الذي لا يُستبعد أن يُصفّى جسديا في ظل مرحلة الصراع الانتقالي العنيف, المهم أن الأميركيين الذين طمأنوا الخليج الرسمي على أنه بالإمكان التعاون معهم في ترحيل مجموعة مقربة من قطاع لحزب البعث -قطاع محدد ولا نقصد كل الحزب- ووصولهم للشراكة في المؤسسات مع الفريق الأول الذي جاء مع الاحتلال الأصلي وأوهموهم بأن ذلك سيتحقق بالفعل.

يأتي ذلك بعد تصريحات عديدة بأنّ محط واشنطن الآن الأهم على الإطلاق تحييد طالبان -كما قال المسؤول الأميركي– ومن ثم تعزيز التهميش السياسي لانتصارات المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية بقيادة فصائل التخويل والجبهات الوطنية الأخرى ومنعها من استثمار هزيمة الأميركيين سياسيا, لكن الخليج الرسمي استيقظ على حالة مروعة لانتقال العراق بالفعل إلى وراثة مؤسساته للعهد الإيراني تنفيذيا.

ومع أنّ واشنطن أبدت بعض الامتعاض الضمني إلا أنها حافظت على علاقتها حتى الآن بشركاء الأمس وأضلاعهم الأربعة التي ذكرنا, بمعنى أن الخليج سيرث قريبا مرحلة القبول الضمني الأميركي لسيادة إيرانية نوعية وعميقة في العراق لن يمنعها تجاذبات الضجيج الراهن في ملف إيران النووي أو العبور إلى وضع تسوية جديد تسعى فيه واشنطن لخفض طموحات طهران التفاوضية في ملفات أخرى من خلال هذا الضغط الإعلامي واستغلال حالة الصراع الداخلي في إيران.

في كل الأحوال بدا الخليج الرسمي كالمعتاد خارج اللعبة، ويتضح ذلك بجلاء من الامتعاض الذي تحدث به وزير الخارجية البحريني عن المفاوضات السرية في مؤتمر حوار المنامة الأخير دون إخطار لمجلس التعاون فضلا عن دعوة أعضائه إضافة إلى المباحثات السرية التي جرت على هامش مؤتمر أميركا والعالم الإسلامي في الدوحة مؤخرا.

وما يعنينا من هذه الخلاصة أن تطور الأوضاع على الأرض مستمر مع حركة اضطراب طائفية وسياسية عديدة، فيما تتجه بوصلة المفاوض الأميركي حتى مع تشديد العقوبات أو التهديد بها إلى اعتماد سقف أعلى لقواعد اللعبة مع إيران لا تتوافق مع رؤية مصالح الخليج الرسمي.

الدخول في مرحلة الترانزيت الملتهبة
والرجوع إلى إعادة قراءة الحالة الإستراتيجية للمنطقة مع تجاذبات الأحداث والصراع الطائفي وتقلبات الحالة السياسية داخليا وإقليميا كُلها تعطي مؤشرات بأن حالة الترانزيت (اللا حرب واللا سلم) ستبقى ذات تأثير متفاعل في الخليج لا يمكن أن يضمن استقرار انتقالي فيه، وستبقى المنطقة معرضة لهزات عنيفة حتى في حالة المرحلة الانتقالية وسيبرز ذلك من خلال استعراضنا للملفات الرئيسة التي ستعيشها المنطقة في هذه المرحلة الانتقالية.

حرب العقوبات
بدأت الولايات المتحدة تباشر بالفعل التسويق للخيار البديل للحرب على إيران الذي ومع رفضنا القطعي والمبدئي للحرب في محور الاستقلال القومي الإسلامي فإنني أستبعده مطلقا كمحلل سياسي، ولجوء الطرفين للتصعيد بين تل أبيب وحزب الله لا يتجاوز حاليا الظاهرة الصوتية التي تُعزز أوراق الطرفين خلافا لحرب غزة الثانية التي لا تُستبعد كونها هدفا رئيسا مركزيا للمشروع الصهيوني والاستعماري الدولي خارج سياق حسابات التفاوض وهناك طرف إقليمي عربي يحرض عليها.

"
إذا ما أحكمت طهران إدارة ملفها الداخلي فليس من المتوقع أن تتسبب حرب العقوبات بسقوط النظام خاصة أن إدارة العراق بيدها تنفيذيا ولكن سيتحول هذا الملف إلى مناوشات فعلية تصعيدية في الخليج في مسارات السفن أو العلاقات الدبلوماسية
"
والغريب أن انتقال السيدة كلينتون من حضن خليجي دافئ إلى حضن آخر في تسويقها لحرب العقوبات لا تقدم معه وزيرة الخارجية أو غيرها من طاقم أوباما أي تفسير للقلق الخليجي المستعر من فشل كل محاولات واشنطن لتطويق المد الإيراني عن سواحل الخليج وعمقه الاجتماعي ولا تُطرح أسئلتهم في هذا الشأن, وإنما هناك من جديد استدراج للخليج الرسمي للمشاركة الفعلية في حرب الحصار والعقوبات الذي ستستهدف الشعب الإيراني قبل النظام.

واستغراب الخليج من لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز في حال تصعيد الاستعدادات العسكرية أو مباشرة الحصار التجاري عليها مثير للتعجب... فهل يتوقع الخليج أن يتنزه معهم الإيرانيون لصيد السمك وقد منعوا الوقود المكرر والبضائع الأخرى عنهم ..!

في كل الأحوال فإن طهران إذا ما أحكمت إدارة ملفها الداخلي فليس من المتوقع أن تتسبب حرب العقوبات بسقوط النظام، خاصة أن إدارة العراق بيدها تنفيذيا، ولكن سيتحول هذا الملف إلى مناوشات فعلية تصعيدية في الخليج في مسارات السفن أو العلاقات الدبلوماسية, وحتى لو احتوي الموقف مجددا بنجاح الوساطة التركية تبقى طهران تُلاعب النظام الرسمي في الخليج من الداخل إضافة إلى بطاقات الإعلام وقضايا التقاطعات الأخرى.

بركان الطائفية يلقي بحممه على الخليج
وستشهد هذه المرحلة الانتقالية مجددا دورة جديدة من التحريض الطائفي الذي بات يُنظّم ويُسيّس بواسطة القيادة الرسمية الجديدة في العراق التي أحال لها الإيرانيون مهمة التصعيد الطائفي في الخليج والزحف الإستراتيجي لنفوذها من خلاله أو بعثرة أوراق الخليج الرسمي عبر التلاعب بتوجيه جماعات الولاء الطائفي الإيراني وتحريك المظلومية المذهبية بتضخيم الفعل أو الخطأ وصناعة ردة الفعل وقد برز ذلك جليا في قضية العريفي والسيستاني التي خصصتها بدراسة مستقلة بعنوان "حريق الخليج الطائفي من يطفئه".

فالحالة الطائفية التي باتت تُصبّ على الخليج من منابر عراقية متعددة تُشكّل حالة ارتباك بل وتغيرا مركزيا في مسار الوضع الداخلي سواء باستنهاض واستفزاز الحالة السُنية المعتدلة أو المتطرفة أو باختلال إدارة الوضع السياسي والتوازن الطائفي الذي أشار إليه الناب الكويتي الإسلامي الإصلاحي د وليد الطبطبائي في لقائه مع صحيفة لجينيات الإلكترونية وتحذيره من وصول الاختلال السياسي إلى تحالف حكومة الشيخ ناصر المحمد في الكويت مع الحركة الطائفية المناصرة لإيران والتيار العلماني ضد التوجه الإسلامي المذهبي أو الإصلاحي، وهو مؤشّر خطير لما تسببه حالة الصعود الطائفي في العراق وآثارها على الخليج، وهي أوضاع حساسة في دول المنطقة الصغيرة أو مناطق الشراكة الكبيرة كإقليم الأحساء في الشرق السعودي.

وهذا التغير الذي دفع النائب حازم الأعرجي لشتم أبي بكر الصديق رضي الله عنه والنيل منه دون التعرض لمسؤولية قانونية أو سياسية، في حين تمت صناعة وتفجير أحداث وردود فعل تجاه انتقاص السيد السيستاني كل ذلك مؤشّر هام على وضع الحالة الطائفية في الخليج.

ومن المهم أن نُسجّل رصد اتحاد التيار العلماني المتطرف وليس المقصود الوطني الإصلاحي مع هذه الانفعالات الطائفية مع أنّ كثيرا من هذه التجمعات والشخصيات العلمانية المتواجدة بقوة في الإعلام الخليجي ذات علاقات إستراتيجية حميمية مع واشنطن فيما تتحد زميلاتها مع إيران وهنا يبرز سؤال خطير، هل هذا الدفع والتبني الواسع لتفجير قضايا المظلومية له أهداف محددة في واشنطن كما في طهران؟

"
الحالة الطائفية التي باتت تُصبّ على الخليج من منابر عراقية متعددة تُشكّل حالة ارتباك بل وتغيرا مركزيا في مسار الوضع الداخلي سواء باستنهاض واستفزاز الحالة السُنية المعتدلة أو المتطرفة أو باختلال إدارة الوضع السياسي والتوازن الطائفي
"

في كل هذه القضايا يبرز توجه واضح أن مرحلة الترانزيت ليست رحلة ممتعة للخليج وأن انفجارات المنطقة الأخرى خاصة في العراق ستعود لتندلق عليه مجددا مع ملاحظة أن دول المنطقة لم تسع لإدارة أصول اللعبة باستقلال يجعل لها متسعا ومجالا من الحراك كالاعتراف بالمقاومة الإسلامية الوطنية العراقية بقيادة الشيخ الضاري والشيخ عبد الخالق الجنابي والتواصل مع المشروع الوطني العراقي الذي يجمعهما مع قوى أخرى, إنما كان العكس وهو المراهنة على سيناريوهات أميركية تخترقها طهران وتحولها لصالحها أو تُصفّيها فيما تثبت التجربة أن المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية التي ذكرناها هي الرقم الصعب في المعادلة التي كان إعلانها رفض مشروع القاعدة بتفجير التجمعات الانتخابية دليلا إضافيا لتأكيد المؤكد في مسيرتها الوطنية الحازمة والحريصة على دماء المدنيين, لكن مشكلة الخليج العربي هو غياب الإرادة لا الوسائل ومن يستقيل عن إرادته لا يستطيع حماية أرضه ومصالحه.

كل ذلك التداعي في الساحة الإقليمية مع اتحاد الموقف في دول المجلس من قمع حركات ومشاريع الإصلاح الوطني التي تؤسس للشراكة وكرامة المواطن الحقوقية والسياسية وإدارة الملفات الخارجية تَخلص لو تحققت بهذا التواصل الوحدوي لتُعطى الأولوية للمصلحة القومية لا الأميركية التي ثبت أنها لا تزيد الخليج إلا رهقا, وإن أصّر الطرف الخليجي على استمرار الموقف فإن مهبط الترانزيت الذي توشك أن تقلع منه طائرة طهران أو واشنطن تلفظ منه نيرانهم حمما، فهل هو قادر على إخماد النيران أم سيحترق مع اللهب؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة