إنتاج الدكتاتورية في القرن الحادي والعشرين   
الخميس 3/3/1428 هـ - الموافق 22/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)
هيثم مناع

بعد أكثر من ثلاثة قرون من الزمن الفكري والنضال ضد الحكم التسلطي والمطلق لم تعد كلمة الدكتاتورية تستهوي العامة ولا الخاصة.

وحتى المعنى "الإيجابي" لدكتاتورية البروليتاريا الذي حاولت الماركسية تسويقه لم يعد يملك أي بريق، إذ الدكتاتورية صارت في الوعي الجمعي العالمي شكلا بائسا ودنيئا لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، مهما كانت الدوافع والمبررات.

"
التواطؤ الرسمي على الصعيد العالمي الذي لم يمتلك الجرأة على نقد أو مواجهة ما صار يعرف "بالحرب على الإرهاب"، قد شارك في جريمة إعادة إنتاج أشكال جديدة من الدكتاتورية في القرن الحادي والعشرين
"
وكان لفشل التجربتين الشموليتين الأهم في القرن العشرين (الفاشية والستالينية) القول الفصل بين الدكتاتورية والكرامة الإنسانية.

وبالتالي لم يعد بإمكان حزب ولا تيار أن يسوق لها ضمنا أو علنا، ولو أن الرغبة في السيطرة مزروعة في ثنايا العديد من الثقافات السياسية والعقائدية، كما أن الجنوح إلى الهيمنة على الآخر ومصادرة ثورته و/أو ثروته قائم بعدة أشكال في الحياة السياسية المعاصرة.

لا شك بأن سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الوضع الدولي ثنائي القطب قد وفرا أرضية موضوعية جديدة لممارسة الهيمنة من قبل الولايات المتحدة.

وقد تجلى ذلك في أكثر من قرار وموقف أحادي يفرض على الآخرين بالقوة، غير أن في أشكال المقاومة المدنية على الصعيد العالمي وطموح الدول الكبرى الأخرى للعب دور في رسم خريطة الوجود البشري ما قيّد في القرن الماضي إلى حد ما هذا الجنوح.

لكن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 كانت الفرصة الكبرى والأهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية للتصرف والتحرك ضمن منطق يقوم على اضطرار الآخر للتعاطف الطوعي أو الإلزامي مع بلد أصيب "بجرح نرجسي"، وبالتالي يحق له ما لا يحق لغيره، ليس فقط لأنه الأقوى وإنما أيضا لأنه تعرض للاعتداء.

في العشرين من سبتمبر/ أيلول 2001 ألقى الرئيس الأميركي كلمة حدد فيها سياسة الإدارة الأميركية الجديدة لمواجهة الخطر الذي يتعرض له بلده، فكانت هذه الكلمة تحمل من الوضوح ما يحدد طبيعة الإدارة الأميركية والعلاقة بين خياراتها السياسية وقضايا الديمقراطية والحريات داخل حدودها وخارجها.

أعلن الرئيس الأميركي التخلي عن النسبية الأخلاقية وما سمي بتكريس "القيم الأميركية" لصالح الأمن القومي و"أمان مواطنيه"، وقدم تعريفا للإرهاب يحصره في القمع السياسي المغذى من الأيديولوجية الإسلامية، وذلك في تهميش واضح لكل التفسيرات التي تربط العنف بأسباب اقتصادية أو ترجعه لطبيعة النظام العالمي والتفاوت بين الشعوب والبلدان، كالدفاع عن الأوضاع التي تنتج منافسة أكبر وحرية أوفر للسوق.

طرح الرئيس الأميركي في هذه الكلمة مفهوما جديدا اسمه "الحق في الوقاية"، إذ كما أن الطب الوقائي هو الأفضل لمواجهة الأوبئة والأمراض عند الأشخاص الحروب الوقائية هي الشكل الأنسب لمكافحة الإرهاب وحماية الأمة الأميركية.

ولعل النقطة الرابعة تهمنا هنا من أكثر من جانب، إذ ركز الرئيس فيها أيضا على تحديد العلاقة بالدول انطلاقا من موقفها من الإرهاب والحرب عليه. كما ركز على عدم الاعتراف بأي دولة تدعم الإرهاب، بل حتى عدم إقامة دولة فلسطينية إذا كانت هذه الأخيرة ستتحول إلى "ملجأ للإرهاب".

المحافظ الجديد نورمان بودهوريتز يذكّر بكل هذا، ويذهب حتى لأبعد من ذلك عندما يتحدث عن "حرب عالمية رابعة" تتطلب إلغاء كل مساحات قوس قزح بين حلفاء وأعداء الولايات المتحدة (مجلة كومنتري/التعليق/ سبتمبر 2004).

هذه الأطروحات جسدت تصورات المحافظين الجدد للعالم وممارسة الهيمنة عليه، ولم يكن بالإمكان أن تعبر عن نفسها دون حدث جلل مثل مأساة 11 سبتمبر/ أيلول.

ولا نذيع سرا بالقول إن أطروحات كهذه تدغدغ الرغبات الكامنة عند عدد كبير من السياسيين الأوروبيين الذين يعرفون أن ثقافة الخوف معطى عالمي.

كما أن الديمقراطية ليست العقار لكل أمراض الدنيا، وبالإمكان تحقيق مكاسب سريعة وهامة في صفوف العامة لكون الأمن هو النقاب السحري القادر على تغطية كل عورات الحاكم، حتى في البلدان العريقة بمؤسساتها الديمقراطية.

وكانت أولى الدول التي أعلنت عن استعدادها الكامل للتعاون تلك التي اعتبرت الأمن السياسي نهج حكم والتداول على السلطة هرطقة، أي تلك التي تغمر منطقتنا.

ويمكن القول إن التواطؤ الرسمي على الصعيد العالمي، الذي لم يمتلك الجرأة على نقد أو مواجهة ما صار يعرف "بالحرب على الإرهاب"، قد شارك في جريمة إعادة إنتاج أشكال جديدة للدكتاتورية في القرن الحادي والعشرين، أشكال عابرة للحدود أهم معالمها:

1- النسبية السلبية المضمون لمفهوم دولة القانون، وأسبقية الدفاع عن الأمن القومي على احترام الدستور والقوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وعولمة حالة الطوارئ، بحيث لم تعد "مؤسسات الحرب على الإرهاب" ملزمة بقانون الإحضار habeas corpus الذي يعود للعام 1628، ولم يعد الحق في سلامة النفس والجسد مفخرة للحضارة الغربية.

فعاد الاعتقال السري والتعذيب والنقل فوق الحدود إلى دول الشمال، وصار التحايل على النواة الصلبة للحقوق الأساسية للأشخاص مبررا من عدة حكومات أوروبية (البريطانية والإسبانية والإيطالية عشية العدوان على العراق مثلا).

"
الحرب على الإرهاب تحولت إلى إرهاب منظم على الصعيد الذهني أولا حين صارت أساسيات هذه الحرب موضوعا مقدسا لا يختلف في قداسته عن الهولوكوست، وأيضا على الصعيد القضائي ثانيا كما تابعنا بدقة عبر عملية اعتقال ومحاكمة تيسير علوني
"
2- الانتقال من القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان إلى حالة هلامية جديدة تقوم على أنظمة موازية، تشمل القضاء العسكري والمدني والاتفاقيات الأمنية الثنائية والإجراءات الاحترازية، فإذا بنا بعد خمس سنوات وبتقديرات منظمة العفو الدولية واللجنة العربية لحقوق الإنسان أمام قرابة 70 ألف شخص اعتقلتهم الإدارة الأميركية لمدد مختلفة دون محاكمة عادلة، أكثر من نصفهم لم يواجه أي محاسبة قضائية حتى بالمعنى الاستثنائي، ومازال منهم 14 ألف شخص في كوبا والعراق وأفغانستان والسجون السرية.

3- ربط كل المساعدات الأميركية والمواقف السياسية من الحكومات بموقف هذه الحكومات من "الحرب على الإرهاب بقراءتها الأميركية".

فعلى أي دولة حليفة أن تتجنب التصديق على ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، أو أن توقع اتفاقا ثنائيا مع الإدارة الأميركية تتعهد فيه بعدم محاكمة أو ملاحقة أي مواطن أميركي داخل أو خارج أراضيها.

كما أنه على الحليف أن يوفر التسهيلات العسكرية للقوات الأميركية على أراضيه والتسهيلات المخابراتية للدولة العظمى.

وفجأة صرنا نسمع بأوروبا الشابة وأوروبا الهرمة المسنة، فالشابة هي التي تضم بلدانا مثل أوكرانيا وبولونيا وبلغاريا ورومانيا.. إلخ، التي خرجت من منظومة الحزب الواحد ولم يتح لها أن تتخلص بعد من المنعكس الشرطي الأمني القديم.

هذه البلدان هي أول من أدرك المطلوب، فأرسلت قواتها حيث شاءت الإدارة الأميركية، وفتحت أراضيها للسجون السرية، كما أنشأت شركات أمنية، غالبا ما يشرف عليها ضباط أمن أحالهم سقوط جدران برلين إلى التقاعد المبكر، شركات قادرة على تغذية الحروب الأميركية بما تحتاج على الصعيدين البشري واللوجستي (هناك أكثر من 50 ألف مرتزق في العراق من هذه الشركات يقومون بكل أصناف ما يعرف في الحروب بالعمل القذر).

4- لا بد لسياسة الحرب المفتوحة على الإرهاب من كتاب وبحاثة وصحفيين ومنظمات غير حكومية ومجموعات ضغط تعطيها الغطاء الذهني والأخلاقي، لذا جرى تخصيص موازنات كبيرة لشراء أهل القلم، وتحديد قواعد جديدة للمساعدات الأميركية بما فيها هبات المؤسسات الخاصة.

كما جرى ذلك لفتح حوانيت إعلامية جديدة موجهة، وإيجاد تسهيلات لكل من يروّج ويشارك في الحملة الأميركية، ولضرب الأصوات المناهضة بكل الأساليب بما في ذلك ترويج الأكاذيب وإرسال معلومات مضللة.

وفي حين أصبح التفتيش في المطارات مماثلا لما يحدث في مطار بن غوريون، ووسائل الانتقام من "العدو"، الصحيح أو الافتراضي، تكرر ما تطبقه الدولة العبرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تحولت أكثر من صحيفة أوروبية رصينة إلى بوق لهذه السياسة.

وقد ظهر ذلك واضحا في العامين الأولين مع المنظمات الحقوقية التي لم تسقط في فخ قبول كل ما يأتي من معلومات من الإدارة الأميركية، فتعرضت لعزلة إعلامية كبيرة في أوروبا.

وأول تظاهرة ضد وجود معتقل غوانتانامو أمام قصر اليونيسكو الباريسي لم تغط من أي صحفي غربي، كما رفضت صحف كبيرة أخذ معلومات من مصادر معروفة بجديتها، مثل الفرنسي لوي جوانيه رئيس ومقرر الفريق الخاص بالاعتقال التعسفي في الأمم المتحدة، إبان أحداث سبتمبر/ أيلول، أو النائب السويسري ديك مارتي وشخصيات مؤسسة في منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية للحقوقيين، حتى لا نتحدث عن رموز عربية تعيش في أوروبا، وفي المقابل جرى الترويج لمعلومات تقدمها منظمات ولدت حسب الطلب.

وقد طلبت الإدارة الأميركية، بشكل مباشر كما اتضح بعد حين، من مؤسسات غربية ليبرالية جديدة أو ذات اتصال بخارجية بلدها، تنظيم مؤتمرات وندوات تعبئة مضادة لكل من ترغب في تقليم أظفاره أو الضغط عليه.

ويمكن القول إن الحرب على الإرهاب تحولت إلى إرهاب منظم على الصعيد الذهني أولا، حين صارت أساسيات هذه الحرب موضوعا مقدسا لا يختلف في قداسته عن الهولوكوست، وأيضا على الصعيد القضائي ثانيا، كما تابعنا بدقة عبر عملية اعتقال ومحاكمة تيسير علوني واختطاف سامي الحاج، ذلك بصلة مع قناة تلفزيونية "هرطقية" في حقبة الخطاب الواحد والقراءة الأحادية للعالم والصحفي "المحمول" embodied.

ومن الضروري هنا التذكير برد فعل منظمات حقوق الإنسان الغربية الأولى في القضيتين لتبيان مدى الخوف من مواجهة السياسة الأميركية، وهذا الخوف مازال موجودا في قضايا تتبناها الإدارة الأميركية وحلفائها، وإلا فمن هي المنظمات الغربية لحقوق الإنسان التي تجرؤ على المطالبة مثلا بالإفراج عن المتهمين في قضية الحريري باسم قرينة البراءة؟

"
الدكتاتورية الجديدة أخذت العالم على حين غرة في وقت لم تكن تكن فيه المقاومات المدنية قد نظمت نفسها بعد كي تقلل من الخسائر وتضع أسس مواجهات منظمة بأساليب جديدة ومبتكرة
"
أليست قاعدة من يسقط في الشبكة لا رحمة عليه تسري رغم كل المراجعات والانتقادات؟

5- تم استنفار اللوبي الموالي لإسرائيل في الحرب على الإرهاب، ونجح هذا اللوبي في تسجيل نقاط كثيرة لصالح الدولة العبرية في مقايضات خسيسة مع الإدارة الحالية. ولم يكن من المفاجئ أن تنتقل الإيباك إلى دعم السياسة الحالية باعتبارها الأفضل لمصالح الكيان الصهيوني.

6- في العالم العربي أيضا ثمة من صار يروج لهذا الخطاب من السماسرة المحليين، حيث كثر الحديث عن أن العالم تغير ويجب فهم هذه التغيرات للبقاء في سدة الحكم أو في جوقة الرضا.

فبدأت مبايعات الطاعة والمزايدات في الممارسة تضع الإدارة الأميركية تنظيمات سعودية خيرية على لائحة الإرهاب، فتعلن الحكومة السعودية عن مجلس حكومي يحل محل كل الجمعيات التي تعمل للمساعدة الإنسانية خارج المملكة.

كما لم تمتنع صحيفة عربية تصدر من لندن بعد التفجيرات التي عاشتها العاصمة البريطانية عن الكتابة باسم رئيس تحريرها الأسبق "قلنا لكم امنعوهم، واليوم نقول لكم اطردوهم.."، وذلك في خطاب لا يجرؤ حتى اليمين المتطرف البريطاني على اللجوء إليه، يتناول "تسامح الحكومة البريطانية مع التطرف الإسلامي".

الاحتلال في خطاب التحالف العراقي الموالي للولايات المتحدة يعتبر تحريرا رغم أنف القانون الدولي والأمم المتحدة، وعمليات التعذيب والقتل لا تتطلب حتى ترحما، فهل يطالب القوم بالاستنكار؟

المحاكمات الجائرة للمجموعات الإسلامية المتطرفة في تونس والمغرب لم تستوقف بعد أي ليبرالي غربي، ووجود أكثر من 480 سجينا دون محاكمة في المملكة العربية السعودية لا يثير عند الآنسة رايس أي استجواب.

وليس من شك بأن لقاء الآنسة مع مديري المخابرات العامة في الإمارات والسعودية ومصر والأردن في فبراير/ شباط 2007 لم يكن من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان في بلدانهم!

7- وظفت الإدارة الأميركية ببراغماتية فائقة العديد من المشكلات التي يعيشها الاتحاد الأوروبي لصالحها، مثل غياب القرار السياسي الموحد، وأزمة إعادة تشكل الهويات، والانضمام البطيء، لكن الاضطراري لدول أوربا الشرقية.

كما فعلت الشيء نفسه مع الحكومات العربية التي اعتبرت فقدانها للشعبية والشرعية سببا كافيا لارتهانها السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة، ذلك في تأصيل لتقاليد سياسية دولية تقوم على التطويع والارتهان واعتبار كل الوسائل مباحة لخلق جبهة "متماسكة" داعمة، برضاها أو رغما عنها، للإدارة الأميركية.

الدكتاتورية الجديدة لم تعد إذن كسابقاتها، فهي دكتاتورية فوق الحدود، وفوق القواعد المعروفة في السياسة والقانون الدوليين، لذا لم تكن مواجهتها بنجاح ممكنة في أشهرها الأولى، حتى من قبل تجمعات وقوى عريقة بتقاليدها الديمقراطية.

ويمكن القول إنها قد أخذت البشرية على حين غرة، على الأقل لعامين من الزمن، حين لم تكن المقاومات المدنية قد نظمت نفسها بعد، كي تقلل من الخسائر وتضع أسس مواجهات منظمة بأساليب جديدة ومبتكرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة