الورقة العرقية في إيران.. هل من أزمة قادمة؟   
الأربعاء 1427/4/12 هـ - الموافق 10/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:49 (مكة المكرمة)، 11:49 (غرينتش)


مطيع الله تائب

- الفسيفساء العرقية في إيران
- السؤال العرقي والتعامل الرسمي
- إرهاصات دموية وامتدادات إقليمية
- أميركا.. ولعبة علنية أم سرية؟

بينما يكثر الجدل حول ضربة أميركية متوقعة للمنشآت الإيرانية النووية ما بين نفي أميركي بريطاني رسمي وتهديدات إيرانية شديدة العواقب، يتساءل البعض عن مدى أهمية الورقة العرقية في الخيارات الأميركية ضد إيران، وهل تشكل هذه الورقة خطرا حقيقيا على طهران أم لا؟

الفسيفساء العرقية في إيران
تعد إيران من الدول ذات التعددية العرقية، ويعتبر الفرس والأذريون والجيلاك والأكراد والعرب والبلوش والتركمان من أهم هذه العرقيات التي تشكل "الموزاييك" العرقي في إيران.

فحسب المصادر الرسمية يشكل الفرس 51% من السكان البالغ عددهم قرابة 70 مليون نسمة، في حين يشكل الأذريون 24% والجيلاك المازندارنيون 8% والأكراد 7% والعرب 3% واللور والبلوش والتركمان 2% لكل منهم، وبقية العرقيات 1% من السكان.

"
يبدو أن المشكلات العرقية التي كانت قد خمدت تحت رماد الأيام وجدت من ينفخ فيها مما يجعل التحدي أمام طهران سافرا وقويا لترتيب العلاقة مع هذه الأقليات حفاظا على تماسكها العرقي وعدم السماح لأميركا باستخدام هذه الورقة
"
هذه الأرقام قد تزيد وتنقص حسب مصادر بعض هذه القوميات التي تدعي أرقاما أعلى من تلك الأرقام الرسمية.

ويتميز المشهد القومي الإيراني بتداخل ما بين المذهبية والقومية كما أن امتداداتها الجغرافية الإقليمية تضيف إليه بعدا إقليميا مما يجعل الأمر غاية في التعقيد.

فمعظم الأقليات العرقية في إيران يقطنون المناطق الحدودية, فالعرب في الجنوب والجنوب الغربي، والبلوش في الجنوب والجنوب الشرقي، والتركمان في الشمال والشمال الشرقي، والأذريون في الشمال والشمال الغربي وأجزاء في الوسط، والأكراد في الغرب.

وبنظرة سريعة على الخريطة العرقية في المنطقة المحيطة نجد أن هذه العرقيات لها امتداداتها في الخارج، فالعرب يمتدون إلى العراق ودول الخليج في الجنوب، والبلوش لهم امتدادهم في إقليم بلوشستان في باكستان وأفغانستان، أما التركمان فيجاورون تركمانستان، والأذريون يقطنون جنوب جمهورية أذربيجان، والأكراد جزء من الحلم الكردي الكبير في تركيا وكردستان العراق.

وأما العامل المذهبي في النسيج العرقي الإيراني فيشكل بعدا هاما آخر, فحسب الأرقام الرسمية فإن 89% من سكان إيران يدينون بالمذهب الشيعي ويشكل أهل السنة 10% ويتوزع 1% بين الأرثوذكس الأرمن واليهود والزرادشتة وغيرهم.

وفيما يشكل معظم الفرس والأذريون والجيلاك والعرب سواد الشيعة، يشكل الأكراد والبلوش والتركمان وبعض العرب والفرس في الأقاليم الجنوبية والشرقية سنة إيران الذين يدعون أن نسبتهم تفوق 20% وينتقدون سياسات التضييق والتجاهل المتعمد من قبل الحكومة المركزية في طهران خصوصا في فترة ما بعد الثورة الإسلامية التي طالما رفعت شعار الوحدة الإسلامية.

تاريخيا ورغم التسلط السياسي للأتراك لحقب طويلة في إيران فإن اللغة والثقافة الفارسية بقيت هي المسيطرة على إيران والمنطقة بشكل كبير، ومع انتقال السلطة السياسية إلى الأسرة البهلوية الفارسية بعد انتهاء حكم القاجاريين في عشرينيات القرن الماضي أصبحت اللغة والثقافة الفارسية أحد أهم عناصر الهوية الإيرانية في القرن العشرين، كما لعب المذهب الشيعي دورا مهما كذلك في ترسيخ دعائم هذه الهوية التي سعت لإثبات نفسها أمام المنافسين الأتراك والعرب في المنطقة.

ورغم النجاح الكبير الذي لعبته إيران في إيجاد الهوية الإيرانية -ولو على حساب بعض حقوق الأقليات العرقية والمذهبية- فإن الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها إيران حاليا وما يحدث حولها من تطورات سياسية واجتماعية وأمنية في حقبة ما بعد الانهيار السوفياتي وعصر التفرد الأميركي، يبدو أن المشكلات العرقية التي كانت قد خمدت تحت رماد الأيام وجدت من ينفخ فيها، مما يجعل التحدي أمام طهران سافرا وقويا لترتيب العلاقة مع هذه الأقليات حفاظا على تماسكها العرقي وعدم السماح لأميركا باستخدام ورقة العرقيات ضدها في هذه المرحلة الحرجة من مواجهتها ضد الغرب.

السؤال العرقي والتعامل الرسمي
"
عبر مراجعة التعامل الرسمي لطهران مع ملفاتها العرقية نجد أنها آثرت التعامل بجدية مع أي نزعات عرقية متطرفة وتحجيم تطلعاتها عبر مطاردة وتضييق الخناق على التيارات التي تتحرك وسط الأقليات بأطروحات تعتبر عدائية للحكومة المركزية
"
لقد دأبت الحكومات الإيرانية خلال الثمانين عاما الأخيرة التي استلم فيها الفرس البهلويون دفة الحكم من الأتراك القاجاريين، على ترسيخ الهوية الإيرانية المتمثلة في اللغة والتاريخ والثقافة الفارسية والمذهب الشيعي خصوصا في فترة ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979.

غير أن هذا التوجه أدى إلى إيجاد الكثير من عدم الثقة لدى العرقيات الأخرى وصل إلى حد المواجهات الدموية في فترات مختلفة من تاريخ إيران المعاصر.

لقد حاول الأكراد إقامة جمهوريتهم عام 1946 باسم جمهورية مهاباد غربي إيران غير أنها سقطت بعد 11 شهرا وتم إعدام قادتها وبقيت المعارضة الكردية اليسارية فعالة ضد طهران في حقبتي الشاه والثورة الإسلامية إلا أن معظم بقية قادتها تمت تصفيتهم من قبل المخابرات الإيرانية في الغرب.

وشهد نفس العام تحركات من القوميين الأذريين لإيجاد جمهورية مستقلة للأذريين شمالي إيران غير أنها فشلت وبسطت حكومة الشاه سيطرتها بالكامل على تلك المناطق.

وعبر مراجعة التعامل الرسمي لطهران مع ملفاتها العرقية نجد أنها آثرت التعامل بجدية مع أي نزعات عرقية متطرفة وتحجيم التطلعات العرقية عبر مطاردة وتضييق الخناق على التيارات التي تتحرك وسط الأقليات بأطروحات تعتبر عدائية للحكومة المركزية.

ويتم التضييق والمطاردة تحت مسميات كثيرة مثل مكافحة التيارات الشيوعية والوهابية والعمالة للمخابرات الأجنبية ومكافحة التهريب والمخدرات خصوصا في الحالة البلوشية حيث تنشط فيها تجارة المخدرات وتهريبها من باكستان وأفغانستان.

وبعيدا عن هذا التعامل المتشدد تعاني هذه الأقليات التي تقطن الحدود في معظم الحالات (خصوصا الأكراد والبلوش والعرب) من الفروق الواضحة من حيث مستوى المعيشة والتعليم وفرص التعليم والعمل والرعاية الصحية والاجتماعية إضافة إلى شعورهم بأنهم مواطنون من درجة ثانية أو ثالثة أحيانا.

وتشير الكثير من الكتابات والتحليلات الإيرانية التي تتناول السؤال العرقي في إيران، إلى ضرورة التعامل الإيجابي مع هذا الأمر عبر المزيد من الاهتمام الحقيقي بهذه المناطق.

إرهاصات دموية وامتدادات إقليمية
"
يعتبر التوقيت هو الأهم في ظهور القلاقل العرقية في إيران حيث يرتبط ارتباطا واضحا بتوجيه الضغوط على إيران من أجل وقف برنامجها النووي ومحاولة إحداث تغيير في نظام الحكم الذي بات خطرا على مصالح واشنطن وإسرائيل
"
ولقد عاد التركيز على الورقة العرقية بشكل أوضح مع أحداث أهواز في الجنوب الإيراني حيث خرج الآلاف من عرب أهواز في منتصف أبريل/نيسان 2005 في مظاهرات يطالبون فيها بالمساواة وتحسين أحوالهم المعيشية رغم وجود منابع النفط في مناطقهم، ويطالبون بحريات ثقافية ووقف ما يسمى بفرسنة الشعب العربي هناك، غير أن تلك المظاهرات تم إخمادها بالقوة وقتل فيها عدد من المتظاهرين وتم القبض على عشرات آخرين منهم.

وما زال إقليم خوزستان يشهد عمليات تفجير متعددة تتهم طهران القوات البريطانية المستقرة في جنوبي العراق بتدبيرها ودعم المجموعات العربية الإيرانية المعارضة. ومن جهتها تدعي التنظيمات الأهوازية المعارضة لنظام إيران بأن هذا الإقليم ضم عام 1925 قسرا إلى إيران وأنها تسعى في سبيل استقلاله.

والأمر لم يتوقف عند العرب بل شهدت الجبهة الشرقية أحداثا دموية يوم 17/3/2006 راح ضحيتها كبار المسؤولين الأمنيين في إقليم سيستان بلوشستان في الجنوب الشرقي على الحدود الأفغانية الباكستانية وتحملت منظمة جند الله البلوشية السنية مسؤولية هذه العملية وهددت بالقيام بمزيد من العمليات المشابهة.

وفي الجبهة الكردية كذلك شوهدت تحركات عسكرية حيث قتلت مجموعة كردية إيرانية قريبة من حزب العمال الكردستاني جنودا إيرانيين في عمليات عسكرية في شهر مارس/آذار الماضي.

أما الكتلة العرقية الكبيرة التي لم تتحرك بشكل عنيف تجاه سياسات طهران حتى الآن فهم الأذريون الذين يستوطنون الأقاليم الشمالية والشمالية الغربية.

لكن هذه الكتلة الكبيرة -حسبما يتحدث الكثير من المعارضين الأذريين- تتغلغل في أعماقها ضد سياسات الاضطهاد الثقافي التي تمارسها الحكومة المركزية وتشهد مدينة تبريز التي تعتبر عاصمة الأذريين في إيران تحركات قومية بين شباب الجامعات الذين يسعون لإظهار انتمائهم التركي من آن لآخر ويطالبون بفتح مجال أكبر للتعبير عن ثقافتهم القومية في التعليم والإعلام.

طهران من جهتها لم تتردد في توجيه أصابع الاتهام إلى القوات البريطانية المستقرة في البصرة جنوبي العراق في الحالة الأهوازية، وأما في إقليم سيستان بلوشستان في الشرق فتم توجيه الاتهامات إلى الأميركيين والبريطانيين.

ويعتبر التوقيت هو الأهم في ظهور هذه القلاقل العرقية حيث يرتبط ارتباطا واضحا بتوجيه الضغوط على إيران من أجل وقف برنامجها النووي ومحاولة إحداث تغيير في نظام الحكم الذي بات خطرا على مصالح واشنطن وإسرائيل، كما تدعي واشنطن وتل أبيب.

ويبقى السؤال المطروح حاليا هو هل تستخدم واشنطن ولندن الورقة العرقية للضغط على إيران؟ وكيف يمكن لإيران أن تتعامل مع هذه الورقة لتفويت الفرصة على أعدائها المتربصين بها؟

أميركا.. ولعبة علنية أم سرية؟
يعتقد الكثير من متابعي الشأن الإيراني أن واشنطن لا تسعى علنا لاستخدام الورقة العرقية نظرا لحساسية الموضوع لدى الطيف الأكبر للمعارضة الإيرانية التي لا تختلف في تعاملها مع الأقليات العرقية عن الحكومة المركزية في طهران وتعتبر المساس بالهوية الإيرانية خيانة لإيران.

لكن هذا الأمر لا يعني أن واشنطن ولندن تسقطان الورقة العرقية من حساباتهما في التعامل مع الملف الإيراني، ويبدو أن لندن هي التي تتعامل مع هذا الملف الحساس عبر تنشيط المجموعات العرقية التي تتمتع بدوافع قوية للقيام بعمليات عسكرية داخل إيران.

ويرتبط تفاقم الأزمة العرقية في إيران ارتباطا وثيقا بكيفية تعامل طهران مع الملف العرقي داخليا ومدى جهود كل من واشنطن ولندن في توظيف هذه الورقة ضد حكومة إيران.

لقد دفعت الأزمة العرقية في الأهواز وأحداث إقليم بلوشستان الإعلام الإيراني وكذلك النشطاء السياسيين إلى أن يتكلموا -ولو في دوائر محدودة- عن الاهتمام بالأقليات العرقية والمذهبية ومحاولة تحسين أوضاعها الاقتصادية وتوفير مساحة معقولة من الحريات الدينية والثقافية.

لأن الاكتفاء بتوجيه أصابع الاتهام إلى أعداء إيران وممارسة مزيد من القمع وتشديد القبضة الأمنية على تلك المناطق قد توفر الفرصة بشكل أكبر لاستثمار الاحتقان السياسي والاجتماعي في تلك المناطق من قبل واشنطن ولندن.

ويبدو أن الحكومة الإيرانية قد تلجأ إلى سياسة احتواء مزدوجة بحيث تسعى للتعامل مع الأقليات العرقية بشكل مباشر بعيدا عن قياداتها السياسية وتنظيماتها التي تتحرك من الخارج، واستمرار قمع هذه التنظيمات في الخارج وتخوينها في الداخل.

"
هل تكتفي طهران بإلقاء اللوم على أعدائها وتستمر في التعامل السطحي مع الملف العرقي أم أنها تفوت الفرصة على واشنطن ولندن بالتعامل الإيجابي مع الملف عبر مزيد من الاهتمام بالأقليات القومية والاستجابة لبعض مطالبها؟
"
وتشعر طهران بكثير من الارتياح من أن المعارضة الإيرانية الفارسية بكل أطيافها الليبرالية واليسارية واليمينية تقف ضد التوجهات الانفصالية والدعوات القومية للأقليات في إيران، وأن هذه التوجهات القومية للأقليات لا تجد آذانا صاغية لدى المعارضة سواء في الداخل والخارج.

ومن جهة أخرى تشعر طهران أن القوى الإقليمية مثل باكستان وتركيا لا ترحب بأي دعم أميركي للبلوش والأكراد من شأنه تقوية النزعات العرقية في تلك الدولتين.

إستراتيجيا وعلى المدى المنظور تبدو طهران منزعجة من سيناريو انفصال إقليم خوزستان (أهواز) ذي الأكثرية العربية والذي يحتوي على مصادر النفط الأساسية في إيران، وتخاف من سيطرة الولايات المتحدة وبريطانيا على هذه المنطقة الإستراتيجية الهامة كأسوأ سيناريو يمكن أن يتحقق.

كما أن مخاوف إيران بدت تزداد حيال استقرار القوات البريطانية جنوبي غربي أفغانستان قرب الحدود الإيرانية وإمكانية تلقي المجموعات البلوشية المعارضة لإيران مثل جند الله دعما من هذه القوات.

أما الأكراد فيبدو أن إيران حصلت على وعود واضحة من أكراد العراق بعدم السعي لإقامة كردستان الكبرى، كما أن التعاون الإيراني التركي لتضييق الخناق على حزب العمال الكردستاني يساعد إيران في تحجيم نشاطات المجموعات الكردية المسلحة في توجيه أي خطر جدي لطهران في المدى المنظور.

ومهما كانت أسباب الأزمة العرقية في إيران داخلية أم خارجية أم مجتمعة معا، فإن الحقيقة الجديدة هي أن التغيرات التي تشهدها المنطقة من حول إيران منذ الانهيار السوفياتي حتى الغزو الأميركي للعراق فتحت الملف العرقي في إيران بشكل أعمق وأوسع من أي وقت آخر.

فهل تكتفي طهران بإلقاء اللوم على أعدائها وتستمر في التعامل السطحي مع الملف العرقي، أم أنها تفوت الفرصة على واشنطن ولندن بالتعامل الإيجابي مع الملف عبر مزيد من الاهتمام بالأقليات القومية والاستجابة لبعض مطالبها؟
ــــــــــ
كاتب أفغاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة