ظلال عربية للأزمة الأوكرانية   
الاثنين 16/5/1435 هـ - الموافق 17/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:56 (مكة المكرمة)، 14:56 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح



أوكرانيا وسوريا
مصر وحرب القرم
أميركا والعرب

على غير ما يظن الكثيرون، ليست مجريات أو تداعيات الأزمة الأوكرانية بمنأى عن أحوال بلاد العرب، ذلك أن ثمة نقاط تماس متعددة بين ما يدور في هذا البلد، الذي احتضن ميلاد الثورات الملونة في الفضاء الروسي قبل عقد مضى من الزمن، وبين ما يعتمل في أحشاء العالم العربي من تفاعلات لا تخلو بدورها من تقاطع بين الماضي والحاضر والمستقبل.

أوكرانيا وسوريا
عديدة هي مناحي التشابه وجوانب الاختلاف بين الأزمتين السورية والأوكرانية. وفي صدارة الأمور المتشابهات، تأتي التركيبة السكانية، والانقسام الجيوسياسي والتنوع الإثني فضلا عن بعض التجارب والخبرات التاريخية التي لم تخل من نزعات لدى محتكري القوة صوب تمكين الأقلية من حكم الأكثرية.

ومن بعد ذلك، يبرز المتغير الدولي أو الخارجي كأحد أهم العوامل المؤثرة في مسار الأزمتين. فمثلما هو الحال في الثورة السورية، وضعت الثورة الأوكرانية روسيا في مواجهة مزدوجة مع الولايات المتحدة وأوروبا، ورويدا رويدا انزلقت الثورتان في حبائل صراع دولي وأزمات اقتصادية ومالية وتوازنات إقليمية متشابكة ومعقدة للغاية.

في صدارة نقاط التشابه بين أزمتي سوريا وأوكرانيا التركيبة السكانية والانقسام الجيوسياسي والتنوع الإثني فضلا عن بعض التجارب التي لم تخل من نزعة لمحتكري القوة صوب تمكين الأقلية من حكم الأكثرية

فثمة رسالة غربية تصعيدية إلى روسيا ترمي إلى فرض قواعد الشراكة الدولية عليها بهيمنة غربية وأميركية وفقا للمفهوم الذي روجه رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي ريتشارد هاس بشأن مرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية، وهو ما يضع روسيا أمام تحدي الدفاع عن أمنها القومي ومصالحها العليا وكذلك عن فهمها لمضمون الشراكة في القرار الدولي بينها وبين الولايات المتحدة.

ففي حين يرى الغرب أن ما تشهده أوكرانيا هو محض ثورة شعبية تنشد الديمقراطية عبر إسقاط نظام مستبد واستعادة التوجه الغربي الأوروبي الديمقراطي لأوكرانيا، ومن ثم لا يحق لروسيا من قريب أو بعيد أن تفرض إرادتها على دولة جوار مستقلة، يحلو لمراقبين روس إرجاع الدور الأميركي الغربي في أوكرانيا إلى الصراع العالمي المفتوح حول مرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية الأميركية وتوازناتها ومضمون المعادلات الجديدة على المسرح الدولي.

ويرى هؤلاء أن ما تشهده أوكرانيا إنما هو ثورة ثالثة دبرها الغرب للقضاء على الثورة الثانية التي دعمتها موسكو للقضاء على الثورة البرتقالية الأولى التي اندلعت قبل عشر سنوات. الأمر الذي يستوجب رد فعل روسي تصعيدي سريع لاحتواء تلك الثورة الثالثة المدبرة غربيا وتثبيت الأوضاع على الأرض، وبما يؤمن الجاليات ذات الأصول الروسية هناك كما يضمن حماية وبقاء الأسطول الروسي في سواحل القرم.

وبينما يستقوي النظامان في سوريا وأوكرانيا بحلفاء خارجيين توخيا للبقاء في الحكم بغير إرادة الشعوب، لم تتورع الشعوب هي الأخرى عن التماس الدعم الخارجي لبلوغ غاياتها من وراء الإطاحة بالحكام المستبدين في البلدين.

ومثلما بررت موسكو دعمها لبشار الأسد في سوريا بتأييدها لحليفها في حربه ضد من أسمتهم بـ"الإرهابيين والجهاديين التكفيريين"، أطلقت روسيا حربا إعلامية لدعم تحركها في أوكرانيا، إذ دعت وسائل إعلامها إلى الوحدة الوطنية في مواجهة من أسمتهم بـ"الفاشيين والنازيين الذين استولوا على السلطة في كييف".

أما جوانب الاختلاف بين الأزمتين فتكمن في مواضع شتى، من أبرزها: التباين الفج في الموقف الدولي الذي لم يتأخر عن الظهور سريعا في الأزمة الأوكرانية عبر تحذير روسيا من مغبة التدخل العسكري في أوكرانيا، بينما قابله تخاذل يرقى إلى مستوى التواطؤ في الأزمة السورية.

وفيما تبدو الاحتجاجات داخل أوكرانيا شعبية وطنية إلى حد كبير حيث يرنو غالبية الأوكرانيين إلى إنهاء التبعية لموسكو والالتحاق بالغرب، يتطلع السوريون لإسقاط نظام عجز عن تحقيق أي من واجباته حيال شعبه بينما هرع بكل جنون يعمل كل ما بحوزته من سلاح للتنكيل بشعبه ومعاقبته على طلب الحرية.

وفيما خلت صفوف المحتجين الأوكرانيين أو كادت من أية عناصر أجنبية، تسنى لأطراف عربية وأعجمية التسلل إلى صفوف الحراك الشعبي ممثلة في بعض الجماعات الجهادية التكفيرية، كما استعان النظام الأسدي بمليشيات شيعية متوحشة مستظلة بالفيتو الروسي ومستجدية الدعم والمباركة من الأسد وحلفائه في موسكو وطهران وبغداد وبيروت.

ويطل برأسه خيار التقسيم في الأزمتين، فمثلما يطرح في سوريا بصيغ متنوعة أبرزها إقامة دولة علوية على ساحل المتوسط حالة فشل الأسد في الاستمرار بحكم سوريا، لا تبدو أوكرانيا بمنأى عن انقسام بين شطر أصغر في الشرق يبغي الانضمام لروسيا، إذ أعلن إقليم القرم قبل أيام الاستقلال رسميا عن أوكرانيا، وآخر أكبر في الغرب يتوق للاندماج مع أوروبا.

وربما يكون الواقع التقسيمي الذي طُرح في أوكرانيا غداة سقوط النظام الموالي لروسيا موحيا للأطراف الدولية في سعيها لتسوية الأزمة السورية سياسيا.

يطل برأسه خيار التقسيم في الأزمتين، فمثلما يطرح في سوريا بصيغ متنوعة أبرزها إقامة دولة علوية على ساحل المتوسط حالة فشل الأسد في الاستمرار بحكم سوريا، لا تبدو أوكرانيا بمنأى عن انقسام هي الأخرى
ويشكل مستوى العنف الذي يتبناه النظام في الحالتين أحد أهم جوانب الاختلاف بينهما، ففي سوريا -وعلى خلاف أوكرانيا، التي لم يسقط فيها سوى بضع عشرات من القتلى جراء الاحتجاجات- قضى ما لا يقلّ عن مائة وخمسين ألف سوري بينما يزداد النظام الأسدي تعطشا للمزيد من الدماء ورغبة في التدمير حتى صنفت كأشد بقاع العالم خطرا على الأطفال.

ويكاد يجمع مراقبون كثر على وجود ما يشبه التأثير المتبادل بين الأزمتين الأوكرانية والسورية، وإن اختلفوا في اتجاه هذا التأثير ومقداره.

فمن جهة يلمس فريق منهم تأثيرا للأزمة السورية على نظيرتها الأوكرانية، فعندما تهاونت روسيا في موضوع دعوة إيران إلى مؤتمر جنيف وقبلت استمرار إصدار الأوامر الأميركية إلى بان كي مون، وعندما تساهلت في الموقف من احتكار الولايات المتحدة لمهمة تكوين وفد المعارضة السورية إلى جنيف، كانت عمليا تظهر خضوعا لمفهوم شراكة بقيادة أميركية على حساب منطق الندية والتوازن والتكافؤ في المسؤوليات والالتزامات، وهو ما كانت نتيجته الطبيعية ذلك التمادي الأميركي والغربي في الغطرسة والاستفزاز الذي ظهر في مؤتمر ميونيخ الأخير للأمن بشأن ملفي أوكرانيا والدرع الصاروخية.

وثمة من يرى أن شعور روسيا بمحاصرة الغرب لها في سوريا قد دفعها إلى التشدد في أوكرانيا، ذلك أن بعض التهاون الروسي الذي ظهر عشية مؤتمر جنيف2 حول سوريا قد أغرى الولايات المتحدة والغرب باختبار فرص لي ذراع القيادة الروسية وتكريس المزيد من السوابق، فبعدما كانت موسكو تبدي استعدادا لتقبل فكرة إقامة إدارة انتقالية لسوريا توطئة لخروج الأسد من المشهد السياسي، تراجعت بقوة عن ذلك بعد تحريك الملف الأوكراني.

وفيما كان بوتين يحاول استغلال الورقة السورية للضغط على الغرب في الأزمة الأوكرانية، سعت واشنطن بمساعدة حلفائها الأوروبيين لتضييق الخناق على الرئيس الروسي عبر تفجير الأزمة في أوكرانيا لحمله على التراجع خطوات للوراء في الأزمة السورية، لاسيما وأن بوتين يستطيع أن يخسر في العراق أو ليبيا وربما في سوريا، لكنه لا يستطيع أن يتراجع في القرم على أبواب قلعته، لكنه قد يصر على مساندة الأسد في سوريا إذا ما خسر "أسد كييف" نهائيا.

مصر وحرب القرم
إلى جانب كونها مسرح الأزمة الأوكرانية الحالية، شكلت شبه جزيرة القرم ساحة للنزاعات الإقليمية والدولية على مدى القرون القليلة الماضية، كما كانت دائما بمثابة الميزان الذي يشير إلى تمدد روسيا أو انحسارها.

لذا، تحرص موسكو على بقاء الأسطول الروسي مرابطا في موانئها على البحر الأسود التي تعد قاعدته البحرية الأهم وبوابته إلى البحر المتوسط وسوريا ومنطقة الشرق الأوسط ككل.

ويحمل الإقليم ذكرى مشاركة المصريين في ما يعرف بـ"حرب القرم"، التي اندلعت بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية خلال الفترة من (1853-1856) بعدما اتسع نطاق الحرب في العام 1954 بدخول مصر وبريطانيا وفرنسا ومملكة سردينيا، الحرب إلى جانب الدولة العثمانية لمواجهة الأطماع الروسية في انتزاع منطقة القرم من الدولة العثمانية التي طفق الضعف يدب في أوصالها وقتذاك، حتى انتهت الحرب بهزيمة روسيا وتوقيع اتفاقية باريس في نهاية مارس/آذار من عام 1856.

فقد كانت القرم تابعة منذ العام 1475 للإمبراطورية العثمانية التي استغل الروس ضعفها فضموا شبه الجزيرة في عام 1771 إلى الإمبراطورية الروسية التي زحف جيشها زمن القيصر نقولا الأول في 1853 على مولدوفيا ورومانيا الآن، مشعلا أخطر فتيل، وهو "حرب القرم" زمن السلطان العثماني عبد المجيد الأول الذي أسرع بدوره إلى تشكيل تحالف دولي من أصدقاء الإمبراطورية العثمانية وولاتها، وأشهرهم كان عباس باشا الأول، والي مصر، الذي أسعفه بقوة بحرية مكونة من ثلاث سفن حربية وثلاث فرقاطات وأربعة زوارق، بها 642 مدفعا و6850 جنديا، إضافة إلى قوات برية يبلغ قوامها عشرين ألف جندي و72 مدفعا، انضمت جميعها إلى قوات التحالف العثماني المكونة من 23 ألف جندي.

وفي عام 1854 نجحت قوات التحالف العثماني في دحر الجيش الروسي بقيادة الجنرال منتشيكوف، في "معركة ألما". وبعدها عاد الأسطول المصري في أكتوبر/تشرين الأول من ذات العام إلى الأستانة، وأثناء عودته غرقت بارجتان مصريتان في البحر الأسود، وفقدت البحرية المصرية 1920 بحارا، ونجا 130 فقط" في أسوأ كارثة عرفتها البحرية المصرية.

وفى آخر نوفمبر/تشرين الثاني 1855، تمكن الأسطول الروسي من تدمير الأسطول العثماني عند سواحل مدينة "سينوب" في الشمال التركي، وكان من بين السفن التي تم تدميرها الفرقاطة المصرية "دمياط" التي تزن 1400 طن، وكان فيها 56 مدفعا وما بين أربعمائة وخمسمائة جندي ابتلعتهم مياه البحر الأسود في ثاني فاجعة بحرية مصرية.
إلى جانب كونها مسرح الأزمة الأوكرانية الحالية، شكلت شبه جزيرة القرم ساحة للنزاعات الإقليمية والدولية على مدى القرون القليلة الماضية، كما كانت دائما بمثابة الميزان الذي يشير إلى تمدد روسيا أو انحسارها

أما القوات البرية المصرية، فكانت الفرقة الأولى والأهم فيها بقيادة إسماعيل باشا حقي، وشاركت بالدفاع عن مدينة "سيليستريا" في شمال شرق بلغاريا من 11 مايو/أيار إلى 22 يونيو/حزيران من عام 1854 وصدت هجمات الروس عليها بقتال كان الأشرس في حرب القرم، حيث سقط أربعمائة مصري، تم دفنهم في المقبرة الإسلامية بالمدينة، وكان من بينهم سليم باشا فتحي، الذي تم دفنه بجوار مسجد بأوباتوريا، وهو "مسجد خان" الأقدم والأشهر في المدينة.

أميركا والعرب
يمكن القول إن ما تشهده أوكرانيا يُعد -في بعض جوانبه- أحد أهم تداعيات التقارب الإستراتيجي بين القاهرة وموسكو، والذي تجلت أبرز معالمه في زيارة وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي لموسكو وإبرامه صفقة تسلح روسية ضخمة ومتطورة بتمويل سعودي إماراتي، والتي واكبتها مباركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لترشح المشير السيسي لرئاسة مصر حتى قبل إعلان الأخير ترشحه رسميا.

هذا الأمر يُعد صفعة موجعة لواشنطن، التي ترفض أية خطوات من شأنها أن تفضي إلى تنويع مصادر تسليح الجيش المصري بما يمهد السبيل لاستقلال مصر تسليحيا عن المورد الأميركي، كما تتحفظ على ترشح المشير السيسي للرئاسة مخافة صعود عبد الناصر جديد يربك لها حساباتها ومصالحها التي طالها القلق والاضطراب في منطقة استوطنها التوتر منذ أن عرفت الثورات والانتفاضات الشعبية.

ولم يكن مستغربا في هذا السياق وصف الكاتب الأميركي توماس فريدمان -في مقال له بصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مطلع هذا الشهر- اللقاء الأخير الذي جمع بين السيسي وبوتين في موسكو، بلقاء الأقوياء، مؤكدا أنه ذكره باللقاء الشهير الذي جرى في موسكو أيضا في ستينيات القرن الماضي بين عبد الناصر وخروشوف.

وربما تحاول واشنطن أن توجه رسالة واضحة للعرب من خلال أزمتي أوكرانيا وسوريا مفادها عدم الرهان على موسكو أو التفكير في استبدالها بواشنطن.

لذا، من غير المستبعد أن يلقى النهج الذي يتعاطى من خلاله الغرب مع موسكو في أوكرانيا وسوريا بظلاله على زيارة أوباما للرياض قريبا، وعلى موقفه التفاوضي مع المسؤولين السعوديين بشأن ملفات إقليمية شتى، أبرزها بالطبع الملف السوري.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة