عن الفيتو والجنائية.. ماذا عن الوعود الأخرى؟!   
الجمعة 12/3/1436 هـ - الموافق 2/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

كان مشروع القرار الذي تم تقديمه إلى مجلس الأمن الدولي سيئا، بل بالغ السوء، ولولا ذلك لما اضطرت الفصائل الفلسطينية إلى المطالبة بسحبه، ليس حماس والجهاد وحسب، بل الشعبية والديمقراطية وفصائل أخرى أيضا.

من الجيد التذكير بحيثيات السوء في القرار ممثلة في أنه يتنازل سلفا عن كل القرارات الصادرة بشأن فلسطين عن مؤسسة الأمم المتحدة. ومن بينها قرار من محكمة لاهاي عام 2004 بشأن الجدار يُعد أقوى من قرار 242، لكن السلطة تنساه، ولم يترتب عليه أي شيء.

في مشروع القرار لا تطالب السلطة بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، بل تتحدث عن مفاوضات تستند إلى تلك الحدود، الأمر الذي يفتح الباب أمام تبادل الأراضي. ويعلم الجميع ماذا يعني هذا البند من حيث إبقائه الكتل الاستيطانية الكبرى التي تسرق أهم أراضي الضفة في مكانها، مقابل أراضٍ أخرى أقل قيمة بكثير.

يتحدث القرار عن القدس "كعاصمة لشعبين"، والنتيجة هي شطب عودة القدس الشرقية التي يرددها القوم منذ قبلوا بقرار 242، وفتح الباب أمام عاصمة في الضواحي التي ضُمت إلى المدينة بعد عام 67.

مشروع القرار ما لبث أن جرى تعديله بعد الهجوم الموسَّع عليه، وهو تعديل لم يغير في حقيقة أنه ظل ينطوي على تنازلات أكبر من تلك التي نصَّت عليها قرارات ما تسمى الشرعية الدولية، بخاصة فيما يتعلق بحدود 67، أو بقضية اللاجئين، مع إشارات غير مبررة فيما يتعلق بقضية القدس

يربط القرار "حق عودة" اللاجئين الفلسطينيين وممتلكاتهم "بالمبادرة العربية" التي تتحدث عن حل "متفق عليه" لقضية اللاجئين، مما يعني أنه لا عودة لأراضي 48، وهو تنازل قديم في واقع الحال. ففي وثائق التفاوض، يتحدث عريقات عن موافقة أولمرت على إعادة عشرة آلاف خلال عشر سنوات، فترد عليه ليفني (يأملون الآن بفوز تحالفها على نتنياهو!) بأن ذلك رأي أولمرت الشخصي، وأن الرقم الذي سيعود هو "صفر".

يعطي المشروع/القرار الاحتلال مهلة للبقاء حتى عام 2017، ولا معنى لهذا التاريخ سوى أن تأخذ "إسرائيل" وقتها، وتكمل ابتلاع الضفة وتهويد القدس. والأهم، طبعا في ظل استمرار التفاوض العبثي والتنسيق الأمني، مطاردة المقاومة.

لكن مشروع القرار ما لبث أن جرى تعديله بعد الهجوم الموسَّع عليه، وهو تعديل لم يغير في حقيقة أنه ظل ينطوي على تنازلات أكبر من تلك التي نصَّت عليها قرارات ما تسمى الشرعية الدولية، بخاصة فيما يتعلق بحدود 67، أو بقضية اللاجئين، مع إشارات غير مبررة فيما يتعلق بقضية القدس، وإن جرى النص على القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، خلافا للنص الأول.

اضطر عباس إلى إجراء التعديلات المشار إليها، ولا يُعرف إن كان ذلك من أجل تجنب سيل النقد الذي تعرض له المشروع، بما في ذلك من داخل حركة فتح، والذي سيضرب مقولة إنه لم يتنازل عما يسميها الثوابت، أم لأن أحدا قد أبلغه أن الأميركان سيستخدمون حق النقض (الفيتو) في أي حال بطلب من اللوبي الصهيوني خشية تأثير ذلك على فرص نتنياهو في الانتخابات القادمة.

والنتيجة أن الفيتو قد استخدم، الأمر الذي فضح الموقف الأميركي المفضوح أصلا، معطوفا هذه المرة على مواقف أوروبية أخرى لم تؤيد المشروع كما هي حال بريطانيا، في حين شاركت أستراليا برفض المشروع في تأكيد على أن التحالف الأنجلوساكسوني سيبقى متينا إلى حد كبير.

للتذكير فقط، فإن مرور المشروع في الأمم المتحدة لم يكن ليغير شيئا في واقع الحال ومسار الأحداث، فالصهاينة لن يلتزموا به كما لم يلتزموا بما سبقه من قرارات دولية، وبالتالي فلن يعدو الأمر أن يكون تخديرا للشعب الفلسطيني، في حين سيتواصل الاستيطان والتهويد، ومعه التنسيق الأمني أيضا.

تقول وقائع التاريخ إن المحتلين لا يتصدقون على الشعب الذي احتلوا بلده وأرضه، ولا يتراجعون إلا حين يغدو احتلالهم مكلفا، وفي الحالة الفلسطينية الراهنة، تعمل السلطة بكل ما أوتيت من قوة ضد المسار الذي يمكن أن يجعل الاحتلال مكلفا من الناحية السياسية والأمنية والاقتصادية، وهو الانتفاضة الشاملة في كل الأرض الفلسطينية، حتى لو لم تكن مسلحة في البداية، إذا كانت حقيقية تصطدم بحواجز الاحتلال، وقبل ذلك توقف التنسيق الأمني، وتجعل الاحتلال عاريا أمام العالم أجمع.

ثمة فرصة لذلك من دون شك رغم تراجع الوضع العربي الرسمي الذي سيكون أضعف أمام الجمهور بعد تداعيات الربيع العربي رغم تراجعه، وفي ظل الحرب على الدولة الإسلامية، لكن القرار الأهم ينبغي أن يأتي من السلطة التي ينبغي على قيادتها أن تتحمل المسؤولية الأكبر، وقد تتعرض للحصار كما تعرض ياسر عرفات من قبل، وتنسى حكاية المال والأعمال والاستثمار للمحاسيب والأحباب، بخاصة أولئك الذي يتاجرون مع رموز الاحتلال، ويتنعمون ببطاقات الفي آي بي التي يمنحها لهم.

ماذا عن الوعد الآخر الذي قطعه الرئيس الفلسطيني على نفسه إذا فشل مشروع قرار إنهاء الاحتلال عبر مجلس الأمن، أعني وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال؟ هل سيفعل ذلك؟ نشك، بل ربما نجزم بأن ذلك لن يحدث

جديد الموقف من طرف عباس، وبعد صفعة الفيتو الأميركية، هو التوقيع على طلب الانضمام لعدد من المنظمات الدولية، أهمها المحكمة الجنائية الدولية، وهو تطور جيد دون شك، مع أنني شخصيا لم أكن من المتحمسين للمشروع تبعا لما يرتبه على الشعب الفلسطيني من أعباء وشروط جديدة فيما يخصّ مقاومته للاحتلال، أي أن المسألة سيف ذو حدين.

مع ذلك، وما دام الكل يرحب بذلك، فلا بأس أن نفعل، لاسيما أنه سيجعل إمكانية ملاحقة رموز الاحتلال في المحاكم الدولية واردة بقوة، لكن السؤال الأكبر هو: هل يكفي ذلك لستر عورة المسار السياسي الراهن الذي نتابعه منذ 2004؟ ثم ماذا عن الوعد الآخر الذي قطعه الرئيس الفلسطيني على نفسه إذا فشل مشروع قرار إنهاء الاحتلال عبر مجلس الأمن، أعني وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال؟ هل سيفعل ذلك؟ نشك، بل ربما نجزم بأن ذلك لن يحدث، والأهم من ذلك، هل سيسمح عباس للشعب الفلسطيني بالتحرك في اتجاه انتفاضة شاملة، أم أن الفيتو التقليدي الذي أعلنه مرارا (لن تكون وهو على قيد الحياة) سيتواصل؟

ثم هل ستحدث المعجزة الأخرى ممثلة في تنفيذ عباس لوعد ربما نسيه، مع أنه كرره مرارا، وهو الاستقالة وترك الأمر برمته، ولن نذكّره هنا بوعد آخر (ما أكثر الوعود) ممثلا في حلِّ السلطة، أي إعادة الاحتلال وتحميله المسؤولية عن الوضع في الضفة، بما ينطوي عليه ذلك من تكاليف هائلة (على الاحتلال طبعا) على الصعيد الاقتصادي والسياسي والأمني.

هذه هي الأسئلة الراهنة، إذا ما لم يتغير المسار السياسي برمته، ويتم تبني خيار المقاومة الشاملة، وبناء الوعي والمجتمع الفلسطيني على ذلك، فإن مسيرة التيه ستتواصل، وهو ما نرجحه ما لم يجترح الشعب معجزته المنتظرة، ويطلق انتفاضته العظيمة التي ستفرض نفسها على الجميع، بما في ذلك عباس وفتح وجميع الفصائل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة