هل سيصمد الاتفاق السادس بين تشاد والسودان؟   
الثلاثاء 1429/3/11 هـ - الموافق 18/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 8:33 (مكة المكرمة)، 5:33 (غرينتش)


بدر حسن شافعي

- ظروف توقيع الاتفاق
-
أسباب الحرص التشادي
-
الموقف الإقليمي والدولي
-
الفتور السوداني
-
مستقبل الاتفاق

أخيرا نجح الرئيس السنغالي عبد الله واد في تحقيق نجاح دبلوماسي له ولبلاده، تمثل في توقيع الرئيسين السوداني عمر البشير والتشادي إدريس دبّي سادس اتفاق سلام لوقف كل منهما دعم المتمردين على الآخر، فضلا عن احترام الحدود ومنع انتهاكها، وكذلك التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لبلديهما.

"
الجديد الذي حمله هذا الاتفاق هو النص على إنشاء مجموعة اتصال هدفها متابعة وتنفيذ الاتفاق ومراقبة أي انتهاكات محتملة
"
ظروف توقيع الاتفاق

وبالرغم من أن هذا الاتفاق الذي فضلت الخرطوم إطلاق اسم "إعلان" عليه، لم يأت بجديد فيما يتعلق ببنوده الأساسية -بل كان اتفاق مكة الذي تم توقيعه في يوليو/تموز الماضي أكثر تفصيلا منه- ف
إن الجديد الذي حمله هو النص على إنشاء "مجموعة اتصال هدفها متابعة وتنفيذ الاتفاق ومراقبة أي انتهاكات محتملة".

هذه المجموعة ترأسها ليبيا والكونغو، بالإضافة إلى السنغال الوسيط الأساسي في المفاوضات الأخيرة، والغابون وإريتريا وتجمع الساحل والصحراء والمجموعة الاقتصادية لأفريقيا الوسطى والاتحاد الأفريقي.

ويقضي الاتفاق بأن تجتمع مجموعة الاتصال مرة كل شهر في إحدى عواصم الدول الأعضاء فيها، ويمكنها عقد اجتماعات استثنائية في حالة وجود شكوى مقدمة من أحد الطرفين.

ولعل الأمر اللافت للنظر في هذا الاتفاق هو ذلك التأييد الكبير الذي لقيه على كافة المستويات، الإسلامية والأفريقية والدولية، مما انعكس على حجم من حضر توقيعه من أمثال الأمين العام لكل من منظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، فضلا عن ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وفرنسا.

هذا التأييد هو ما دفع الرئيس البشير في نهاية المطاف إلى الموافقة على توقيعه بعدما كان غير متحمس لذلك في بداية الأمر لاعتبارات موضوعية أحيانا، مثل عدم التزام تشاد بالاتفاقات الخمسة السابقة، أو غير موضوعية مثل القول بتعرضه لصداع شديد ترتب عليه تأجيل توقيع الاتفاق لمدة يوم.

وفي المقابل نجد هناك حرصا من قبل الرئيس التشادي على توقيع هذا الاتفاق، وتفعيل آليات المراقبة هذه المرة خاصة فيما يتعلق بزيادة التفويض الممنوح لقوات الهجين الدولية في دارفور من ناحية، ولقوات "اليوفور" أو "اليورفور" الأوروبية في منطقة المثلث الحدودي بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى من ناحية ثانية.

هذا الحرص التشادي والدولي مقابل الفتور السوداني بشأن توقيع الاتفاق يحتاج إلى تفسير، خاصة أن ما واكب الاتفاق من ادعاء تشاد حدوث اختراق لأراضيها من ناحية دارفور لم يحل دون توقيع الاتفاق. فما السبب في هذا الإصرار؟

أسباب الحرص التشادي
يمكن القول بوجود مجموعة من الأسباب المختلفة دفعت الرئيس التشادي إلى توقيع هذا الاتفاق، والحرص على وضع آليات لتنفيذه يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- الأوضاع الاقتصادية السيئة داخل تشاد بالرغم من الثروات النفطية الهائلة التي تتمتع بها البلاد، ويتمثل ذلك في تدني مستوى المعيشة وتدني مستوى الخدمات العامة سواء كانت صحية (نصف السكان يموتون دون بلوغ سن الخامسة ودون أربعين عاما) ، أو تعليمية أو اقتصادية خاصة أن بعض المناطق الجنوبية الزراعية بدأت تتضرر من خط أنابيب النفط الذي يمر عبر أراضيها إلى الكاميرون.

2- الأوضاع السياسية والأمنية السيئة، إذ تعيش البلاد حالة من الاحتقان السياسي، فضلا عن التدهور الأمني منذ وصول الرئيس دبّي إلى الحكم عبر انقلاب عسكري أوائل التسعينيات.

هذه الأوضاع أفرزت حالة من الصراع السياسي المسلح من خلال بعض الجبهات التي تنطلق من السودان (ثلاث جبهات تحديدا) ، وصلت إلى ذروتها في فبراير/شباط الماضي عندما تمكن هؤلاء بسهولة شديدة من الوصول إلى محيط القصر الرئاسي في واقعة ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة.

وقد حدث ذلك أكثر من مرة في العامين الأخيرين تحديدا، وهو ما يكشف عن ضعف شديد في قدرات النظام السياسي التشادي، ولولا تدخل القوات الفرنسية في كل مرة لوقعت البلاد في أيدي المتمردين الموالين للخرطوم.

يضاف إلى ذلك حالة الاستبداد السياسي المفروضة على الشعب ذي الأغلبية العربية المسلمة، إذ تسيطر عليه أقلية حاكمة من الزغاوة لا تزيد عن 7% تقريبا وهي ذات توجهات غربية فرانكفونية، مما حوّل تشاد تدريجيًّا إلى هوية ثقافية فرنسية على حساب الهوية العربية والإسلامية التي يتمتع بها أغلب الشعب هناك.

بالإضافة إلى ذلك هناك حالة استئثار وانفراد بالسلطة على أسس قبلية، مما ساهم في زيادة حالة السخط لدى باقي القبائل الأخرى، علاوة على مخاوف دائمة لدى جميع القادة في تشاد بمن فيهم دبّي نفسه، من أن أحد أهم عناصر عدم الاستقرار السياسي للنظام التشادي التي قد تصل إلى مرحلة الانقلاب العسكري تأتي من الشرق، حيث الحدود السودانية.

فمن هناك قد وصل الرئيس غوكوني عويدي للحكم عام 1978 عبر السودان، وكذلك خلفه الرئيس حسين حبري عام 1982، ثم إدريس دبّي أوائل التسعينيات.

3- تسهيل انتشار قوات اليوفور الأوروبية، فضلا عن تسهيل مهامها في مراقبة الحدود، إذ إنه في ظل استمرار حالة التوتر والقلق على حدود تبلغ 1370 كيلومترا بين السودان وتشاد، فإنه يتعذر على هذه القوات المحدودة (3700 جندي أكثر من نصفهم فرنسيون) الانتشار، ثم القيام بمهامها في ضبط الحدود ثانيا.

وهناك اتجاه لدى الرئيس دبّي للمطالبة بزيادة التفويض الممنوح لهذه القوات، وكذلك قوات الهجين بحيث تضطلع بعملية نزع سلاح المتمردين في الجانبين، وهو ما ترفضه الخرطوم جملة وتفصيلا لأنها تنظر إلى هذه القوات على اعتبار أنها غير محايدة من ناحية، كما أنها ستسعى من وجهة نظر السودان إلى تقويض الاستقرار في غرب السودان من ناحية ثانية.

"
يمكن أن يرجع الفتور السوداني إلى رغبة الخرطوم في إسقاط نظام الرئيس التشادي بسبب علاقاته الوطيدة بالغرب التي يمكن استغلالها في تفكيك السودان، خاصة منطقة الغرب وإقليم دارفور تحديدا
"
الموقف الإقليمي والدولي

يلاحظ أن هناك حالة من التأييد الإقليمي والدولي لتوقيع هذا الاتفاق، مع اختلاف دوافع كل طرف.

الأطراف الإقليمية كمصر وليبيا ترغب في تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة لدواعي الأمن القومي، ولعل هذا ما يفسر أسباب زيارة الرئيس السنغالي عبد الله واد لكل من القاهرة وطرابلس قبل الاتفاق الأخير.

وهذا هو ما يفسر كذلك أسباب استضافة القاهرة وطرابلس للعديد من القمم المصغرة في هذا الشأن، بل إن ليبيا شهدت توقيع اتفاق سلام بين الجانبين في فبراير/شباط 2006 عند اشتداد الأزمة في حينها.

أما بالنسبة للسنغال فهي حريصة على زيادة نفوذها في القارة السمراء في مواجهة كل من نيجيريا ومصر وجنوب أفريقيا.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يهتم فيها الرئيس واد بأحد الصراعات، بل سبق أن قدم أطروحاته للتنمية الأفريقية من خلال مبادرة "أوميغا"، كما كانت بلاده إحدى الدول المؤسسة لمبادرة "النيباد".

ولا شك أن رئاسته للدورة الحالية لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكسبته ميزة إضافية في هذا الصدد.

أما عن الموقف الدولي ونخص به الموقف الأوروبي والفرنسي تحديدا، فإن الحرص فيه يرجع لعدة اعتبارات، لعل أبرزها تسهيل نشر قوات اليوفور التي ستعد بمثابة أحد أدواته الرئيسية في هذه المنطقة الجيوإستراتيجية من ناحية، والاقتصادية الهامة من ناحية ثانية.

ولا شك أن استمرار حالة عدم الاستقرار في هذه المنطقة ليس في صالح الرئيس دبّي الذي يتمتع بتأييد فرنسي واسع النطاق، كما أن الخوف الفرنسي من تنامي النفوذ الأميركي في هذه المنطقة عامة وتشاد خاصة يمكن أن يعتبر ضمن تلك الدوافع.

وهنا من الضروري التذكير بأن الوجود النفطي الأميركي في تشاد تبلور خلال الأعوام الثمانية الماضية في إنشاء أكبر ناقل نفطي في غرب أفريقيا من حقول دوبا التشادية بامتداد يزيد على ألف كيلومتر واستثمارات بلغت أكثر من ملياري دولار، كما أن تشاد تبدو أحد المواقع المناسبة لاستضافة قاعدة القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم".

الفتور السوداني
وإزاء هذا الحرص التشادي والدولي على توقيع هذا الاتفاق، فإن الفتور السوداني يرجع للاعتبارات التالية:
1- رغبة الخرطوم في إسقاط نظام الرئيس التشادي بسبب علاقاته الوطيدة بالغرب التي يمكن استغلالها في تفكيك السودان، خاصة منطقة الغرب حيث يوجد إقليم دارفور.

صحيح أن الحكومة السودانية تنفي ذلك رسميا، إلا أنها ترغب فيه، ولعل ما يؤيد ذلك قول موسى هلال الذي يتردّد أنه زعيم مليشيات "الجنجويد" الموالية للخرطوم، والذي عُيّن في منصب مستشار بوزارة الحكم الاتحادي مؤخرا إن تغيير الأوضاع في دولة تشاد المجاورة سينعكس خيرا على السودان!

فالحكومة السودانية تدرك جيدا كيف أن تشاد تحولت إلى مركز لإدارة العمليات الغربية والأوروبية ضدها، وإلى مركز للصراع بين المخابرات الفرنسية (التي تمثل الغرب) والمخابرات السودانية، وهو ما اعترفت به صحف فرنسية علنا مثل لوفيغارو.

ولعل هذا يفسر بداية أسباب رفض السودان نشر قوات اليوفور الأوروبية على الحدود، مقابل الترحيب التشادي بها، حيث ترى الخرطوم أن نشر هذه القوات على حدودها قد يكون مقدمة للتدخل في شؤونها الداخلية.

ولعل هذا ما يفسر أيضا أسباب رفض الخرطوم من قبل نشر قوات أوروبية ضمن قوات الهجين في دارفور، ومن ثم فهي ترى في استجلاب تشاد لقوات اليوفور نوعا من الالتفاف على رفضها لقوات الهجين.

2- إدراك الخرطوم أن الحرص التشادي هذه المرة نابع من الرغبة في نشر قوات اليوفور الأوروبية التي ستعمل على تثبيت دعائم نظام دبّي في مواجهة قوى التمرد، خاصة أن فرنسا هي التي تهيمن على هذه القوات.

3- إحساس الخرطوم بعدم جدية تشاد في تنفيذ الاتفاقات الموقعة بينهما، خاصة أنها وصلت إلى خمسة اتفاقات كان من أبرزها اتفاق مكة الذي تم التوصل إليه برعاية سعودية في مايو/أيار 2007.

"
هذا الاتفاق لن يكون سوى حبر على ورق، ولن يقدم جديدا عن سوابقه التي كانت أكثر تفصيلا منه، مما يؤكد أن العبرة ليست بالصياغة والأقوال، وإنما بتوفر الإرادة السياسية الخالصة أولا، ثم ترجمة ذلك إلى أفعال على أرض الواقع ثانيا
"
وبالرغم من توقيع هذا الاتفاق في البلد الحرام، فإن الرئيس دبّي -وفق تصريحات البشير- لم يلتزم به، فهل سيلتزم باتفاق دكار؟

4- تحسن الوضع النسبي للحكومة السودانية في مواجهة حركات التمرد بدارفور، خاصة بعدما تبين مؤخرا وجود تعاون بين أبرز فصائل التمرد "فصيل حركة تحرير السودان (جناح عبد الواحد نور) وإسرائيل، فضلا عن التعاون بين حركة العدل والمساواة وحكومة تشاد.

وهذا يعطي الحكومة السودانية مبرّرًا لاستخدام القوة العسكرية في مواجهة حركات التمرد، خاصة في ظل التأييد الشعبي الداخلي لها، فضلا عن تنامي التأييد الدولي لموقفها أيضا.

لكن بالرغم من عدم التحمس السوداني، فإن الخرطوم وافقت في النهاية على توقيع الاتفاق لعدة أسباب لعل أبرزها عدم الرغبة في إبراز أنها الطرف الرافض للسلام، خاصة أمام الرأي العام العالمي، والقوى الكبرى كالولايات المتحدة التي ما برحت تتهم السودان –بالحق والباطل– بانتهاك حقوق الإنسان في دارفور والتدخل في شؤون دول الجوار.

مستقبل الاتفاق
بالرغم من صعوبة التكهن بمصير هذا الاتفاق الذي لم يمض على توقيعه سوى أيام معدودة فإن هناك جملة من الاعتبارات تدفعنا إلى القول إنه لن يصمد كثيرا.

لعل أبرز تلك الاعتبارات ما يلي:
1- عدم توفر الإرادة السياسية الصادقة لدى طرفيه في إنهاء هذا النزاع، وإلا فإن الاتفاقات السابقة كانت أكثر منه تفصيلا، ولم يتم مع ذلك احترام أي من بنودها.

2- استمرار أزمة عدم الثقة سوف يجعل كُلا من البلدين يطلب من الآخر تقديم التنازل أولا، كما ظهر قبل توقيع الاتفاق بساعات، عند الاتهام التشادي للسودان، وفي المقابل رفض الخرطوم لذلك.

3- رفض قوى التمرد للاتفاق، خاصة على الجانب التشادي إذ جاء ذلك الرفض سريعا وحاسما بعد توقيعه، وقد أشارت هذه القوى إلى أنها عازمة على الإطاحة بالرئيس دبّي.

4- عدم تضمن الاتفاق لجداول زمنية محددة بشأن قضايا هامة وحيوية في نفس الوقت مثل ترسيم الحدود بصفة نهائية وكيفية توفير التمويل اللازم، واجتماع اللجنة العسكرية المشتركة بينهما وفق اتفاق الخرطوم (أغسطس/آب 2006) لبحث انتهاكات الحدود وكيفية ضبطها... إلى غير ذلك من الأمور.

وهذا هو ما دفع أحد المسؤولين السودانيين إلى التعليق بأن هذه القضايا سيتم بحثها بعد ذلك دون تحديد مدى زمني.

وذلك يعني في التحليل الأخير أن هذا الاتفاق لن يكون سوى حبر على ورق، ولن يقدم جديدا عن سوابقه التي كانت أكثر تفصيلا منه، الأمر الذي يؤكد لنا أن العبرة ليست بالصياغة والأقوال فحسب، وإنما بتوفر الإرادة السياسية الخالصة أولا، ثم ترجمة ذلك إلى أفعال على أرض الواقع ثانيا. وإلا فستصير الأمور "محلك سر".

________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة