ركائز المشروع الصهيوني في دائرة الضوء   
الأربعاء 1431/1/14 هـ - الموافق 30/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:09 (مكة المكرمة)، 13:09 (غرينتش)
نبيل السهلي


مع ارتفاع وتيرة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية وكذلك تعالي الأصوات العنصرية الإسرائلية لطرد الأقلية العربية من داخل الخط الأخضر, برزت أسئلة عديدة حول ركائز المشروع الصهيوني في فلسطين وبالتالي الحلقات التي لم تنجز حتى اللحظة الراهنة.

وفي هذا السياق يذكر أن المنطلق الإستراتيجي لسياسة الإحلال والتهويد الصهيونيين في فلسطين قد ارتكزت على أربعة أسس، تتفرع عنها جملة مبادئ لأغراض مرحلية التنفيذ وفق الإمكانات الصهيونية المتاحة.

وتحدد الأسس والركائز بما يلي: العمل الصهيوني الدؤوب لتهجير يهود العالم إلى فلسطين لكونها العامل الحاسم لزيادة وتطور مجموع اليهود في فلسطين، فضلاً عن العمل على تهويد الأرض العربية، بعد احتلالها ومصادرة ما يمكن مصادرته بطرق عديدة، إضافة إلى محاولة تهيئة الظروف السياسية لطرد ما أمكن من العرب الفلسطينيين ومن ثم إقامة المستوطنات لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا لصالح المشروع الصهيوني، وأخيراً تمً التركيز على إيجاد اقتصاد عبري من شأنه أن يكون عاملا جاذبا لمزيد من يهود العالم، من خلال تحقيق مستويات معيشة مرتفعة ومعدلات نمو عالية.

ماذا تحقق من ركائز للمشروع الصهيوني بعد مرور نحو واحد وستين عاماً على انشاء اسرائيل؟ وماذا عن الحلقات المفقودة للمشروع؟ أسئلة سنحاول الإجابة عنها في سياق عرضنا.

أهمية الهجرة اليهودية وأرقامها
"
ستظل الهجرة اليهودية هاجساً قوياً لأصحاب القرار في إسرائيل لكونها حجر الأساس في تأمين المادة البشرية اليهودية لتحقيق أحلامها التوسعية في المنطقة العربية وتحقيق التفوق الديموغرافي الدائم على العرب في فلسطين
"
أولى قادة الحركة الصهيونية وإسرائيل أهميةً كبيرةً لموضوع هجرة اليهود من بقاع الأرض كافة باتجاه فلسطين، وذلك لتأمين المادة البشرية التي تلزم لتنفيذ حلقات المشروع الصهيوني المتصلة والممرحلة، ولوحظ أن الهجرة اليهودية لم تتخذ طابع الجذب والطرد وفق العوامل الموضوعية، وإنما اتخذت طابعاً منظماً تقف وراءه المؤسسات الصهيونية، ومنذ مؤتمر بال استطاعت الحركة الصهيونية وإسرائيل استغلال الظروف الدولية لجذب مزيد من يهود العالم وإسرائيل، فكانت بريطانيا المؤسس الأول لدفع المادة البشرية اليهودية إلى فلسطين أثناء انتدابها على فلسطين خلال الفترة (1922-1948) فحصلت كبرى الهجرات اليهودية إبان تلك الفترة حتى وصل مجموع اليهود عشية الإعلان عن إقامة إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948 إلى نحو (650) ألف يهودي ارتفع نتيجة الهجرة بشكل أساسي، وبفعل استمرار الهجرة ليصل إلى (5.5) ملايين يهودي في العام 2009.

وقد كانت السنوات الأولى لإقامة إسرائيل (1948-1960) سنوات ذهبية بالنسبة لعامل الهجرة اليهودية، فقد ساهمت الهجرة بنحو 69% من إجمالي الزيادة اليهودية في فلسطين خلال تلك الفترة، وتراجعت هذه النسب بسبب تراجع عوامل الجذب إلى فلسطين المحتلة، وكذلك عوامل الطرد من دول المنشأ، إلى أن عاودت الظروف المناسبة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وتم جذب أكثر من (1.2) مليون يهودي خلال الفترة (1989-2000)، وتبعاً لذلك ساهمت الهجرة خلال السنوات المذكورة بنحو 67% من إجمالي زيادة اليهود في فلسطين.

وبعد تراجع أرقام الهجرة ما بين 2000 و2009 مقارنة بالفترة (1989-2000)، فإن السلطات الإسرائيلية تسعى جاهدةً لفتح قنوات جديدة لهجرة يهود من الدول الآسيوية، خصوصاً في ظل عدم وجود احتمالات هجرة اليهود إلى فلسطين من أوروبا وأميركا بسبب ارتفاع مستوى معيشتهم في تلك الدول، وستظل الهجرة اليهودية هاجساً قوياً لأصحاب القرار في إسرائيل لكونها حجر الأساس في تأمين المادة البشرية اليهودية لتحقيق أحلامها التوسعية في المنطقة العربية من جهة، وتحقيق التفوق الديموغرافي الدائم على العرب في فلسطين من جهة أخرى.

طرد العرب كخطوة لتهويد الأرض
اعتمدت الحركة الصهيونية وإسرائيل على ارتكاب المجازر لحمل العرب على الرحيل عن أرضهم بقوة السلاح وهناك شواهد كثيرة منذ العام 1948 مرورا بعام 1967 وحتى عام 2009 شردت السلطات الإسرائيلية بطرق مباشرة وغير مباشرة نحو (850) ألف فلسطيني عام 1948 أصبح مجموعهم في عام 2009 نحو خمسة ملايين لاجئ.

وفي العام 1967 إبان احتلالها للضفة والقطاع، استطاعت السلطات الإسرائيلية طرد نحو (460) ألف فلسطيني أصبح مجموعهم نحو (1.5) مليون فلسطيني في العام 2009 وهم ما يطلق عليهم مصطلح نازحي العام 1967.

وثمة تصريحات من عنصريين إسرائيليين وفي المقدمة منهم وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي أفيغدور ليبرمان لتهجير مزيد من العرب داخل الخط الاخضر ومن الضفة الغربية، وقد توضح ذلك أيضاً في توصيات مؤتمرات هرتسيليا السنوية.

التسلل اليهودي إلى الأرض والسيطرة عليها
وبالنسبة إلى الركيزة الصهيونية الأهم والمتمثلة بتهويد الأرض الفلسطينية فإن تلك العملية تطلبت السيطرة على الأرض الفلسطينية بشتى الطرق والوسائل، وقد وضعت لها آليات منظمة ومؤسسات تنفيذية تعمل بدقة عبر وسائل عديدة من بينها المجازر والإجلاء القسري والاستيلاء على الأرض الفلسطينية.

وقد لعبت المؤسسات الصهيونية المختلفة، مثل الصندوق القومي اليهودي، والوكالة اليهودية ومنظمة ييكا، فضلاً عن الانتداب البريطاني، لعبت دوراً مهما في نقل ملكية الأراضي العربية الفلسطينية لليهود، وقد امتلك اليهود حتى قرار التقسيم في العام 1947 نحو (1820000) دونم، والتي اشتريت من قبل الكيرن كابميت (800 ألف دونم) و (450) ألف دونم من قبل منظمة الييكا أما الباقي وهو (570) ألف دونم فقد اشتريت من قبل شركات عامة لأفراد. وبعد قيام الكيان الصهيوني العام 1948 والذي أنشئ على مساحة قدرها (22920000) دونم: منها (425) ألف دونم مساحات مائية والباقي كانت ملكية موزعة بالشكل الآتي:

"
على الرغم من مرور نحو واحد وستين عاماً على إقامة إسرائيل فإن السلطات الإسرائيلية لا تزال تعتبر الأرض العربية المحتلة ركيزة أساسية لتحقيق حلقات المشروع الصهيوني في المدى البعيد
"
أولا: 77% هي عبارة عن أملاك أميرية.
ثانيا: 3.5% هي عبارة عن أملاك مملوكة من قبل الصندوق القومي اليهودي ( الكيرن كابميت).
ثالثا: 2% من الأراضي المحتلة عام 1948 مملوكة لمنظمة "البيكا".
رابعا: 3.6% مملوكة من قبل الأفراد والجمعيات اليهودية.
خامسا: 13.9 من الأراضي الفلسطينية التي هجر أهلها العرب خلال عامي 1947 و1948.

أي أن الحركة الصهيونية حتى العام 1948 وعلى الرغم من نشاط مؤسساتها المحموم لم تستطع السيطرة سوى على 9.1% من مجموع مساحة الأراضي الفلسطينية التي أنشئت عليها إسرائيل في العام 1948، في حين ساهم الانتداب البريطاني بالقسط الأكبر من التسلل اليهودي إلى الأراضي الفلسطينية والسيطرة عليها.

وبعد العام المذكور استمرت السلطات الصهيونية بالاستيلاء على الأراضي العربية بكافة وشتى الطرق والقوانين الجائرة، فتوسعت تبعاً لذلك ملكيات الصندوق القومي اليهودي في فلسطين. وتابعت السلطات الصهيونية خطواتها التهويدية بعد احتلالها الضفة والقطاع، فكانت القدس مركز التهويد لأهداف سياسية معروفة في مقدمتها اعتبارها العاصمة الأبدية لإسرائيل.

ومنذ العام 1967، استطاعت السلطات الإسرائيلية مصادرة نحو 60% من مساحة الضفة الفلسطينية وإقامة (151) مستوطنة فيها، تستحوذ على (250) ألف مستوطن يهودي، ناهيك عن 180 ألف مستوطن في الأحياء والأطواق الاستيطانية حول مدينة القدس المحتلة.

وعلى الرغم من مرور نحو واحد وستين عاماً على إنشائها، ناهيك عن ثمانية عشر عاماً على مؤتمر مدريد (1991-2009)، وستة عشر عاماً على اتفاقات أوسلو، فإن السلطات الإسرائيلية والمؤسسات الإسرائيلية النافذة لا تزال تعتبر الأرض العربية المحتلة ركيزة أساسية لتحقيق حلقات المشروع الصهيوني في المدى البعيد، وقد توضح ذلك من خلال التصورات المشتركة لكافة الأحزاب الإسرائيلية حول قضايا الحل النهائي التي تشتمل على الحدود والسيادة والمستوطنات والقدس.

وبالنسبة إلى الركيزتين المتمثلتين بإقامة المستوطنات وتطور الاقتصاد الإسرائيلي، فإن الحركة الصهيونية وإسرائيل، اعتبرتا تلك الركيزتين الوجه الآخر لعملية الاحتلال والمكملة للتهويد والتفريغ والسيطرة الديموغرافية، وهي الحزام الأمني والاقتصادي للمجتمع الإسرائيلي، فمنذ العام 1948 وقبله أقامت الحركة الصهيونية وإسرائيل مستوطنات تستحوذ على المهاجرين من اليهود من جهة، وتحقق عملية العزل والحصار للقرى العربية من جهة ثانية.

ومن أجل ذلك هدمت السلطات الإسرائيلية (478) قرية من أصل (585) قرية عربية وأنشأت على أطلال الكثير منها مستوطنات أو بالقرب منها، وما زلنا نلحظ حتى اللحظة في عام 2009 أن للمستوطنات وكذلك الأمر للنشاط الاستيطاني بشكل عام أهمية قصوى في إطار نشاط المؤسسات والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لكونها ركيزة من ركائز المشروع الصهيوني وانطلاقه لتحقيق خطوات لاحقة.

وهذا ما توضح مؤخراً للسياسات التي ستتبعها حكومة نتنياهو, حيث انصبت غالبية تصريحات الوزراء من كافة الأحزاب المشكلة للحكومة على اتفاق الأطياف والمكونات الحزبية على أهمية النشاط الاستيطاني والاستمرار في قضم الأرض في الضفة الغربية لصالح الاستمرار في بناء الجدار العازل ليلتهم أكثر من 50% من مساحة الضفة الغربية ويصادر 81% من حجم المياه الفلسطينية للمستوطنات في الضفة الغربية.

الإقتصاد الإسرائيلي في خدمة الإستراتيجيا العليا
واكب التطور في تحقيق ركائز المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية منذ عام 1948 ظهور اقتصاد إسرائيلي يساعد على تدعيم تلك الركائز، وقد مر بعدة مراحل، ولكل مرحلة سماتها، وقد حقق الاقتصاد الإسرائيلي نمواً ملحوظاً في مراحل تطوره كافة استطاعت تلبية حاجات المجتمع الصهيوني الآخذة بالنمو للإبقاء على مستوى معيشة مرتفع للمهاجرين اليهود، حتى تبقى عوامل الجذب قائمة باستمرار.

"
حقق الاقتصاد الإسرائيلي نمواً ملحوظاً في مراحل تطوره كافة استطاعت تلبية حاجات المجتمع الصهيوني الآخذة بالنمو للإبقاء على مستوى معيشة مرتفع للمهاجرين اليهود، حتى تبقى عوامل الجذب قائمة باستمرار
"

وساعد على ذلك مساعدات الجاليات اليهودية، والمساعدات الأميركية التي بلغت خلال السنوات الأخيرة (3) مليارات دولار للسنة الواحدة، منها (1.8) مليار مساعدات عسكرية، و(1.2) مليار مساعدات اقتصادية، وتبعا لمعدلات النمو المتحققة في الاقتصاد الإسرائيلي، فإن هناك العديد من المؤشرات الأخرى مرتفعة، مثل دخل الفرد الذي وصل إلى نحو (18) ألف دولار بالمتوسط، والعمر المتوقع(77) عاما، في حين وصلت معدلات التعليم بين الكبار فوق الخامسة عشرة من العمر إلى 95%، الأمر الذي يؤكد تحقيق إسرائيل تنمية بشرية مرتفعة.

وتبقى الإشارة إلى أنه بعد مرور مائة واثنا عشر عاماً على المؤتمر الصهيوني الأول في بال (1897-2009) وواحد وستين عاما على إنشاء اسرائيل، فإن ركائز المشروع لم تكتمل بعد، سواء في شقها البشري أو المادي أي الأرض، فثمة حلقات مفقودة ولم تكتمل، فالاستيطان على أشده والموازنات المخصصة لذلك خير دليل، والإنسان الفلسطيني ملاحق في أرضه سواء في فلسطين المحتلة عام 1948، أو المحتلة عام 1967، من خلال جعل حياته صعبة، أومحاولة أسرلته، وجعله هامشياً في أرض أجداده وآبائه وتبعاً لذلك ستبقى أراضي فلسطين محور صراع مفتوح خلال العقود القادمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة