معادلة جديدة بعد القرار 1441   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: منير شفيق*

مع صدور القرار 1441 عن مجلس الأمن بتاريخ 8/11/2002 وموافقة العراق بلا شروط عليه, تكون إشكالية حرب أو لا حرب على العراق قد دخلت مرحلة جديدة. وهنا تدخل -بصورة حاسمة- الكيفية التي سيتعامل بها العراق مع لجنة التفتيش "أنموفيك" والوكالة الدولية للطاقة الذرية.. فأمريكا لم تعد هي الطرف المباشر مقابل العراق، مهما يكن لها من نفوذ على اللجنة والوكالة.


صحيح أن بنود القرار جاءت في معظمها كما تريد أميركا وبلغتها, إلا أن رفع تلقائية الحرب منه والتأكيد على ضرورة العودة إلى مجلس الأمن هما في الحقيقة أهم ما قدمتهما أميركا لفرنسا وروسيا والصين والأعضاء غير الدائمين حتى يخرج القرار بالإجماع
وقد أصبح العراق هنا اللاعب الأول, ويفترض بلجان التفتيش أن تحافظ على درجة من الاستقلالية والحيادية وتكون أقرب إلى المهنية، وتبتعد عن الاستفزازات التي تريد أميركا منها ممارستها أثناء أداء مهمتها.. فالعيون جميعا ستكون مركزة على ما يقوم به كل من العراق ولجان التفتيش. وهذا سيكون في مصلحة العراق, إذا كان سيمضي بقوة في تنفيذ القرار وعدم استبقاء أية ذريعة "معتبرة" يمكن أن تستخدم ضده. إلى هنا تكون أميركا قد خسرت بإصدار القرار 1441, إذ حجم دورها ولم يبق لها غير العمل من وراء الكواليس ومن خلال نفوذها على أجهزة الأمم المتحدة أو لجان التفتيش. وهو نفوذ ليس بالكامل, وإن كان أثره كبيرا.

صحيح أن بنود القرار جاءت في معظمها كما تريد أميركا وبلغتها, إلا أن رفع تلقائية الحرب منه والتأكيد على ضرورة العودة إلى مجلس الأمن هما في الحقيقة أهم ما قدمتهما أميركا لفرنسا وروسيا والصين والأعضاء غير الدائمين حتى يخرج القرار بالإجماع.

أما البنود الأخرى على شدتها وسيئاتها وظلمها بالنسبة إلى العراق فلا تخدم الرغبة الأميركية في الحرب, إلا إذا رفضها العراق أو عرقل تنفيذها بطريقة مكشوفة. أما إذا نفذها ولم يعق عمل لجان التفتيش فيكون السحر قد انقلب على الساحر. ثم هنالك ما أصبح يمتلكه الأعضاء الآخرون في مجلس الأمن من رأي في نتائج عمل هذه اللجان أكانت إيجابية أم سلبية ما دام القرار يقضي بالرجوع إليه، الأمر الذي حرم الإدارة الأميركية من أن تكون الحكم الوحيد على ما سيجري بين لجان التفتيش والعراق.


المعضلة تظل كامنة في تصميم صقور الإدارة الأميركية على شن العدوان لأهداف لا علاقة لها بنزع أسلحة الدمار الشامل. وهذه مسألة جوهرية في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة
ومن هنا يمكن القول إن أفقا واسعا فتح لتجنب الحرب إذا خرج العراق من الامتحان ناجحا. على أن المعضلة تظل كامنة في تصميم صقور الإدارة الأميركية على شن العدوان على العراق لأهداف لا علاقة لها بنزع أسلحة الدمار الشامل. وهذه مسألة جوهرية في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي أعلنها الرئيس بوش يوم 20/09/2002, الأمر الذي يغلق بدوره الأفق لتجنب الحرب. ولكن الأكيد أن لجوء أميركا إلى الحرب أصبح أصعب عليها من المرحلة التي سبقت الرجوع إلى مجلس الأمن وصدور قرار 1441، لأنها والحالة هذه تكون في حالة تحد سافر للشرعية الدولية, بينما كان حالها قبل القرار مجرد تخط لمجلس الآمن ومن ثم ستواجه من المعارضة الداخلية والدولية والرأي العام أشد مما واجهت قبل الآن.

ذلكم يفسر انبعاث رائحة غضب من تصريحات المجموعة الصقرية التي لم تكن تريد أصلا اللجوء إلى مجلس الأمن، أو قبول المساومة مع فرنسا وروسيا وبقية أعضاء مجلس الأمن. فبعض القريبين منهم راحوا يبدون تخوفا من عدم وقوع الحرب بسبب ورطة القبول بالاحتكام لمجلس الأمن أو الاعتراف بدور مشارك في القرار للدول الكبرى الأخرى. وهؤلاء في الحقيقة أكثر تماسكا بالنسبة إلى إستراتيجية الأمن القومي آنفة الذكر, وذلك لأن هذه الإستراتيجية التي تهدف إلى إقامة نظام دولي جديد تحت الديكتاتورية العسكرية الأميركية لا يناسبها التحرك من خلال هيئة الأمم المتحدة، أو الالتزام بالاتفاقات والمواثيق والقوانين الدولية. فهذه جميعا تتعارض مع نظرية "الحرب الوقائية" و "الضربة الاستباقية". ثم كيف يمكن إقامة ديكتاتورية عسكرية أميركية تخضع جميع الدول لقرارها المنفرد وتقبل أن تعيد الاعتبار للدول الكبرى بمجلس الأمن, لأن هذا عكس ما تستهدفه إستراتيجية الأمن القومي الأميركي, وبكلمة أن الذهاب إلى مجلس لأمن والقبول بالمساومة لا يتماشيان وتلك الإستراتيجية. الأمر الذي يفترض -خصوصا والغلبة للصقور في التأثير في قرار الرئيس الأميركي بوش- بأن الذهاب إلى المجلس والموافقة على قرار 1441 تم تحت ضغوط داخلية وخارجية وصعوبات تواجهها سياسات الصقور. وهذه الضغوط وتلك الصعوبات ستتزايد بعد القرار وموافقة العراق عليه وتنفيذه بدقة وبلا ثغرات فاضحة.


عوامل تجنب الحرب أصبحت أقوى، ولا يبطل فعلها إلا قرار انفعالي أحمق غير محسوب النتائج يلغي السياسة ولا يبالي إن ورطت أميركا في وضع لا تحسد عليه في مواجهة العالم كله

ومن ثم فإن عوامل تجنب الحرب أصبحت أقوى، ولا يبطل فعلها إلا قرار انفعالي أحمق غير محسوب النتائج يلغي السياسة ولا يبالي إن ورطت أميركا في وضع لا تحسد عليه في مواجهة العالم كله.

وهذا بالضبط ما كان وراء القيادات الأميركية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي, حين ضغطت على بوش ضد اتخاذ قرار منفرد بالحرب واللجوء إلى مجلس الأمن والمحافظة على مشاركة الدول الكبرى الأخرى. وهو اعتبار ما زال قائما, ويجب أن يؤخذ عند الإجابة عن السؤال: هل يمكن أن تقع الحرب رغم نجاح العراق في امتحان المفتشين؟

_______________
*مفكر وكاتب ومحلل سياسي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة