من حرب الاختيار إلى حرب بلا نهاية   
الجمعة 10/5/1434 هـ - الموافق 22/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:34 (مكة المكرمة)، 10:34 (غرينتش)
كريستوفر ر. هِل

 

عندما استعيد نظام البوربون الملكي في عام 1815، قال الدبلوماسي الفرنسي تاليران عن البوربون: "إنهم لم يتعلموا أي شيء ولم ينسوا أي شيء". وبعد مرور عشر سنوات منذ بداية حرب العراق، فإن السؤال هو ما إذا كان أي شخص -سواء في أميركا، أو العراق، أو إيران، أو في دول عربية أخرى -قد تعلم أي شيء من هذه التجربة الرهيبة.

وفقاً لمعايير الحرب الحديثة، فإن خسائر أميركا كانت أقل كثيراً من مثيلاتها في صراعات حديثة أخرى -قتل في فيتنام أكثر من ضعف الذين قتلوا في العراق 12 مرة-. ورغم هذا فإن حرب العراق أفزعت أميركا في نواح كثيرة.

إذا كان أعضاء إدارة الرئيس كنيدي أضفوا طابعاً فكرياً على حرب فيتنام, فإنه لا شيء يقارن بمصارعة الطين الدماغية التي أديرت بها حرب العراق في واشنطن

فقد كانت كما أشار العديد من المراقبين، حرب "اختيار"، وهي صياغة نادراً ما استخدمت لوصف حروب أميركا السابقة، إن كانت قد استخدمت على الإطلاق.

من زاوية خاصة، كانت حرب العراق أول حرب خبرات استشارية على الإطلاق. صحيح أن أعضاء إدارة الرئيس الأميركي جون ف. كنيدي أضفوا طابعاً فكرياً على حرب فيتنام وناقشوا مزايا الإستراتيجيات، بما في ذلك مكافحة التمرد. ولكن لا شيء يقارن بمصارعة الطين الدماغية التي أديرت بها حرب العراق في واشنطن.

ولقد عكس هذا جزئياً التهديد الوجودي الممثل في أذهان كثيرين في الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. فقد قيل آنذاك إن الولايات المتحدة لابد أن تبدأ في التفكير في الحرب بشكل مختلف. وقال الدبلوماسي الأميركي السابق جورج ف. كينان إن "الديمقراطية تحارب في غضب". ولكن مبدأ "الاستباقية" الإستراتيجي الجديد، الذي زعم كثيرون أنه سوف يحدد هيئة صناعة الحرب في القرن الحادي والعشرين، يشير إلى أن الديمقراطيات تحارب أيضاً في رهبة.

وهناك في واقع الأمر سبب آخر للحرب، وهو يتلخص في الانقسام الداخلي في أميركا حول ما تمثله للبلاد كأمة، والغرض منها، وما تحمله من معاني في نظر بقية العالم. ولم تجِب الحرب على هذه التساؤلات. بل إن العكس هو ما حدث، فقد خرجت الولايات المتحدة من العراق أكثر انقساماً مما كانت عليه عندما دخلتها.

وبالنسبة للعراق، فإن التعقيدات والتناقضات التي أحاطت بالحرب كانت أكثر وضوحا. فكل من يزور العراق ويتحدث مع العراقيين سوف يخرج بشعور مفاده أن تخليص العالم من صدّام حسين كان إنجازاً بالغ الأهمية، بل ولعله كان إنجازاً نبيلا، فقد نافس بطغيانه أعتى طغاة القرن العشرين. ولكن الولايات المتحدة فشلت -برغم هذا عندما سعت إلى تحرير العراق- في التساؤل حول الكيفية التي اكتسب بها ذلك الطاغية قوته في المقام الأول، وبالتالي ما هي التحديات التي قد تواجهها في محاولة تغيير النظام.

وفي نظر البعض فإن الطائفية في العراق بدت كعاصفة صيفية، وسرعان ما مرت بمجرد تحول "زيادة" القوات الأميركية إلى إستراتيجية في عام 2007. ولكن حتى الأخطاء الفادحة التي تمثلت في اجتثاث البعث (فصل كل المسؤولين العراقيين الذين كانوا أعضاءً في حزب البعث) وتفكيك الجيش العراقي -التدابير التي بلغت من الحماقة حداً يجعل الجميع يحجمون الآن عن الاعتراف بإصدار الأوامر بتنفيذها -لا تكفي لتفسير الأزمة السياسية المستمرة في العراق.

والاعتقاد بأن الاقتتال الطائفي بدأ بسبب قرار أميركي أحمق، ثم انتهى بسبب قرار آخر حكيم في وقت لاحق، يتجاهل الدور الذي لعبته الطائفية في البلاد التي تمتد عبر عالم سُنّي شيعي كردي عربي. ومن المؤكد أن هذه الانقسامات التي حجبتها شمولية صدّام لم تختف في أي وقت من الأوقات.

الواقع أن الانقسام السُنّي الشيعي قائم في العديد من أنحاء العالم العربي. وفي حين رأى الأميركيون في احتجاجات البحرين في عام 2011 طموحات ديمقراطية، فإن أحداً في المنطقة لم يشك في أن المصدر الحقيقي للاضطرابات كان الأغلبية الشيعية المتوترة (التي ربما ألهمها العراق، أو ربما حتى إيران كما يزعم العرب السُنّة) التي تحاول إزالة نظام ملكي سُنّي.

ويشير هؤلاء الذين يزعمون أن زيادة القوات (وما صاحبها من تدابير جديدة ومحسنة في "مكافحة التمرد") نجحت في التغلب على خط الصدع الطائفي في العراق، إلا أن المشاكل السياسية المستمرة هناك هي نتيجة لسوء إدارة رئيس الوزراء نوري المالكي.

فلو كان أكثر ميلاً إلى الديمقراطية، أو لو مد يده إلى المجتمع السُنّي -ربما من خلال تقديم حقيبة وزارية أخرى لهم- فإن التفجيرات الانتحارية التي يشنها متطرفون سُنّة ضد الاحتفالات الدينية الشيعية كانت لتنتهي.

الواقع أن الشرق الأوسط -الذي تقاذفته حرب العراق، واضطرابات الربيع العربي، والمواجهة الطائفية في سوريا- غير موقن في أي اتجاه قد تنقله الخطوة التالية: الديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون، أم الحكم الإسلامي؟ ومع هذا فإن العراق في نظر العالم السُنّي لا يمثل الخطأ الذي لابد من تجنب تكراره فحسب، بل ولابد من إصلاحه أيضا. وبالتالي فإن السُنّة العرب والشيعة الفرس -على حد سواء- يرون أن العراق لا يزال متاحاً للراغبين، باعتباره قضية وليس بلدا، "لعبة كبرى" من نوع تعود عليه العالم تماما.

السعوديون وغيرهم من السُنّة العرب لم يظهروا ميلاً كبيراً إلى جلب العراق إلى الصف العربي، بل تركوه يتحسس طريقه في العالم بنفسه

والواقع أن السعوديين وغيرهم من السُنّة العرب لم يظهروا ميلاً كبيراً إلى جلب العراق إلى الصف العربي، بل تركوه يتحسس طريقه في العالم بنفسه. وتساهم هذه الدول بشكل كبير -كما فعلت في الانتخابات الوطنية عام 2010 -  في ما تأمل أن يكون استعادة لهيمنة السُنّة، عندما يتم تصحيح الخطأ العظيم الذي ارتكبه الأميركيون ويصبح العالم العربي كُلاً واحدا.

بعد عشر سنوات من رحيل صدّام، لا يزال مستقبل العراق حيث كان دوما: بين يدي العراقيين، الذين سوف يكون لزاماً عليهم أن يرتفعوا إلى مستوى الحدث. فلا أحد يستطيع أن يخلق نظاماً سياسياً مستقراً من أجلهم، وبعد رحيل الأميركيين، فإن الجيران العرب المتطفلين والإيرانيين المتلهفين لن يجنوا إلا الخسارة بالحكم على العراق بأن يظل مصدراً للمتاعب.

أما بالنسبة للأميركيين، فيتعين علينا أن نتعلم مما حدث في العراق، خشية أن تحكم علينا غطرستنا بخوض مغامرات مماثلة. وعندما يتعلق الأمر بالرؤية التي أرسلتنا إلى هناك، فإن هذا يعني أننا لابد أن ننسى أيضا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة