لماذا يعجب بوتين بترامب؟   
الخميس 1437/11/22 هـ - الموافق 25/8/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:51 (مكة المكرمة)، 13:51 (غرينتش)
كريستوفر سمارت


عندما ينظر فلاديمير بوتين للنجوم ليلا، ويتخيل عالم أحلامه فإنه قد يبتسم عندما يفكر بإمكانية أن يصبح دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وربما يكون بوتين معجب بفكرة أن يكون هناك قائد أميركي يركز على القانون والنظام في الوطن عوضا عن بناء الديمقراطية في الخارج وربما يكون بوتين معجبا بأسلوب ترامب المتبجح الذي يذكره بأسلوبه.


لكن عندما يستفيق بوتين من أحلام اليقظة فإنه سيدرك أنه لا يمكن أن يخدم فوز ترامب مصالح روسيا، وعليه فإن من المستحيل أن تكون هناك خطة جادة في الكرملين -سواء بالاعتماد على الفضاء الإلكتروني أو غيره من الوسائل الأخرى- من أجل المساعدة في تحقيق هذا الفوز.

بالطبع، ليس من الصعب تصور أن قراصنة الإنترنت "الهاكرز" قد وجدوا بالفعل طريقة لاختراق خوادم اللجنة الديمقراطية الوطنية أو الخوادم المستخدمة من قبل حملة هيلاري كلينتون كجزء من جهود التجسس التي تستهدف جميع أنواع المؤسسات الحكومية والتجارية والسياسية، وفي القرن الحادي والعشرين فإن أجهزة مخابرات الكرملين كانت ستتهم بالإهمال المهني لو لم تكن تحاول بجد واجتهاد القيام بتلك الهجمات.

عندما يستفيق بوتين من أحلام اليقظة فإنه سيدرك أن فوز ترامب لا يمكن أن يخدم مصالح روسيا، وعليه فمن المستحيل أن تكون هناك خطة جادة في الكرملين -سواء بالاعتماد على الفضاء الإلكتروني أو غيره من الوسائل الأخرى- من أجل المساعدة في تحقيق هذا الفوز

للقادة الروس تاريخ طويل مماثل، من التحريض والدعاية أو "أجيتبروب "، وهو مصطلح كان القادة السوفيات السابقون يطلقونه على الحملات العلنية والسرية للتأثير في الرأي العام في البلدان الأجنبية، ولكن هذه الجهود لها سجل متباين من النجاحات، ومن المرجح أن بوتين يتفهم بشكل كبير بأن التدخل الروسي قد يؤدي بسهولة لنتائج عكسية، وعليه فما يزال من غير الواضح معرفة مدى تأثير روسيا نفسها أو ويكيليكس فيما يتعلق بتوقيت ومحتوى التسريبات الأخيرة والتي ظهرت على موقع ويكيليكس.

ومن المؤكد تماما أن أي تقييم واضح للكرملين يجب أن يخلص لنتيجة مفادها أن فوز ترامب ليس في مصلحة روسيا، فمن الممكن -ربما- الاستمتاع بمشاهدة توتر وتشنج السياسيين الأميركيين والابتهاج بشعور حلفاء أميركا باليأس؛ ولكن الرئيس ترامب سيجعل حياة بوتين أكثر صعوبة بكثير.

إن مصلحة روسيا الوطنية المركزية هي في الأساس اقتصادية بينما تترنح على وقع الضربات المشتركة لتدهور أسعار النفط والنمو الأوروبي الضعيف والعقوبات الغربية المالية.

وفي واقع الأمر فإن المصالح الروسية تتضمن الهيمنة السياسية على جاراتها، وهذا ما دفع بالتدخل الأخرق في شبه جزيرة القرم والذي يتعاطف معه ترامب اليوم، وهذه المصالح تتضمن كذلك الاحتفاظ بارتباط روسيا التاريخي في الشرق الأوسط وإزعاج الولايات المتحدة الأميركية كلما كان ذلك ممكنا، وفي هذا السياق فإن الجهود الحالية لدعم الحكومة السورية هي عبارة عن ضرب عصفورين بحجر واحد.

لكن رفع مستويات المعيشة هو أمر حيوي للاحتفاظ بقبضة بوتين على السلطة وإرثه على المدى الطويل، وحتى قبل التدخل في أوكرانيا فشل بوتين في الوفاء بوعده الكبير الذي قدمه في سنة 2003 من أجل مضاعفة حجم الاقتصاد الروسي خلال عقد. وبالنسبة للناتج المحلي الإجمالي الإسمي للفرد، فإن روسيا ما تزال أفضل بقليل من المكسيك والجهود، لتنويع وتحديث الاقتصاد فشلت نظرا لأن التقنيات التي تغير من وضع الأسواق وإستراتيجيات قطاع الأعمال لا يمكن أن تدار من قمة الهرم.

إن الرئيسة كلينتون لن تجعل الأجندة الدولية لروسيا أسهل، ولكن على الأقل ستكون شروط التعامل معروفة. وعلى الرغم من الإغراء بإحراج قادة أميركا بالمزيد من الأعمال البطولية على الفضاء الإلكتروني ولكن بوتين لن يوافق على شيء قد يؤدي لتعزيز فرص فوز ترامب

وفي حين يعتبر سوق النفط هو المحدد الأكبر لآفاق روسيا الاقتصادية على المدى القصير كونه يشكل نصف إيرادات التصدير، إلا أن النمو طويل المدى يتطلب أن تقوم روسيا بالدخول مجددا لأسواق رأس المال العالمية واجتذاب الاستثمارات الأجنبية (ووقف هروب رؤوس الأموال) وأن تعيد دمج نفسها في الاقتصاد العالمي. إن كل هذا يتطلب اقتصادا عالميا مستقرا ويمكن التنبؤ به، ورئاسة ترامب قد تعني العكس.

إن خطة ترامب المالية التي تتضمن تخفيضات ضريبية كبيرة بدون تخفيض معقول في الإنفاق يمكن أن تتسبب في رفع معدلات الفائدة الأميركية مما سيشعل الفوضى بالأسواق المالية، كما إن اقتراحاته العفوية بإمكانية إعادة التفاوض على الدين الأميركي يمكن أن تؤدي لخسائر دراماتيكية في قيمة الاحتياطات الروسية من النقد الأجنبي، والتي كانت مرتكزا لروسيا في خضم العاصفة الاقتصادية التي ضربت البلاد منذ سنة 2014، حيث يبدو من المرجح أن تهديدات ترامب بشن حرب تجارية ضد المنافسة الأجنبية "غير العادلة" قد تشمل كذلك صادرات روسيا من الفولاذ، كما أن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترامب فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والجيوسياسية الرئيسية يمكن أن يزيد من المخاطر الخارجية.

بالطبع هناك سيناريو آخر متعلق بأن الانجذاب الشخصي بين القادة يؤدي لتخفيف مبكر في العقوبات الغربية، ولكن عقوبات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالتمويل والتجارة من غير المرجح أن تستمر لفترة أطول على أي حال، وخاصة أن الآراء المتشددة للمملكة المتحدة لم تعد لها تأثير على تلك المناقشات، وربما ستستمر العقوبات الأميركية ظاهريا للفترة الحالية، ولكن من الصعب استمرار الجهود الحثيثة لإدارة أوباما لمنع البنوك العالمية من تمويل روسيا من خلال فروعها الأوروبية إلى أجل غير مسمى.

إن الرئيسة كلينتون لن تجعل الأجندة الدولية لروسيا أسهل، ولكن على الأقل ستكون شروط التعامل معروفة. وعلى الرغم من الإغراء بإحراج قادة أميركا بالمزيد من الأعمال البطولية على الفضاء الإلكتروني ولكن بوتين لن يوافق على أي شيء قد يؤدي حتى ولو بشكل بسيط لتعزيز فرص فوز ترامب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة