العولمة في خدمة العربية   
الخميس 1429/6/2 هـ - الموافق 5/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:43 (مكة المكرمة)، 7:43 (غرينتش)


عمر ظاهر

لا ندري ما الذي يجعل بعض المهتمين باللغة العربية ينتفضون بين الحين والآخر ويطلقون صرخة استغاثة بأن العربية في خطر، في الوقت الذي تشير معطيات كثيرة إلى أن العربية تنهض بشكل لم تعرف له مثيلاً خلال القرون الثمانية الماضية.

ونحن نعرف أن القوى التي تحرك العولمة تطلق هي الأخرى صرخة يأس، إذ إن اللغة العربية تسبب لها صداعاً مهلكاً، فكل شيء ينهار أمام زحفها إلا اللغة العربية، التي تنتصب شامخة تلملم حولها أشلاء أمة مزقها زمن طويل من التدهور السياسي والاقتصادي والحضاري.

اللغة العربية بخير وستبقى كذلك، ليس فقط انطلاقاً من أن الله وعد بحفظ القرآن الكريم (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) سورة الحجر(9)، والذي يعني ضمناً الوعد بحفظ العربية أيضاً، وأن بقاءها لذلك قدر مقدور، بل لأن العربية تنطوي على سر عجيب وقدرة على الصمود والبقاء لا تتمتع بها أية لغة أخرى.

"
في القرون الثمانية الماضية اضمحلت واندثرت أو تغيرت لغات لم تتعرض حتى لجزء يسير من الضغوط السياسية والحضارية التي تعرضت لها العربية، وبقيت العربية صامدة لا ينال منها الزمن
"
ففي القرون الثمانية الماضية، مثلاً، اضمحلت واندثرت أو تغيرت لغات لم تتعرض حتى لجزء يسير من الضغوط السياسية والحضارية التي تعرضت لها العربية، وبقيت العربية صامدة لا ينال منها الزمن.

لننظر إلى المفارقات الكبرى في هذا العصر، التي ترتبط بالضغوط السياسية والاقتصادية والثقافية التي جاءت بها العولمة بشكل عام والحرب على الشعوب المسلمة، التي أعلنها "المحافظون الجدد" في أميركا مع بداية هذا القرن بشكل خاص.

هذه الحرب كلفت ملايين الأبرياء في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين الحياة والعمران فتهدم في أوارها كل ما بنته شعوب هذه البلدان بعرق جبينها على مدى عقود من الكفاح.

وهذه الحرب بثت أيضاً الرعب في بلدان الغرب نفسها وغيّرت وإلى الأبد الحياة الهادئة التي كانت شعوب هذه البلدان تنعم بها حتى في ظل الحرب الباردة، فصار هاجس ما اصطلحوا على تسميته بـ"الإرهاب" يقض مضاجع الناس ويدخل في حساباتهم في حركاتهم وسكناتهم، إلا أن هذه الحرب خدمت اللغة العربية على الجهتين بطريقة لم يحسب لها المحافظون الجدد حساباً:

أولاً: دفعت هذه الحرب الملايين في البلدان المسلمة، وخاصة الشباب، إلى إعادة النظر في موقفهم من الإسلام. فبعد عقود من تنامي الميل إلى العلمانية باعتبارها طريقا إلى الحياة الأفضل في ظل المساواة بين البشر والتنافس الحر بينهم عبر الديمقراطية، اكتشفت هذه الملايين أن الديمقراطية أكذوبة كبرى عندما يتعلق الأمر بهم وبشعوبهم.

فهي مجرد وسيلة يغري بها الإمبرياليون الجدد الشعوب لتفتيتها إلى شيع وأحزاب وطوائف وسلبها هويتها وثوابت قيمها بقصد السيطرة عليها ونهب ثرواتها.

إن هذه الملايين أدارت ظهرها لكل ما يتصل بالعلمانية من مفاهيم، وصارت ترى في الإسلام طريقاً ممكنة إلى العدالة الاجتماعية والمساواة، فصارت تنجذب إليه وكأنها اكتشفته لتوها.

ولعل المراقب للحياة الثقافية في البلدان العربية يلمس أن من أكثر ما يشد هذه الملايين من المواضيع الثقافية هي تلك المتعلقة بالإسلام. ومتابعة القنوات الفضائية العربية، مثلاً، تؤكد للمراقب ذلك.

إن النزعة العلمانية لدى الشباب في الماضي ارتبطت وبشكل منطقي بالاهتمام باللغات التي ارتبطت بها، وفي مقدمتها الإنجليزية والفرنسية والروسية. فلم يكن للعربية بريق في نظر أغلبية الشباب.

إن العودة إلى الإسلام والانشداد إلى ثقافته يرتبطان بشكل وثيق، وبصورة منطقية بالاهتمام بالعربية، إلى حد أنه يمكن القول إن أهل العربية يعيشون اليوم نهضة لغوية كبرى، بفضل حرب المحافظين الجدد على الإسلام. إن العربية تتوهج اليوم من جديد على مختلف الصعد.

"
العودة إلى الإسلام والانشداد إلى ثقافته يرتبطان بشكل وثيق وبصورة منطقية بالاهتمام بالعربية، إلى حد أنه يمكن القول إن أهل العربية يعيشون اليوم نهضة لغوية كبرى بفضل حرب المحافظين الجدد على الإسلام
"
إن القنوات الفضائية العربية نفسها تقدم اليوم خدمة جليلة للغة العربية، لا ينبغي للخائفين على العربية تجاهلها. لقد كان المواطن العربي حتى إلى عشر سنوات خلت يعتمد بشكل مطلق على وسائل الإعلام المحلية، خاصة المرئية، التي نادراً ما كانت تولي العربية الفصحى اهتماماً.

واليوم يمكن للإنسان العربي أن يقلب الشاشة الصغيرة في بيته بين عشرات القنوات العربية التي تشده ببرامجها الثقافية والتي تنطق معظمها بالفصحى. إن فرصة المواطن العربي العادي في سماع العربية الفصحى وفهمها والتكلم بها تضاعفت عشرات المرات في السنوات القليلة الماضية.

ثانياً: الحرب على الإسلام أثارت، من جهة أخرى، فضول الملايين في الغرب لمعرفة الإسلام واكتشاف كنهه طالما تم ربطه ببعبع الإرهاب وصار يُراد له أن يعتبر خطراً كبيراً على شعوب الغرب.

ولعل ازدهار تجارة ترجمة القرآن الكريم هو أبسط المؤشرات على هذا الفضول. وربما تكون الحاجة الانفجارية إلى خدمات الترجمة في المؤسسات الاستخبارية والأمنية في البلدان الرأسمالية مؤشراً أكبر من ذلك.

أما المؤشر الأهم فهو اندفاع الشباب في هذه البلدان إلى تعلم العربية، بدواعٍ كثيرة في مقدمتها الرغبة في أن يفهموا بأنفسهم الإسلام والثقافة العربية دون تأثير من أحد. إن هذا ليس كسباً كبيراً للغة العربية وحسب، بل إنه أيضاً -ومن حيث لم يُرد المحافظون الجدد ذلك- كسب كبير لمسألة الحوار بين الثقافات.

لا أحد يقول ذلك لحد الآن، ولكن الكل يعرف أن اللغة العربية أصبحت تسبب صداعاً شديداً لرعاة العولمة. هؤلاء لا مصلحة لهم في قيام حوار جاد بين شعوب الأرض، بل إن هذا الحوار يهدد مخططاتهم العولمية الإمبريالية تهديداً خطيراً.

ولهذا فإنهم يخافون من تعلم شباب بلدانهم لغات الشعوب المضطهدة، خاصة العربية. ولهذا أيضاً فإنهم يتعاملون مع دراسة العربية كمسألة إستراتيجية، يحاولون بكل قوة التحكم بانتشارها والسيطرة على هذا الانتشار وتوجيه الرغبة في تعلم العربية إلى ما يخدم الحرب التي يشنونها.

إن المراقب لوضع اللغة العربية في الغرب ينشأ لديه إحساس بأن هناك، وبالتوازي مع الحرب على الإسلام، حرباً على العربية. ولكن في الغرب، أكثر من أي مكان آخر في العالم، هناك تفاعل كبير بين السياسي والأيديولوجي والاقتصادي والقانوني والشخصي في أية مسألة مجتمعية، يتناولها المرء، بحيث يكون من الصعب أحياناً أن يطلق المرء على مسألة معينة، مثلاً الموقف من العربية، حكماً معيناً، أي "وجود حرب شعواء عليها".

فهناك حالة عداء من أبرز مظاهرها تدخل بعض المستشرقين بوقاحة في الكيفية التي يجب أن تتطور بها العربية. لكن من جهة أخرى يرى المرء أن الجامعات تتنافس على إنشاء أقسام لتدريس العربية. لماذا؟ لأن اجتذاب الأعداد المتزايدة من الشباب الراغبين في دراسة العربية يحقق كسباً اقتصادياً للجامعة, في الدانمارك مثلاً تتلقى الجامعة دعماً مالياً من الدولة عن كل طالب في أية دراسة كانت.

"
رعاة العولمة يخافون من تعلم شباب بلدانهم لغات الشعوب المضطهدة خاصة العربية، لهذا هم يحاولون بكل قوة التحكم بانتشارها والسيطرة على هذا الانتشار وتوجيه الرغبة في تعلم العربية إلى ما يخدم الحرب التي يشنونها
"
هناك أقسام يتم غلقها لأنها لم تعد مجدية اقتصادياً لقلة عدد الراغبين في دراساتها. إن فتح قسم للغة العربية في جامعة ما ليس إذاً دليلاً على اهتمام جدي من تلك الجامعة بالعربية.
إنها دراسة مربحة وحسب، وقد تساهم عبر رفع ميزانية الجامعة في إنقاذ دراسات أخرى من الغلق.

ومن ناحية أخرى فإن المواقف السياسية من العربية لا يمكنها أن تعطل قانوناً جامعياً يشترط أن يقضي الطالب الذي يدرس لغة أجنبية فترة من وقت الدراسة في بلد ينطق بتلك اللغة.

وهذا يشمل اللغة العربية أيضاً ويصب في مصلحتها، إذ إن الطالب حين يقيم بين ظهراني العرب فإنه لا يتعلم العربية بشكل أفضل وحسب، بل ويتعرف على حقيقة الثقافة العربية الغنية بقيمها الإنسانية عن قرب. وهذا أمر لا يحقق أغراض الحرب على العربية، إن كانت هناك حرب.

إن تعلم الآلاف من الشباب في البلدان الغربية العربية والاطلاع على الثقافة العربية سيساعد بلا شك على قيام حوار حقيقي وبنّاء بين شعوب الغرب وشعوب العرب.

وقد يراه المرء من مظاهر الحرب على العربية أن أشخاصاً من أشد المعادين للعرب والإسلام يتحكمون بعقدة هامة في تدريس العربية والإسلام في بعض الجامعات، وأن هؤلاء الأشخاص لا يمكن المساس بهم حتى لو ارتكبوا جرائم أكاديمية، من قبيل سرقة مقالات رائعة لكتاب عرب ونشرها باسمهم هم، وافتضح أمرهم ووصلت أخبار فضائحهم إلى الصحافة.

مثل هذه الظاهرة ربما لا يمكن تفسيرها إلا بوجود دعم خفي من جهة متنفذة لها مصلحة في أن تدار دراسات العربية والإسلام من قبل أشخاص حاقدين على العرب وعلى المسلمين.

ولكن هل يمكن لأحد أن يدعي أن مثل هذا الدعم سياسي ورسمي في طبيعته، يأتي من مرسوم حكومي أو تعليمات وزارية، مثلاً؟ لا، فالدعم لا يكون بالضرورة مرتبطاً بسياسة حكومية رسمية، بل بأفراد وشبكة من العلاقات الخفية.

تماماً مثل قضية الرسوم الكاريكاتيرية، التي لا تعبر عن موقف الحكومة الرسمي. ولكن هل الرسوم مسألة غير سياسية؟ بالتأكيد لا. إنها سياسة غير رسمية وحسب، تقف وراءها مجموعات متنفذة لها مصلحة في تخريب العلاقات مع المسلمين.

هناك بين التصرف الفردي والسياسة الرسمية نسيج من العلاقات والمصالح الاقتصادية والنزعات الأيديولوجية والقوانين يجعل من الصعب أن يثبت أحد أن هناك "حرب على اللغة العربية".

ولكن هذا لن يمنع الإحساس بأن هناك -تماماً كما في مسألة الرسوم الكاريكاتيرية- موقفا غير ودي، أو على الأقل غير حيادي، تجاه اللغة العربية.

أما في البلدان العربية فهناك -فيما يتعلق بنشر العربية- سياسة غبية تتجلى في تغليب النظرة التجارية إلى المسألة، فهناك أعداد كبيرة من المؤسسات في مجال تعليم العربية لغير العرب تتنافس على اجتذاب الطلاب الأجانب، والهدف الأسمى لها هو الكسب المادي.

"
العربية أحوج ما تكون إلى دولة عربية واحدة، وواحدة فقط، تستثمر في إقامة جامعة للدراسات العصرية في اللغة العربية. إنها ستكون أكثر نفعاً للعرب من تلك الجامعات التكنولوجية التي جرى تسليم أبحاثها ومشاريعها للعدو
"
لا شك أن هذا أمر مشروع ويدر دخلاً، هو في آخر المطاف متواضع، على عدد قليل من المدرسين في هذه البلدان. لكن لو نظرنا إلى الموضوع نظرة إستراتيجية فإننا سنرى خطأ جسيماً ترتكبه الجهات الرسمية، وخاصة الجامعات، بحق اللغة العربية بتركها الأمر للمكاسب التجارية الهزيلة.

لو كان هناك اهتمام رسمي باللغة العربية، مواز لهذه النهضة اللغوية -التي أشرنا آنفاً إلى أن أوساط الشباب العربي تشهدها- فإن هذا الزخم الكبير في الإقبال على تعلم العربية من قبل غير العرب يمكن الاستفادة منه في تقوية هذه اللغة ونشرها بإتباع ثلاث سياسات عامة:

أولاً: يمكن للجامعات العربية أن تتولى تعليم العربية للأجانب بتأسيس أقسام متخصصة فيها تستخدم المدرسين الحاليين لكي لا يخسر هؤلاء دخلهم وقوت أسرهم. وتقوم الجامعة بإبرام اتفاقيات تعاون وتبادل طلبة مع الجامعات الغربية فتستقبل عدداً من الراغبين في تعلم العربية مقابل إرسال عدد مماثل من الطلبة العرب إلى تلك الجامعات للدراسة في مجالات إنسانية أخرى.

ثانياً: إعطاء هذه الجامعات أماكن دراسة مجانية لعدد من الطلبة الأجانب، خارج اتفاقيات التبادل. إن اللغة العربية تستحق أن يكون العرب "كرماء" و"أسخياء" في سبيلها. كم من ثروات العرب تهدر عبثاً؟ ثم نريد أن نكسب بضعة قروش ممن يريد أن يتعلم لغتنا.

ثالثاً: إن العربية أحوج ما تكون إلى دولة عربية واحدة، وواحدة فقط، تستثمر في إقامة جامعة للدراسات العصرية في اللغة العربية. إنها ستكون أكثر نفعاً للعرب ونهضتهم من تلك الجامعات التكنولوجية التي صرفت عليها المليارات ثم جرى تسليم أبحاثها ومشاريعها، وربما كوادرها أيضاً، إلى العدو.

نحن لا نطمح فقط إلى أن تبقى العربية، وإنما نريد أن نرى فيها محتوى غنياً. نريد أن نرى العربية لغة للبحث والعلم.
ــــــــــ
أكاديمي عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة