مستقبل الكويت السياسي   
الخميس 10/1/1432 هـ - الموافق 16/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)


احتقان سياسي مزمن
أزمة الكاتب الجاسم

مشهد اقتحام قوات الطوارئ الكويتية لديوانية النائب جمعان الحربش والانهيال بالضرب على النائب صاحب الديوانية والنائب وليد الطبطبائي ذي الشعبية الكبيرة في الكويت حيث يطلق عليه بطل غزة، ومشهد سحل ودهس المثقف الحقوقي د. عبيد الوسمي، وما سبق هذا الاقتحام من إيداع الكاتب الكويتي المريض بالقلب محمد عبد القادر الجاسم السجن، كانا الحدثين البارزين اللذين تصدرا الاحتقان السياسي في الخليج في الأسبوع الماضي وما قبله.

احتقان سياسي مزمن
ولم تشهد الكويت لهما مثيلا منذ أن حلّ الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد مجلس الأمة الكويتي واستجاب للتيار الذي يوصف بالتشدد في الأسرة الحاكمة وأصدر قرار إقامة المجلس الوطني البديل عن مجلس الأمة، في خطوة هي الأولى في نقض الميثاق التعاقدي بين الشعب الكويتي والأسرة الحاكمة, حينها تفاقمت الأمور إثر الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الحكومة الكويتية والمواجهة الأمنية للمعارضة السلمية الدستورية, انتهت بالغزو العراقي للكويت في أغسطس/آب 1990.

وهذا الحل والإجراءات المصاحبة له قدّمت الأسرة الحاكمة الاعتذار الضمني عنه في مؤتمر جدة، المنفى السياسي الاضطراري لحكومة الراحل الشيخ سعد العبد الله خلال الغزو العراقي، أمام ممثلي البرلمان والقوى السياسية, حينها تعهدت الحكومة والأسرة الحاكمة بأن تحترم الخيار الشعبي الدستوري بما فيه مساءلة ومحاسبة رئيس مجلس الوزراء وإن كان من الأسرة الحاكمة.

"
حدثان مهمان شهدتهما الكويت في الأيام الماضية, مشهد ضرب النائب وليد الطبطبائي ذي الشعبية الكبيرة والملقب ببطل غزة, وسجن كاتب رأي يعاني من مرض القلب 
"
لكن ما جرى بعد ذلك قُرأ في الاتجاه المعاكس، أي تراجع المد الدستوري الإصلاحي ومواجهته بمبادرات حل عديدة للبرلمان مع أنّ كثيرا من المراقبين كانوا يرون أن جزءًا من الاحتقان مرتهن بشخصية الشيخ ناصر المحمد وقدراتها على التعامل أو الاعتراف بالحراك الدستوري البرلماني بوصفه شريكا في العملية السياسية الكويتية.

وهو ما دفع الجناح والقوى المحسوبة عليه لتنخرط في استقطابات خطيرة على المستوى الطائفي والاجتماعي، وتَعقد تحالفات مع القوى الشيعية السياسية، حيث دعمت هذه القوى بموجبها إجراءات الشيخ ناصر المحمد ضد البرلمان والمعارضة السلمية، وهي قضية خطيرة لم تُعهد عن الكويت حيث انسحبت القوى السياسية الشيعية من كل الحراك الوطني ودعمت الإجراءات الأمنية، وهو ما شكّل شقّا خطيرا في الصف الوطني بعد أن كانت الكويت فيما مضى تُمثل رمزية للتعاون الوطني الشعبي لكل الأطياف.

وما عَقّد الوضع أنّ أحد رجال الأعمال الإيرانيين الذي حصل على الجنسية الكويتية قد دُفع إلى المشهد المحتقن الجديد وكان سابقاً يدعم الحراك الشيعي السياسي على أساس طائفي، فدشن مشاريع إعلامية تعتني بخطابين خطيرين، الأول التحريك الطائفي في استهداف التيار الإسلامي الإصلاحي المطالب باستقالة الشيخ ناصر لتحقيق الإصلاحات التي ينص عليها الدستور. والخطاب الثاني تبنى لغة مجنونة بين الحضر والبادية، أو ما يصطلح عليها المناطق الداخلية والخارجية، سعّرت العنصرية الاجتماعية في مشهد مروع.

وكان هذا الحراك يستهدف إسقاط الرمزية المتعاظمة للنائب مسلم البراك في قيادة الحراك الإصلاحي, لكنّه كان أشبه بتبادل كرات النار في مستودع الذخائر، وهو ما جعل التساؤل يطغى على المشهد: ما الذي ينوي فريق الشيخ ناصر فعله مقابل هزيمة خصومه؟ وهل سيبقي حينها دولة إذا نقض العقد التعايشي بين المواطنين؟

أزمة الكاتب الجاسم
في مقالة كتبها قبل سجنه الأخير في قضيته المرفوعة ضده من الشيخ ناصر المحمد وأنصاره من الأسرة الحاكمة، ذكر الأستاذ محمد عبد القادر الجاسم -وهو الشخصية الإعلامية المخضرمة والعريقة- أن أمير الكويت أنهى الفصل الأخطر في قضية الصراع بين الحكومة الحالية بقيادة الشيخ ناصر وبين قوى وطنية عديدة تطالب بالشفافية والإصلاح.

وذكر الأستاذ الجاسم في مقالته (شكرا شيوخ المبادرة) أنه تلقّى تبليغا شخصيا من التيار الإصلاحي في الأسرة بتوجيه الأمير لرفض مقترحات فريق الشيخ ناصر والعمل على بدء تواصل وحوار وطني يعالج الإشكاليات الضخمة التي تسببت بها مواقف الشيخ ناصر, وهي مؤشّر لحجم تصاعد قضية الخلاف السياسي في الكويت وتأثيراتها على الوحدة الوطنية.

"
التيار المتشدد في الأسرة الحاكمة قلب الوضع وعاد للإمساك بالمبادرة والتصعيد ضد العمل الوطني والحريات، مما يعطينا تفسيرا واضحا لمسارات الأحداث الخطيرة التي تندفع لها الكويت
"
هذه المقالة كتبها الجاسم قبل سجنه الأخير وقبل تدهور حالته الصحية ونقله إلى العناية المركزة من سجنه, وهو ما يعني بحسب معلومات الرسالة الدقيقة أن التيار المتشدد في الأسرة قد قلب الوضع وعاد للإمساك بالمبادرة والتصعيد ضد العمل الوطني والحريات، وهو ما يعطينا تفسيرا واضحا لمسارات الأحداث الخطيرة التي تندفع إليها الكويت.

فهل انتهت مهمة فريق المبادرة لتهدئة الأمور في الكويت وتوقفت عن التواصل ووقف الدعوات التي تسببت في شرخ وطني لم يسبق أن وصل إلى هذا المستوى؟

إن هذه المعالجات ضرورية للغاية لتأمين مستقبل الكويت السياسي في وقت تمر به المنطقة بحالة تأزم إقليمية ومذهبية ذات انعكاسات شديدة على الشارع الكويتي, وخاصة بعد التأزم بين الشيخ ناصر والحراك الوطني الذي تكتل فيه عدد من النواب الإسلاميين والوطنيين ثم أخذ منعطفا مذهبيا خطيرا إثر تحالف البرلمانيين وبعض العلماء الشيعة مع الشيخ ناصر مقابل تحقيق مطالب مذهبية وتأييد بعض الإجراءات ضد نواب وشخصيات إسلامية سنية.

ولعل ما فاقم الوضع أن الشيخ ناصر قام بمبادرات تجاه إيران لتأمين هذا التحالف معه وهو ما انعكس على مجمل الساحة الشعبية ومواقفها المتوترة مع إيران, فضلا عن أن هذا التقارب الذي دُعم من النواب ووكيل المراجع الشيعية الإيرانية في الكويت أثر سلباً على العلاقة الوطنية، حيث امتنعت هذه الفعاليات عن الدفاع عن الجاسم أو تسجيل أي تضامن معه رغم أن قضيته حقوقية وشخصية إضافة إلى دعم الحكومة في رفضها لحزمة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية مقابل دعم الشيخ ناصر لبعض المطالب المذهبية، وهو ما يُشكّل خطورة على وحدة الجسم الوطني الكويتي لم يسجل من قبل.

وكان لمواقف د. عبد الله النيباري ود. أحمد الخطيب، وهما شخصيتان وطنيتان مخضرمتان في العمل الوطني تمثلان التيار اللبرالي المعتدل واليسار، قد خففا من تأثيرات هذه الحرائق الاجتماعية الطائفية, لكن هناك مسؤولية مباشرة على القوى السياسية الشيعية لتخفيف هذا الاحتقان, وخاصة في قضية الخروج من محور التحالف مع حكومة الشيخ ناصر بناءً على أسس طائفية, فتأثيرات هذه الرسائل خطيرة جدا, مع ضرورة التواصل بين الحراك الوطني السلفي أو الإسلامي مع زملائهم النواب الشيعة للخروج من هذا المأزق الانشطاري الخطير.

ولعل تعزز الأزمة يحوّل الاتجاه إلى الأمير وما سمّاه الأستاذ الجاسم فريق المبادرة الذي يتحمل أخلاقيا وسياسيا التفاؤل الذي أبداه الرجل تجاههم, ويحيل المبادرة إليهم في ضرورة فك هذا الاشتباك الذي بالإمكان أن يتم لو أن الشخصية البديلة لموقع رئاسة السلطة التنفيذية تتعامل بمسؤولية تشاهد ماذا يجري في المنطقة وحساسية العبث في النسيج الوطني الكويتي واستهداف رابطته الخليجية العربية, وأن التوازن لا بد له من التنازل... وخاصة في ميدان الحق الشعبي الدستوري.

"
يجب أن تدرك الأسرة الحاكمة أن الخلاف وتحويل الصراع السياسي إلى مناطق توتر لها تقاطعات إقليمية ومجتمعية يحدث شروخا ونزاعات تنفذ من خلالها مشاريع أخطر من مشاريع التجسس
"

وهذه المساحة من الحريات الدستورية كانت ولا تزال ضمن ما نطلق عليه دول الهامش الديمقراطي في المنطقة التي تتصدرها الكويت والتي تتميز عن دول النظام الشمولي في قضية الحقوق السياسية والحريات الفردية ومحدودية الديمقراطية فيها بحكم العلاقات الإستراتيجية مع الغرب وتحييد قرارات النفط والثروة الكبرى عن هذا الهامش كليا, ولكن يبقى متنفسا لا بد أن تدرك أوساط الأسرة أن إلغاءه خطير على الحالة الوطنية الكويتية الأمنية والوجودية.

كما يجب أن تدرك أيضا أن تصاعد هذه الملفات الحساسة في العمل الوطني الكويتي يمر بمرحلة غاية في الخطورة تستدعي توثيق الوحدة الوطنية ومعالجة أي نوازع تهدد المستقبل السياسي للكويت، إذ إن هذا الخلاف وتحويل الصراع السياسي إلى مناطق توتر لها تقاطعات إقليمية ومجتمعية يحدث شروخا ونزاعات تنفذ من خلالها مشاريع أخطر من مشاريع التجسس التي تُحدّث عنها, بل ويهيئ الطريق لأي حالة انفلات وتصدع تُسقط الأمن الوطني فيذهب المستقبل السياسي الكويتي في مهب الريح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة