الكيان الإسرائيلي بعد عدوان غزة   
الثلاثاء 12/2/1434 هـ - الموافق 25/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:05 (مكة المكرمة)، 11:05 (غرينتش)
نادية سعد الدين



مآلات العدوان على الكيان الإسرائيلي
ما بعد العدوان

خلافاً لما يظهره خروجاً مظفراً من أتون عملية "عامود السحاب"، يقوم الكيان الإسرائيلي، من الآن فصاعداً، بمعالجة تبعات خوض حرب قديمة بأهداف مجترّة، قيس فشلها مسبقاً، في أرض معركة جديدة ضمن بيئة مغايرة، استلالاً من معطيات ستأخذ مكانها في حساب خططه العدوانية اللاحقة، التي قد تنتعش مع حكومة أكثر تطرفاً وغلواً تجد فرصها القوية في التقديرات الانتخابية للشهر القادم.

وقد انعكست مفاعيل نواتج العدوان الإسرائيلي ضد قطاع غزة، بصيغ مختلفة، في الداخل المحتل، إلا أنها أصّلت، بشكل أو بآخر، لطور جديد من الصراع العربي الصهيوني، بانتصار قوى المقاومة، وإحباطها أهداف العدوان، وفرض شروطها في اتفاق "وقف إطلاق النار" الذي تم التوصل إليه في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، برعاية مصرية.

مآلات العدوان على الكيان الإسرائيلي
لم يكن جرد حساب نواتج عدوان غزة إيجابياً بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي؛ فبالإضافة إلى معاكسة مضامين التقارير الأمنية للأهداف المتحصلة منه ولمجريات مساره ومآله، بات مطلوباً مجابهة ما فرضه من إشكاليات متعددة، تصيب داخله المحتل بمواطن غير متوقعة، كما مفاجآت المقاومة الفلسطينية، وبأعين متحسبة لتأثيره في نتيجة الانتخابات البرلمانية "الكنيست"، المقررة في 22 يناير/ كانون الثاني القادم، ولكنها الأكثر قلقاً من تداخل ما كشفه من وزن مناخ التغيير العربي في أي تعاط لاحق مع ملفات إيران و"حزب الله"، وحتى سوريا، ضمن سياق ما يعتقده تصدياً لجبهات التهديد ضده.

أبرزت تجليات العدوان على غزة, اهتزاز مصداقية النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية إزاء ما صورته ابتداءً دخولاً سهلاً إلى القطاع بلغة المنتصر

لقد أبرزت تجليات العدوان؛ اهتزاز مصداقية النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية إزاء ما صورته ابتداءً "دخولاً سهلاً إلى غزة بلغة المنتصر"، وهو ما لم يحدث حيث تراجعت عن شنّ حملة برية، وتالياً لتناقض إفادتها عن سير المعركة مع وقائعها، لاسيما بشأن مزاعم تصفية البنية القيادية للمقاومة وتدمير منظومتها الصاروخية ومتانة نظام "القبة الحديدية" في صدّها، بما ثبت زيفها وتبدد وهم انكشاف القطاع أمامها استخبارياً، وثالثاً لفشلها في تحقيق أهداف معلنة آلت إلى مكاسب للمقاومة.

وقد أوجد خطاب التشكيك بيئة مناسبة لمطلب، تبنته أحزاب المعارضة أساساً، بتشكيل لجنة تحقيق لفحص دقة وصواب القرارات والإجراءات التي اتخذت خلال العملية العسكرية ومحاسبة المسؤولين عنها.

ويجرّ ذلك جدلاً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حول سبل معالجة تبعات خروج الاحتلال من عدوانه بإشكالية ردعية جديدة، بعدما تراجعت حدّ الضعف والتضرر، باعتراف المسؤولين فيها، وعجز سلاح الطيران عن حسم معركة الجو، مهما بلغ من القوة والتقنية العالية، واهتزاز صورة جيش الاحتلال وتراجع مكانته أمام إخفاقه في حماية المستوطنين وتوفير الأمن المطلق لهم، وعجز القوة العسكرية، المدججة بالسلاح والتقنية الحديثة، عن تدمير مقاومة لا تساويها في القدرات العسكرية، ولكن تتفوق عليها بقوة إرادة الحق، ما أوجد ثغراً في العمود الفقري للكيان الصهيوني ومصدر شرعية وجوده بالمنطقة.

غير أن الجانب الأكثر قلقاً بالنسبة إليه يكمن في ما يسمى "الهجرة المعاكسة"، إزاء تقديرات بمغادرة 14 ألف إسرائيلي إلى الخارج منذ مطلع العام الجاري، وبخاصة منذ الترويج لشن العدوان وتالياً تنفيذه (هآرتس 5/12/2012)، إلى جانب خسائر اقتصادية، ظهرت بصماتها فوراً في تراجع السياحة الوافدة إليه بنسبة تفوق 43%، مرشحة للزيادة.

ما بعد العدوان
لن تكون غزة بعد العدوان مثلها قبله، بعدما استطاعت المقاومة الفلسطينية فرض قوة ردع معينة ستجد حضورها في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، كما لن تكون خطط الاحتلال العدوانية لمرحلة "ما بعد" مشابهة "لما قبلها"، بعدما أدخلت النواتج حسابات أخرى يصعب تجاوزها أو القفز عنها، وتتجلى في الآتي:

أولاً: أثبت انتصار المقاومة أسّ تأثيرها في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، خلافاً لمشككي نجاعتها ومختطي مسار التفاوض خياراً إستراتيجياً أوحد، فيما مكنت الشعب الفلسطيني بإعادة زخم مقاومته من جديد، وإعادة القضية إلى الصدارة وعبر مواجهة العدوان موحدة، بما يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة الذي سيترك أثره السياسي في المواجهة المفتوحة مع الاحتلال.

ثانياً: فرض قواعد جديدة للمواجهة، ليس لجهة التزام المقاومة بمفاصل التهدئة التي تحققت بعد عدوان 2008/2009، كما هدف الاحتلال من وراء عدوانه، وإنما وفق واقع جديد ينسجم مع ما فرضته المقاومة من شروط في اتفاق "وقف إطلاق النار"، ومنها ما تطالب به دوماً من فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وعدم استهداف السكان في المناطق الحدودية، بمعزل عن مدى التزام الاحتلال بها، بينما خلا من شروط الأخير بنزع سلاح المقاومة وتعهد وقف تهريبه وإقامة حزام أمني حدودي بطول خمسمائة متر بجوار الخط الفاصل، بشرط أحقية الاحتلال دخولها وملاحقة النشطاء.

ثالثاً: إعادة تقييم الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية لجهة إدخال عنصر صواريخ المقاومة والمستجدات التي فرضتها في حسابها، وهو ما كان موضع بحث المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر مؤخراً (يديعوت أحرونوت 27/11/2012)، بعدما تمكنت المقاومة من ضرب العمق والأمن الإسرائيليين، وجعل تل الربيع "تل أبيب" والقدس المحتلتين في مرمى صواريخها، وإفقاد سكان جنوب فلسطين المحتلة الأمن، خلافاً لأحد أهداف الاحتلال المعلنة من شنّ الحرب، فشكل احتجاجهم عامل ضغط إضافيا في هذا الاتجاه.

ويدخل في عملية المراجعة، عجز المستوطنين عن حماية أنفسهم وفشلهم فيما أوكلوا إليه، مع جيش الاحتلال، من مهام التصدي للمقاومة، بما أعاد نبرة التذمر من عبئهم المالي والأمني والسياسي على الكيان الإسرائيلي.

إعادة انتصار غزة تقييم الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية لجهة إدخال عنصر صواريخ المقاومة والمستجدات التي فرضتها في حسابه

ويؤطر ذلك لتزعزع، ما اعتقده خبراء فلسطينيون، نظريات الأمن الإسرائيلي القائم على الردع والعدوان، والحدود التي يمكن الدفاع عنها لتبرير الاحتلال والتوسع والاستيطان، والعمق الإستراتيجي المطلوب لوجود الكيان المحتل وبقائه، وتعرض غلافه الإستراتيجي بواسطة صواريخ المقاومة، بما سيترك أثره في التوازنات الإستراتيجية الجديدة بالمنطقة وعلى الصعيدين الإقليمي والفلسطيني.

ولن تتوقف حسابات إسرائيل الجديدة عند حدود غزة فقط، وإنما ستشمل خططها العدوانية اللاحقة. فقد تسبب تهيب حكومة العدو من مقاربة العملية البرية والمواجهة المباشرة في القطاع في قلق المؤسسة العسكرية من تزعزع ثقة قوات الاحتياط بجيش الاحتلال في استدعاء مقبل بعدما خلق تجنيدهم الواسع بلا غاية حقيقية تململاً في صفوفهم، بما يعطي إيحاءً لدى "حزب الله" بخشية الاحتلال من شنّ حرب ضده أو التردد في دخول بري إلى الأراضي اللبنانية، يجرّ تشكيكاً مضاعفاً بقدرته على حسم أي معركة يخطط لها في لبنان أو إيران عقب عجزه عن الحسم في غزة.

ويدخل في هذا المضمار حساب مناخ التغيير العربي، الذي سبق وأن وضعه الاحتلال في تقديرات عدوانه ضد غزة، ولكن من منظور سلبي يستطيع الاستناد إليه لتحقيق أهدافه، فجاءت النواتج معاكسة له، إزاء ما شكله عنصراً مسانداً لحماس والمقاومة، وظهيراً إستراتيجياً مصرياً لقطاع غزة، وشرايين تغذية للأخير، سياسياً واقتصادياً وتسليحياً، لم تكن متوفرة سابقاً.

هذا التغيير العربي والإقليمي الذي برز أثناء العدوان لصالح المقاومة الفلسطينية، شكل مصدر قلق إسرائيلي، سيدخله في أي مخطط لاحق يستهدف إيران و"حزب الله"، لاسيما الموقف المصري، أمام التحسب من ضغط شعبي قد يضع معاهدة السلام (1979) في بؤرة الجدل الداخلي مجدداً ويهدد أسلوب التعامل معها، وليس إلغائها، وينذر، في حال امتداد الحراك وعدم تدخل الحكومة، بإغلاق قناة السويس أمام حركة الملاحة البحرية الإسرائيلية، بما يسدّ شريان البحر الأحمر لثلث تجارة الاحتلال.

ويخشى الاحتلال، أيضاً، من نذر إشعال ساحات أخرى، قد توفرها ظروف انشغاله بعدوان جديد، وتستفيد منها جماعات السلفية الجهادية في سيناء لتنفيذ عمليات ضده.

وإذا كان مخطط ضرب ما يزعمه الاحتلال بجبهتي تهديد ضده، قد تأجل، أمام عدوان غزة، بسبب الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومعارضة أوساط سياسية وعسكرية إسرائيلية نافذة، إلا أن فرص انتعاشه قد تقوى مع حكومة يمينية متطرفة قادمة، وفي ظل حماسة نتنياهو وأفيغدور ليبرمان لها، وهما قطبا الرحى في تحالف "الليكود بيتنا"، حتى بعد استقالة الأخير من الحكومة الحالية، رغم افتقاد المثلث العدواني لضلعه الثالث باستقالة باراك بعد حرب غزة، كأحد نواتج الفشل المباشرة، نظير من يربطها بحظوظ حزبه "الاستقلال" الانتخابية الضعيفة، حيث لم تعطه استطلاعات الرأي سوى ثلاثة أو أربعة مقاعد وليس 11 كما يزعم.

رابعاً: يدور في الداخل الإسرائيلي جدل حول كيفية التعامل مع حركة حماس، على وقع نواتج عدوان غزة، ينحو في أقصى تطرفه جانب القضاء عليها في مواجهة قادمة، وفي أدنى وسطيته، لذات الهدف بقالب مغاير، حدّ سياسة "الاحتواء" و"الخطوة خطوة" ومن ثم "التفكيك"، مقابل الدعوة لفتح حوار مباشر معها، بعدما باتت رقماً يصعب تجاوزه في الساحة الفلسطينية وقوة مؤثرة بالمنطقة.

وإذا كان الخياران الأوليان، اللذان برزا عشية فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 ومن ثم سيطرتها على القطاع عام 2007، قد ثبت فشلهما، أسوة بمقترح "التطويق" لتمرير تسوية (ما) عبر الحركة ستحظى بتأييد واسع، انطلاقاً من فرضية قدرة الجهة صاحبة المواقف الراديكالية على إحداث تغيير كبير في المدى البعيد لتمكنها من اجتذاب الجماهير العريضة إلى جانبها.

ولكن التعويل بانقلاب حماس على مرجعيتها العقائدية الدينية الصلبة لم يكن صائباً إسرائيلياً، إزاء استمرار أخذها بناصية المقاومة حتى وهي تقارب السلطة، فيما أدت التدابير العسكرية والإجراءات العقابية إلى تعزيز دورها في الساحة الفلسطينية وليس التأليب ضدها كما تصورّ الاحتلال. وبذلك؛ كان الحسم في النهاية لصالح المواجهة.
التعويل بانقلاب حماس على مرجعيتها العقائدية الدينية الصلبة لم يكن صائباً إسرائيلياً، إزاء استمرار أخذها بناصية المقاومة حتى وهي تقارب السلطة

ولا يعدّ مقترح الحوار جديداً، حيث ُطرح بخجل سابقاً، إلى أن برز بقوة بعد عدوان غزة، لجهة مطالبة حكومة نتنياهو بتغيير دراماتيكي لسياستها تجاه حماس، من خلال اتخاذ إجراءات جذرية لتخفيف الحصار عن القطاع أملاً في دفعها إلى محور الاعتدال والابتعاد عن المحور الإيراني (يديعوت أحرونوت 9/12/2012).

ولأن حماس تعلن دوماً رفضها للحوار المباشر مع الكيان الإسرائيلي، مثلما تناهض الاعتراف به وبشرعية وجوده، فقد يجد هذا الخيار مصير أقرانه، بخاصة في ظل تيار يميني متطرف مؤهل للسيطرة على "الكنيست" والحكومة في الانتخابات القادمة.

خامساً: حضرت تجليات فشل عدوان غزة في قائمة مرشحي حزب "الليكود"، الذي أجرى انتخاباته الداخلية غداة الحرب، بغلبة اليمين المتشدد وتصدّر قادة الاستيطان و "أرض إسرائيل الكاملة" ومناهضة الحقوق الفلسطينية، والذين سيوجهون "بوصلة" المرحلة المقبلة نحو اليمين الأقصى والفاشية وانسداد الأفق السياسي، بانضمامهم إلى تحالف "الليكود بيتنا" الأشد تطرفاً من الليكود، لاسيما عند تحالفه مع الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة، فيما تتنافس قوى اليسار والوسط على التسابق مع التيار اليميني، بالارتكاز في قاعدتها الانتخابية على أجواء تزداد يمينية.

وما لم تحدث أي تطورات غير محسوبة حتى الموعد المحدد، فإن المعسكر اليميني المتطرف يكون قد عزّز موقعه في الانتخابات القادمة، وبات مؤهلاً لتشكيل الحكومة الجديدة، برئاسة نتنياهو، التي ما زالت استطلاعات الرأي ترجح مكانته القوية للفوز، رغم فشل عدوان غزة.

لقد قلبت المقاومة حسابات العدو وجعلته يدفع ثمن عدوانه، المرشح للغلوّ والتطرف في قادم الأيام، بما يتطلب عربياً وإسلامياً؛ تعزيز صمودها وثباتها بمختلف جوانب القوة والدعم، وفلسطينياً؛ بتحقيق المصالحة وعدم رهنها بالمتغيرات، كالعادة، ووضع إستراتيجية وطنية موحدة على أساس المقاومة، بشتى أشكالها، وفي مقدمتها الكفاح المسلح، لمجابهة الاحتلال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة