انتخابات السعودية.. امتحان لقابلية الإصلاح السياسي   
الاثنين 1425/12/13 هـ - الموافق 24/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:32 (مكة المكرمة)، 11:32 (غرينتش)


















جعفر الشايب
 

 

 

جعفر الشايب

-المجالس البلدية
-الآمال والتحديات
-بين الواقع والطموح

لعل أبرز ما يميز النظام السياسي والاجتماعي في المملكة العربية السعودية قيامه على محاولة التوازن بين الجذور الدينية ومتطلبات التحديث والعصرنة، فهو يستقي القوانين والتشريعات -وحتى الكثير من السلوكيات الاجتماعية- من نصوص ومفاهيم الدين الإسلامي ممزوجة برؤى تطوير الدولة الحديثة على مختلف الأصعدة, وهذه المعادلة تعد -في كثير من الأحيان- صعبة جدا من أجل تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي حيث أضحت من أكثر القضايا جدلاً لدى الباحثين والمهتمين بالشأن السعودي.

 

لقد واجهت الدولة ضمن سعيها لتطوير البنى السياسية والثقافية في المجتمع السعودي تحفظات كثيرة قادتها الاتجاهات الدينية -سواء المحافظة منها والمتشددة- جعل تنفيذها وإقرارها يعد من الانجازات الكبيرة إذا ما قيست بالتحديات والمعوقات التي اعترضت الطريق.

 

وقد اتخذت هذه التحفظات في بعض الأحيان كمبررات أمام القيام بخطوات جادة باتجاه الإصلاح وتطوير المؤسسات الرسمية بما تتطلبه حاجات المرحلة.

 

لقد استقبل مشروع الانتخابات البلدية في السعودية بمواقف متباينة من قبل مختلف الأطراف الفاعلة سياسياً واجتماعيا، فمعظم الرموز الدينية كان تفاعلها مع المشروع فاتراً بسبب تحفظها المعهود على أصل عملية الانتخابات وتعارضها مع مفاهيم الشريعة.

 

أما الموقف الاجتماعي فلم يكن بصورة عامة متجاوباً بسبب حداثة التجربة والنواقص التي بدت فيها لكون الانتخابات جزئية ومحدودية صلاحيات المجالس البلدية، بينما رأى العديد من الفاعليات المهتمة بالشأن العام أن هذه الانتخابات تشكل خطوة أولى نحو إمكانية الإصلاح السياسي في المملكة.

 

المجالس البلدية
"
التجربة الانتخابية ليست جديدة تماما على المجتمع السعودي، لأن بعض المناطق مرت بها سابقا في المراحل الأولى لتأسيس الدولة، إلا أن قيام الدولة الحديثة اقتضى إلغاء المجالس المنتخبة والاستعاضة عنها بمجالس معينة
"
يمكن القول إن القرار الحالي ما هو إلا تفعيل لنظام المجالس البلدية الصادر عام 1397هـ (1977م) والذي لم ينل حظه في التطبيق حينها، مع أن المجالس البلدية كانت منتخبة بالكامل في العديد من مناطق المملكة حتى منتصف الستينيات الميلادية.

 

إن التجربة الانتخابية ليست جديدة تماما على المجتمع السعودي، لأن بعض المناطق قد مرت بها سابقا في المراحل الأولى لتأسيس الدولة، إلا أن قيام الدولة الحديثة ذات الطابع المركزي اقتضى إلغاء المجالس البلدية المنتخبة ثم الاستعاضة عنها في المراحل الأخيرة بمجالس معينة أطلق عليها مجالس المحافظات ومجالس المناطق.

 

وقد تم توزيع المجالس البلدية هذه على مستوى المملكة -حسب القرار الجديد- ليصل عددها الى 179 مجلسا بلديا يتكون من أربعة إلى أربعة عشر عضوا حسب الكثافة السكانية لكل مدينة أو بلدة.

 

كما تم إقرار أن يكون نصف أعضاء هذه المجالس منتخبين فقط بينما يكون النصف الآخر معينا من قبل الوزارة المعنية، ووضعت لوائح تنظيمية عديدة لهذا الغرض حيث تم التعاقد مع فرق استشارية محلية وفريق من هيئة الأمم المتحدة لتقديم سلسلة من الدراسات المقارنة والتحليلية والبحوث المعتمدة، وتم عقد ورش عمل شارك فيها خبراء دوليون مستشارون متخصصون.

 

وحددت مسؤوليات المجالس البلدية -حسب ما ورد في التصريحات الرسمية- في أربع عشرة مهمة هي: إعداد مشروع ميزانية البلدية، وإقرار مشروع الحساب الختامي لها، وإعداد مشروع المخطط التنظيمي للبلدية، ووضع اللوائح التنفيذية الخاصة بالشروط التخطيطية والتنظيمية والفنية الواجب توافرها في المناطق العمرانية، واقتراح المشاريع العمرانية في البلدة، ووضع اللوائح التنفيذية اللازمة لممارسة البلدية واجباتها فيما يتعلق بالصحة والراحة والمباني والمرافق العامة وغيرها، وتحديد مقدار الرسوم والغرامات بما لا يتجاوز مائة ريال، واقتراح مقدار الرسوم والغرامات بما زاد على مائة ريال، ومراقبة الإيرادات والمصروفات وإدارة أموال البلدية، ومراقبة سير أعمال البلدية والعمل على رفع كفاءتها وحسن أدائها للخدمات، واقتراح مشاريع نزع الملكية للمنفعة العامة، وعقد القروض مع المؤسسات الحكومية المختصة وقبول الوصايا والهبات المتمشية مع الشريعة الإسلامية والمصلحة العامة، وتحديد أسعار الخدمات والمواد التي تقدمها البلدية بطريق مباشر أو غير مباشر، وإبداء الرأي فيما يعرض على المجلس من قضايا.

 

كما حددت الأنظمة شروطا للمرشح لعضوية المجلس البلدي تتمثل في أن يكون سعودياً بالدم أو المولد أو متجنساً مضى على تجنسه عشر سنوات على الأقل، وأن يكون متمماً الخامسة والعشرين من عمره، وأن يقيم إقامة دائمة في نطاق البلدية طوال مدة عضويته، وأن يكون المرشح غير محكوم عليه بحد شرعي أو بالسجن في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة ما لم يكن قد مضى على تنفيذ الحد أو السجن خمس سنوات، وغير مفصول من الخدمة العامة لأسباب تأديبية ما لم يكن قد مضى على هذا الفصل خمس سنوات، وأن يجيد القراءة والكتابة، ويتمتع بالأهلية والشرعية، وغير محكوم عليه بالإفلاس الاحتيالي.
 
ويسعى المسؤولون من خلال الانتخابات البلدية لتحقيق مجموعة من الأهداف من بينها: توعية المواطنين بأهمية المشاركة السياسية، وتخفيف حالة المركزية في الأجهزة الحكومية، وتمكين المواطنين من المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وكشف مدى وعي المجتمع وقدرته على المشاركة، وفصل الشأن العام عن الشأن الخاص.

الآمال والتحديات
تأتي خطوة الانتخابات البلدية تأكيدا للحاجة الماسة إلى إعادة صياغة شرعية الأجهزة التنفيذية عبر إشراك المواطنين في الرقابة على أعمال قطاع مهم من القطاعات الخدمية وهو البلديات المحلية، وقد تكون خطوة أولى من الخطوات التي تهدف إلى توسيع المشاركة الشعبية.

"
قد لا يرى البعض في الانتخابات البلدية الجزئية تعبيرا حقيقا عن طموحات المواطنين, إلا أن التدرج في هذه المعالجة قد يقود إلى تطورات إيجابية
"
من المؤمل أن تساهم هذه التجربة في خلق جو من الرضا والتفاعل لدى المجتمع السعودي لما قد ينتج عنها من شعور المواطنين بدورهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤونهم وإتاحة الفرصة أمامهم لمساءلة ومحاسبة المسؤولين المنتخبين الذين أعطوهم أصواتهم، وما ينتج عن هذه المشاركة الانتخابية من توسيع للهوامش المتاحة للتعبير عن الرأي والتعاطي مع البرامج الانتخابية المختلفة.

 

ويعتقد البعض أن ذلك قد يؤدي بدوره إلى الحد من أزمة التشنج السياسي التي تمخضت عنها حالة التطرف وأعمال العنف المتفاقمة، بحيث يمكنها أن تساهم في توسيع مساحة الاعتدال والوسطية والتعايش بين الفئات المختلفة واحترام تعدد وجهات النظر بين المواطنين.

 

ومن هنا يختلف الباحثون في هذا المجال من ناحية مساحة المشاركة السياسية المطلوبة ودورها المنشود وآلياتها، فالبعض يرى ضرورة القيام بتحول ديمقراطي شامل وإجراء انتخابات عامة على كل المستويات من أجل استبدال الصيغ التقليدية القائمة بأخرى أكثر اتساعا وشمولية كما حدث في كثير من الدول، بينما يرى البعض الآخر أن مثل هذا التحول الشامل قد يسبب إرباكا في الوضع السياسي ويقود إلى حالة غير واضحة الملامح يصعب التكهن بنتائجها وتأثيرها.

 

ويرى أصحاب هذا الرأي أن التغيير لابد أن يكون بشكل متدرج من أجل ضمان النتائج. ويعتقد من ينحى بهذا الاتجاه أن أبناء الجيل الراهن في المجتمع السعودي لم يسبق لهم أن عايشوا أي تجربة سابقة في هذا المجال، ولذا فهم بحاجة إلى أن يتعايشوا مع مشروع الانتخابات البلدية من أجل أن يكونوا بالتالي قادرين على التفاعل مع الخطوات الأخرى من مشروع الإصلاح السياسي.

 

ولعل الانتخابات البلدية تساهم أيضا في معالجة بعض المعوقات الحقيقة التي تميز الحراك الاجتماعي في السعودية من حيث إمكانية قيام فضاء اجتماعي وسياسي يساهم في تأهيل المجتمع ونقله إلى مستوى المشاركة السياسية من خلال السماح بتشكيل مؤسسات المجتمع المدني وتفعيل دورها في مختلف المجالات لكي تتشكل أنوية وأطرا اجتماعية حديثة تتجاوز الأطر التقليدية (القبلية والمناطقية والمذهبية) التي نراها مترسخة بشكل أو بآخر في ثنايا المجتمع السعودي، والتي  تلعب دورا سلبيا في المشاركة السياسية الحقيقية.

 

وقد لا يرى البعض في الانتخابات البلدية الجزئية تعبيرا حقيقا عن طموحات المواطنين وقدرتهم على بلورة مشاريع مشاركة سياسية كاملة ولاسيما أن هذه الانتخابات جزئية، إلا أن التدرج في هذه المعالجة -إذا أحسن استثماره وتم التعامل معه بالشكل الأمثل- قد يقود إلى تطورات إيجابية ولاسيما إذا كانت جزءا من مشروع تطوير سياسي متكامل، فتأتي أهميتها في كونها الخطوة الأولى في مشروع شامل كما أسلفنا.

 

بين الواقع والطموح
جاءت المشاركة الشعبية في الانتخابات البلدية أقل من التوقعات في مختلف المناطق التي جرت فيها حتى تاريخه، وذلك لعدة أسباب بعض منها طبيعية نظرا لحداثة التجربة ولكن معظمها جاء نتيجة عدم معرفة المواطنين بمهام المجالس البلدية وبسبب الأنظمة المقيدة التي عقدت مشروع الانتخابات بصور مختلفة.

 

فتقليص عدد المشاركين من المواطنين عبر اقتصارها على الذكور منهم ممن بلغوا سن الحادية والعشرين ومن غير العسكريين، جعل نسبة المواطنين الذين يحق لهم الاشتراك في التسجيل يبلغ حوالي 20% فقط من عدد السكان.

 

لقد تراوحت نسبة المشاركة الشعبية في التسجيل بين 20-40% ممن لهم حق التسجيل بالمناطق التي بدأت فيها عمليات التسجيل للانتخابات، وهذا التفاوت يعود إلى كثافة الفعاليات الأهلية في بعض المناطق -وخاصة في المنطقة الشرقية- التي ساهمت في تشجيع المواطنين على المشاركة وتسهيل إجراءات التسجيل.

 

كما كان لدور علماء الدين في هذه المناطق تأثير بالغ في تحقيق هذه النتائج، علما بأن موقف معظم رجال المؤسسة الدينية لم يكن متحمسا لهذا المشروع ولم يظهر منهم إلا القليل لتسجيل أسمائهم.

 

ونظرا لما هو متوقع من أن يكون للمجالس البلدية دور متعاظم في السعودية في المراحل المقبلة، فإن هنالك حاجة ماسة إلى معالجة الإشكالات القائمة وتطوير الوضع الحالي بما يمكن شريحة أوسع من المواطنين من المساهمة في هذا المشروع الهام.

 

"
نظرا لما هو متوقع من أن يكون للمجالس البلدية دور متعاظم في السعودية في المراحل المقبلة، فإن هنالك حاجة ماسة إلى معالجة الإشكالات القائمة وتطوير الوضع الحالي
"
ولعل أبرز ما يمكن القيام به في هذا المجال ما يلي:
1- اعتبار العملية الانتخابية الحالية خطوة تجريبية أولى في مشروع الإصلاح السياسي الذي يهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية.

 

2- إفساح المجال أمام المؤسسات الأهلية الفاعلة للقيام بمبادرات تهدف إلى دعم الجهود الرسمية في هذا المجال.

 

3-إعطاء المجالس البلدية سلطات تشريعية ورقابية أوسع للمساهمة في تفعيل دورها المنوط بها على المستوى المحلي، بحيث يمكن لأعضائها تحقيق بعض مطالب وطموحات مواطنيهم. كما أن اعتماد الوزير لقرارات المجلس قد يحد من صلاحيتها ودورها وتكريس البيروقراطية.

 

4- تحديد صلاحيات المجالس البلدية وعلاقتها بصورة واضحة مع البلدية، وخاصة مع كون رئيس البلدية عضواً في المجلس البلدي وإمكانية ترؤسه له.

 

5- تجاوز إشكالية مشاركة المرأة في الانتخابات بشكل عام كمرشحة وناخبة، وذلك نظراً لأهمية دورها في الشأن العام وضرورة مشاركتها السياسية والاجتماعية.

 

6- توسيع فرص المشاركة الشعبية العامة بحيث تشمل قطاعات وشرائح اجتماعية أكبر كتعديل السن القانوني لمن يحق لهم المشاركة في التسجيل للانتخابات.

 

7- تسهيل إجراءات التسجيل والتصويت في العملية الانتخابية عبر الاستفادة من وسائل التقنية الحديثة.  


8- تعميد جهات رقابية وإشرافية مستقلة تشرف على سير الانتخابات وتعالج الطعون فيها، ويمكن أن تتشكل من إعلاميين وقانونيين ومؤسسات دولية متخصصة.

 

9- إفساح المجال للمرشحين لطرح برامجهم الانتخابية بشكل حر، ورفع القيود المكثفة التي تحد من ذلك والتي وردت في اللوائح التنظيمية للانتخابات.

 

10- تعميم برامج تحضيرية وتوعوية للمرشحين وللمواطنين حول الانتخابات والمجالس البلدية، وإعداد برامج إعلامية مكثفة في هذا المجال تساهم في تعبئة وتشجيع المواطنين للمشاركة.

 

11- طرح مشاريع تعليمية وتربوية لأفراد الأسرة وطلبة المدارس لتعزيز ثقافة الانتخاب والمشاركة الشعبية.

 

12- دراسة التجارب الانتخابية الأخرى -وخاصة الشبيهة- والاستفادة من الخبرات المتخصصة في هذا المجال.
ـــــــــــــــ
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة