إيران بين العفة الثورية المذهبية والمصلحة القومية   
الخميس 1428/4/23 هـ - الموافق 10/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:53 (مكة المكرمة)، 13:53 (غرينتش)


طارق الكحلاوي

- خلفية وثيقة 4 مايو/أيار 2003
- محتوى المبادرة الإيرانية
- تعليق

عندما أعد في الأسبوع الماضي منظمو المؤتمر الدولي حول العراق في شرم الشيخ حفل العشاء الختامي اختارت يد غير معلومة وضع صحن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في مواجهة صحن نظيرها الإيراني منوشهر متكي.

وفي الوقت المحدد الذي كانت جميع كاميرات المؤتمر تتهيأ فيه بكل التقنيات العالية التي يمكن توفرها لالتقاط الصورة المنشودة، وبينما كانت رايس في طريقها لعشاء طال انتظاره اكتشف السيد متكي أن عازفة الكمان المرافقة للعشاء ترتدي فستانا أحمر قانيا متبرجا مما جعله -كما يبدو- يحجم عن تناول العشاء.

من المناسب التذكير هنا أن كل هذا يحدث في مؤتمر حول العراق، أي تحديدا في الملف الذي يشهد أكثر مجال للتقارب بين الإدارة الأميركية و "الجمهورية الإسلامية". وبمعنى آخر حيث لا يحتاج -حقيقة- أحد إلى أي صور درامية لكي نرى الإدارة الأميركية و "الجمهورية الإسلامية" في فراش واحد.

ترغب "الجمهورية الإسلامية" في صيانة عفتها. ولن تسمح بالتأكيد لفستان أحمر عاري الأطراف أن يفسد مسيرة صافية على مدى ثلاثين عاما من الخطاب الثوري.

هناك طبعا فرضية أخرى أكثر جدية لتفسير مغادرة متكي حفل العشاء وصوره الدرامية. بداية هذه الفرضية تكمن في خلفية ومحتوى مبادرة إيرانية لم تحظ بالتغطية المناسبة.

وتمر هذه الأيام أربع سنوات على تاريخ المبادرة الإيرانية السرية المؤرخة في 4 مايو/أيار 2003 والتي لم يكشف عنها بشكل تفصيلي إلا في فبراير/ شباط 2007 بعد سلسلة من التسريبات الصحفية والتلميحات الأميركية الرسمية (نسخ مصورة عن الوثيقة الأصلية متوفرة الآن على النت على عدد من المواقع).

وتؤكد الوثيقة أن السياسة الإيرانية لا تتبع، كما يشير عدد من التحليلات لـ "مصلحة شيعية" بقدر ما تتبع "مصلحة قومية إيرانية" رغم كل ما تبديه القيادة من "عفة ثورية مذهبية" توهم بوجود "حلف إيراني" في عموم المنطقة يستهدف تحقيق مشروع "هلال شيعي".

"
موافقة القيادة الإيرانية على نقاط الوثيقة خاصة الجزء المسمى بالأهداف الأميركية لا تعني فقط الموافقة على إدراجها ضمن الحوار بل أيضا الموافقة على قبولها
"
خلفية وثيقة 4 مايو/أيار 2003
قام المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي فلينت ليفريت منذ انضمامه إلى مؤسسة التيار الواقعي التي بدأت تفرض نفسها على المشهد الإعلامي الأميركي "مؤسسة أميركا الجديدة" بمحاولات متعاقبة للكشف عن وثيقة إيرانية تم إرسالها عبر السفارة السويسرية في إيران القائمة بأعمال الولايات المتحدة هناك بتاريخ 4 مايو/أيار 2003 عبر الفاكس إلى عدد من السفارات الأميركية بالمنطقة بالإضافة إلى مقر الخارجية الأميركية في واشنطن.

بداية تجب الإشارة إلى أن هذه الوثيقة مرسلة عبر السفير السويسري وبالتالي ليست مرسلة مباشرة من قبل الإيرانيين إلى الطرف الأميركي، وهو الأمر الذي أكد عليه الموقف الرسمي الأميركي بما في ذلك تصريحات لرايس للتشويش على صدقيتها.

ولكن مثلما يكشف ليفريت فإن هذه هي القناة المعتادة للاتصال بين الطرفين بما في ذلك ما يتعلق بالأمور السياسية ذات الطابع السري.

تتمثل الوثيقة في صفحتين وفي قسمين. الصفحة الأولى محررة من قبل السفير السويسري، وتعرض تفاصيل تطور الحوار الذي أدى إلى إنتاج مبادئ عامة (مضمنة في الصفحة الثانية). ويؤكد السفير السويسري في هذا القسم على خمس نقاط من الضروري الاطلاع عليها لفهم مستوى القرار الإيراني الذي تمخض عن هذه الوثيقة ومن ثمة مدى جديتها.

وهي كالتالي
أولا: يشير السفير السويسري إلى أنه كانت له حوارات في طهران مع السفير الإيراني في باريس توجت على ما يبدو بحوار مطول يوم 21 أبريل/نيسان 2003 حول وثيقة "خريطة طريق" لحوار إستراتيجي مع الولايات المتحدة.

ما يرغب السفير السويسري في التركيز عليه هنا هو أهمية شخص السفير صادق خرازي، وهو ليس فقط ابن أخ كمال خرازي وزير الخارجية آنذاك بل أيضا صهر مرشد الثورة أحمد خامنئي (أخت صادق خرازي هي زوجة ابن خامنئي).

وبمعنى آخر لا يتعلق الأمر بأي دبلوماسي إيراني بل بشخص له صلة مباشرة بمركز القرار. ولهذا وعد صادق خرازي السفير السويسري بأنه سيحمل وثيقة المبادئ التي تم التوصل إليها إلى وزير الخارجية والمرشد ذاته.

ثانيا: يوم 2 مايو/أيار 2003 أي بعد أقل من أسبوعين يشير السفير السويسري إلى التقائه مع صادق خرازي لثلاث ساعات أخبره خلالها أنه كانت له جلستا حوار مطولتان مع المرشد حضر فيها كل من رئيس الجمهورية محمد خاتمي ووزير الخارجية كمال خرازي.

يستشهد هنا السفير السويسري بكلمات صادق خرازي للتشديد على جدية النقاش الذي تم في شكل بالغ السرية مع المرشد "لقد تم نقاش كل كلمة" في وثيقة "خارطة الطريق".

يشير السفير إلى استفسار المرشد لصادق خرازي عما إذا كانت الوثيقة من إعداد أميركي، وهو ما نفاه مشددا للمرشد على أنها حصيلة حوار مع شخصية أوروبية مقربة من الخارجية الأميركية.

ثالثا: في تعليق صادق خرازي على حصيلة اللقاء مع المرشد وعلى تعليق الأخير على محتوى الوثيقة يشير إلى أن المرشد أعرب عن تحفظات إزاء بعض النقاط، في حين تعامل خاتمي ووزير خارجيته بإيجابية كاملة معها.

وفي المحصلة حصل إجماع على ما بين 85% و90% من نقاط الوثيقة، مع الإعراب حسب صادق خرازي عن قبول أن "كل شيء قابل للتفاوض".

هناك نقطة أساسية في هذا الإطار مهمة للغاية عند قراءة نقاط الوثيقة. إذ أكد صادق خرازي أن معنى "موافقة" القيادة الإيرانية على نقاط الوثيقة خاصة الجزء المسمى بـ "الأهداف الأميركية" أنها لا تعني فقط الموافقة على إدراجها ضمن الحوار بل أيضا الموافقة على قبولها.

وفي هذا الإطار يطلب صادق خرازي من السفير السويسري إدخال بعض التعديلات على الوثيقة في العلاقة بالمنطقة بشكل عام بناء على الجلسة التي أجراها مع المرشد، مقرا بأن "عملية السلام العربية الإسرائيلية أمر واقع".

رابعا: هنا اهتم صادق خرازي -حسب السفير السويسري- بالجانب اللوجستي مما يعكس رغبة إيرانية في تسريعه. يقول خرازي حسب الوثيقة "إذا وافق الأميركيون على الإبقاء على سرية الحوار الثنائي يمكن إقامته في ظرف سريع جدا حيث يمكن نقاش بقية تحفظاتنا التي أنا متأكد أنه يمكن إنهاؤها".

ويمضي صادق خرازي حتى اقتراح اسم المسؤول الأميركي الذي يرغب في مشاركته في اللقاء الأول وهو رتشارد أرميتاج مساعد وزير الخارجية السابق (نظرا لتصريحاته آنذاك المحبذة لـ "الديمقراطية الإيرانية") وهو ما استبعده السفير السويسري، مقترحا في المقابل مسؤولين من درجة أقل وهو ما كان متاحا في لقاء مرتقب في الأمم المتحدة حول الإرهاب كان سيوفر إمكانية اجتماع خليل زاد مع السفير الإيراني في جنيف.

خامسا: يختم السفير السويسري ملاحظاته بإشارته إلى سؤال صادق خرازي عن الجوانب التي وافق عليها المرشد، وهنا يتهرب خرازي من إجابة واضحة وهو ما يفسره السفير بأنه رغبة إيرانية في عدم الالتزام بأي شيء حتى تقدم المفاوضات فعليا وذلك لتخوف المرشد من الداخل الإيراني.

"
استعداد إيراني للقيام ببيان يتضمن دعم حل سلمي في الشرق الأوسط يقبل بأي حل يقبله الفلسطينيون مع متابعة جدية للنقاش حول خريطة الطريق المقترحة من قبل الرباعية
"
محتوى المبادرة الإيرانية
تتكون وثيقة "خريطة الطريق" الموجودة في الصفحة الثانية من ثلاثة أجزاء: الأول بعنوان "الأهداف الأميركية" والثاني "الأهداف الإيرانية" والثالث "خطوات".

"الأهداف الأميركية" وتحتوي على أربع نقاط
أولا-موضوع أسلحة الدمار الشامل: رفض أي توجه إيراني نحو امتلاك أسلحة دمار شامل، وضمان ذلك من خلال الانصياع لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال الآليات الموجودة وأي صيغ بروتوكولية أخرى.

ثانيا-موضوع الإرهاب: العمل الحاسم ضد أي إرهابي، وقبل كل شيء أعضاء القاعدة -بمن في ذلك الموجودون على الأراضي الإيرانية- بالإضافة للتعاون الكامل مع تبادل المعلومات بين الطرفين.

ثالثا-موضوع العراق: التنسيق مع النفوذ الإيراني في اتجاه الدعم الفعال للاستقرار السياسي ومؤسسات ديمقراطية وحكومة ديمقراطية تمثل جميع الأطراف العرقية والدينية في العراق.

رابعا-موضوع الشرق الأوسط: وهنا توجد ثلاث نقاط تفصيلية. بداية وقف أي دعم مادي من الأراضي الإيرانية لمجموعات المعارضة الفلسطينية (حماس والجهاد.. إلخ) والضغط عليها لمنع الأعمال العنيفة ضد المدنيين داخل أراضي سنة 1967. ثم العمل في اتجاه حزب الله ليتحول إلى منظمة سياسية واجتماعية فحسب داخل التراب اللبناني. وأخيرا القبول بالحل القائم على وجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية.

"الأهداف الإيرانية" وتحتوي على ست نقاط:
أولا-توقف الولايات المتحدة عن القيام بأي مجهود للتدخل في إيران بهدف إحداث تغيير في النظام السياسي.

ثانيا-إلغاء كل العقوبات بما في ذلك التجارية من جانب الولايات المتحدة، ومنع إيران من دخول منظمة التجارة العالمية.

ثالثا-وهي نقطة خاصة بالعراق: مطالبة بملاحقة وطرد المعارضة الإيرانية المسلحة على الأراضي العراقية، ودعم المطالب الإيرانية بدفع تعويضات عراقية لإيران عن الحرب بين الطرفين، ورفض أي اجتياح تركي لشمال العراق، واحترام المصالح القومية الإيرانية في العراق (و هنا أستعمل المصطلحات الواردة في الوثيقة كما هي) والروابط الدينية مع النجف وكربلاء.

رابعا-وهنا تتعرض الوثيقة لموضوع الحق في اكتساب التكنولوجية السلمية النووية وغيرها من المجالات المشابهة.

خامسا-تتعرض الوثيقة لمسألة الإقرار بالمصالح الأمنية المشروعة لإيران في المنطقة، واعتبار ذلك محددا في القدرات العسكرية الإيرانية.

سادسا وأخيرا-الإرهاب من منظور إيراني مواجهة المعارضة المسلحة الإيرانية وفروعها بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.

في الجزء الأخير المتعلق بـ "الخطوات" تشير الوثيقة إلى الصيغ اللوجستية التي يمكن من خلالها تنظيم الحوار بين الطرفين. وهنا يتم اقتراح ثلاثة أطر للحوار:

أولا-التركيز على أربعة ملفات للتوصل لاتفاق حولها على أساس النقاط أعلاه، وهي موضوع العراق والإرهاب والصراع بالشرق الأوسط ودخول إيران منظمة التجارة العالمية.

هنا يتم عموما تكرار نفس النقاط المذكورة أعلاه، في حين يتم التفصيل بشكل أكثر وضوحا في موضوع الشرق الأوسط حيث تتم الإشارة إلى استعداد إيراني للقيام ببيان يتضمن الآتي "دعم حل سلمي في الشرق الأوسط يقبل بأي حل يقبله الفلسطينيون وأن هناك متابعة جدية للنقاش حول خريطة الطريق المقترحة من قبل الرباعية".

ثانيا-تكوين ثلاث فرق عمل تهدف إلى وضع خرائط طرق لنزع التسلح والإرهاب والأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي.

أخيرا-تتويج الإطارين الأخيرين من خلال الإعلان الرسمي على مستوى عال على نتائج الحوار.

"
الدلالة الأساسية لمحتوى المبادرة الإيرانية في هذه الوثيقة هي أن المرشد يضع حدودا دنيا للتنازل وهي مصلحة النظام الإيراني بالتحديد في الأراضي الإيرانية ومن ثمة هناك استعداد لتوظيف النفوذ الإيراني خارج الحدود على أساس خدمة هدف بقاء النظام
"
تعليق

يبقى هنا أن أشير إلى ملاحظات أساسية في تقديم الوثيقة لم يتم التركيز عليها حتى في النقاشات التي بادر بها ليفريت. إذ من الضروري التأكيد على توقيت المبادرة الإيرانية التي تأتي في غمرة الإحساس الأميركي -وربما حتى الإيراني- بانتصار عسكري بالعراق في أبريل/نيسان 2003.

وهي هكذا بالتأكيد معنية بظرفية خاصة، ولكنها في النهاية مبادرة توضح حدود مبدئية النظام الإيراني غير المنسجمة مع الصخب الشعاراتي.

وهنا آتي إلى نقطة أخرى محورية في تقييم حاضر السياسة الإيرانية حيث وقعت هذه المبادرة خلال عهد الرئيس خاتمي، ويمكن أن يتوهم البعض أن قدوم الرئيس أحمدي نجاد بكل الزخم الإعلامي المردد لشعاراتية "الموت لأميركا" يعني التراجع عن وثيقة "خريطة الطريق" المعنية.

وهذا تقييم غير دقيق لأنه من الواضح أن المبادرة ومعظم الوثيقة (بين 85% و90%) تحظى بتأييد "القائد المرشد" الذي هو المعني بشكل رئيسي بالقرارات الإستراتيجية بمعزل عن هوية رئيس الجمهورية.

إن الدلالة الأساسية التي يمكن الانتهاء إليها على أساس محتوى المبادرة الإيرانية في هذه الوثيقة، هي أن المرشد يضع حدودا دنيا للتنازل وهي مصلحة النظام الإيراني بالتحديد في الأراضي الإيرانية، ومن ثمة هناك استعداد لتوظيف النفوذ الإيراني خارج الحدود في العراق ولبنان وفلسطين على أساس خدمة هدف بقاء النظام.

وهكذا يصبح دعم المنظمات الفلسطينية واللبنانية ورقة للمبادلة مع وقف الدعم للمعارضة المسلحة الإيرانية. وفي نفس الإطار يصبح دعم مشروع الاحتلال الأميركي في العراق تحت عنوان "دعم الاستقرار السياسي" ورقة للمبادلة في نفس الاتجاه بالإضافة إلى الملفات القومية الإيرانية الأخرى بما في ذلك الملف النووي والدخول في منظمة التجارة العالمية.

ولا أعتقد أن أيا من هذه المعطيات قد تغير الآن. طبعا يمكن أن يكون تضايق متكي وبقية المسؤولين الإيرانيين من العازفة المتبرجة جديا، ولكن لا يبدو ذلك في الحقيقة سوى مؤشر على تعثر الحوار المنشود مع إدارة أميركية لا ترغب في التوصل إلى اتفاق بقدر ما ترغب أحيانا في إيهام الداخل الأميركي برغبتها في الحوار مع الجميع كما هي الظرفية الراهنة.

أما في حالة توصل الإيرانيين مع إدارة أخرى (الديمقراطية القادمة؟) على اتفاق ما، فلا أرجح أن يفسد حفل العشاء المرتقب بين الطرفين وصوره الدرامية الجماعية وجود بعض الموسيقيين "العراة".
__________________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة