مصر لاعب أم ملعوب به؟   
الثلاثاء 1430/9/5 هـ - الموافق 25/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 1:57 (مكة المكرمة)، 22:57 (غرينتش)
فهمي هويدي


باستثناء أن الرئيس حسنى مبارك عاد من واشنطن سالما معافى والحمد لله، فلست أجد في أخبار الزيارة شيئا يسر أو يشرح الصدر، وإنما حدث العكس تماما.

(1)

من البداية قلنا إن الرئيس أوباما "يتطلع" للقاء الرئيس مبارك. ووصف إعلامنا الرسمي الزيارة بأنها تاريخية قبل أن تبدأ. وناجحة قبل أن تظهر نتيجتها. وجاملتنا السفيرة الأميركية في القاهرة مارغريت سكوبى بكلمتين أبرزهما الأهرام في عناوينه. فقرأنا على لسانها أن الزيارة فرصة لسماع "نصائح" مبارك حول مختلف القضايا. وشارك السيد صفوت الشريف في المزاد بعبارات رفع فيها السقف، فقال في اجتماع لإحدى أمانات الحزب الوطني إن النجاح المشهود الذي حققته الزيارة أعاد قوة الدفع إلى العديد من القضايا المهمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ولم يفته أن يشير إلى أن الرئيس بحكمته ودوره التاريخي في المنطقة أكد (في الزيارة) المبادئ الأساسية التي تتمسك بها مصر (الأهرام 20/8).

تحت هذا السقف قيل كلام كثير حول استعادة الدور التاريخي لمصر، والدروس التي لقنها الرئيس المصري لنظيره الأميركي، والانطلاقة المرتقبة لعملية السلام، والتحذيرات التي وجهتها الزيارة لأي دولة إقليمية تلعب بذيلها في المنطقة (لا تخطئ وتتصور أن إسرائيل هي المقصودة، لأن الرسالة موجهة إلى إيران)، قرأنا أيضا سيلا من التعليقات التي تحدثت عن مفاتيح القوة والنفوذ التي تملكها القاهرة، التي ظلت البوابة الوحيدة للمنطقة وحجر الزاوية فيها.. الخ.

وذلك كله كلام طيب يعبر عما نتمناه حقا، لكن ينقصه شيء واحد، هو أن يجد الدليل الذي يؤيده ويترجمه على أرض الواقع.

(2)

"
حين يتحدث المسؤولون في واشنطن مثلا عن أهمية الدور المصري ويشيدون به، فينبغي أن نتمهل في الحفاوة بتلك الشهادة حتى نجيب عن السؤال: في أي إطار يمارس ذلك الدور، وفي أي وعاء يصب؟
"
إن الكلام عن أهمية الدور المصري لا شك فيه، فذلك أمر الجغرافيا ودرس التاريخ. لكن مفهوم الأهمية هو الذي يكتنفه بعض الغموض والالتباس، فثمة أهمية تنطلق من تأثير مكتسب من قوة البلد السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، وثمة أهمية تتكئ على دور يقوم به البلد في إطار إستراتيجيات الدول الكبرى. إن شئت فقل إن الأهمية في الحالة الأولى تخدم مشروع الوطن والأمة. أما في الحالة الثانية فهي تخدم إستراتيجيات الدول السابقة الذكر.

من هذه الزاوية فحين يتحدث المسؤولون في واشنطن مثلا عن أهمية الدور المصري ويشيدون به، فينبغي أن نتمهل في الحفاوة بتلك الشهادة. حتى نجيب عن السؤال: في أي إطار يمارس ذلك الدور، وفي أي وعاء يصب؟

من الملاحظات التي لا تخفى دلالتها في هذا السياق أن أغلب الإشارات التي تتحدث عن أهمية الدور المصري تصدر عن المسؤولين الأميركيين وبعض نظرائهم الغربيين، في حين أن الإعلام الغربي يتحدث عن مصر بشكل مختلف تماما. ومن يقرأ مثلا مقالات "الواشنطن بوست"، والدراسة الأخيرة التي نشرتها مجلة "الإيكونوميست" البريطانية -وكل منهما لها ثقلها واحترامها- يقلقه الكلام المكتوب عن مصر، خصوصا أوضاعها السياسية والاقتصادية.

ولم يعد سرا أن سمعة مصر في مجال الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لم يعد ممكنا الدفاع عنها، ناهيك عن أن مسألة توريث السلطة (السر المعلن) أصبحت موضوعا للتندر والتنديد (لا تنسَ أن زيارة الرئيس رتبت أثناء عطلة الكونغرس لتجنب إحراجه من جانب أعضائه)، باختصار فإنهم في العالم الخارجي صاروا يعرفون عن أوضاعنا السياسية مثلما نعرف. والكلام الطنان الذي قد ينطلي على البعض منا لم يعد ينطلي عليهم. ولذلك لم يكن مستغربا أن تصنف مصر ضمن الدول "الفاشلة" سياسيا.

أما من الناحية الاقتصادية، فيكفي أن تعرف أن الدخل الفردي لمصر يصنف الآن في المرتبة 112 (البعض يضعها في المرتبة 127) بين دول العالم (190ـ195). وفي حين وصل متوسط دخل الفرد في عالمنا المعاصر إلى 9 آلاف دولار في السنة، فهو في مصر يتراوح ما بين 1600 و200 دولار، أي أنه أقل من ربع المتوسط العالمي.

لا تسأل عن خدمات الصحة والتعليم والإسكان، لأن قارئ الصحف الصباحية صار يتابع كل يوم أخبار الفضائح التي تحدث في تلك المجالات، وما شرب المياه المختلطة بالمجارى، وري زراعات الخضراوات والفواكه بمياه الصرف الصحي، إلا أحدث لقطة في ذلك المسلسل.

"
حين يقول أوباما إن «الرئيس مبارك كان طوال ثلاثين عاما قائدا ومستشارا وصديقا», فهو كلام يثير السؤال المزعج التالي: هل كان الدور المصري شريكا بهذه الصفات في الممارسات الأميركية التي تمت في المنطقة العربية طوال تلك الفترة؟
"
مثل هذه "العورات" لا يسترها التاريخ أو الجغرافيا. ثم إنها لا تنال من هيبة البلد وسمعته فقط، ولا تهدد أمنه القومي فحسب، وإنما هي تفقد البلد قدرته على التأثير، ولا أبالغ إذا قلت إنها تجعل استعداده للتأثر أكبر وأقوى من أهليته للتأثير.

في ضوء هذه الخلفية فإن الحديث عن "التحالف الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة ومصر، يصبح أمرا مقلقا يثير عديدا من الأسئلة حول دقة التعبير من ناحية، وموقع كل من البلدين في هذا التحالف من ناحية أخرى، الذي يوحى المصطلح فيه بأنه واقع بين أفعال، وليس بين أوزان مختلفة، على هيئة أشبه بالقاطرة والمقطورة.

لقد شعرت بغصة في حلقي حين قرأت على لسان الرئيس أوباما في المؤتمر الصحفي الذي عقد في ختام الزيارة (يوم 18/8) قوله إن الولايات المتحدة ومصر عملا معا وبشكل وثيق طوال الثلاثين سنة الأخيرة، وإن "الرئيس مبارك كان طوال هذه الفترة قائدا ومستشارا وصديقا". وهو كلام يحتاج إلى تدبر وتفكير عميقين، لأنه يثير السؤال المزعج التالي: هل كان الدور المصري شريكا بهذه الصفات في الممارسات الأميركية التي تمت في المنطقة العربية طوال تلك الفترة؟ ولأن الرئيس الأميركي لا يلقى الكلام على عواهنه، فأي قدر من المرارة والألم يستشعره المرء حين تصدمه هذه الحقيقة؟.

(3)

لا نعرف شيئا عما دار في "الخلوة" التي تمت بين الرئيسين مبارك وأوباما. ويتعين لنا أن ننتظر معلومات الصحف الأميركية حتى نقف على ما جرى في ذلك الشق الغاطس والمسكوت عليه من المباحثات، وإلى أن يتحقق ذلك، فليس أمامنا سوى أن نتعامل مع ما تم إعلانه من مواقف، بعضها يتعلق بالشأن المصري، والبعض الآخر يتصل بالملف الإيراني، والثالث بالشأن الفلسطيني، ما خص الشأن المصري جاء مختصرا وعاما، فقد ذكر الرئيس مبارك أن المباحثات تناولت مسألة الإصلاح في مصر، وأنه أوضح أنه خاض الانتخابات الأخيرة على أساس برنامج للإصلاح جارٍ تنفيذه، وذكر تقرير للشرق الأوسط أن الرئيسين بحثا أيضا قضايا التنمية والتعليم (في مصر وليس في أميركا طبعا). ومن ثم فقد أحطنا علما بالعناوين ولم نعرف شيئا عن التفاصيل.

الجزئية الوحيدة التي ذكرت أثناء الزيارة جاءت غامضة للغاية. ذلك أن الرئيس مبارك حين سئل عن المستقبل في مصر أثناء الحوار التليفزيوني الذي أجري معه، قال إنه ليس معنيا بمن سيأتي بعده، لأنه مشغول بتنفيذ برنامجه الانتخابي. وإن ابنه جمال لم يفاتحه في مسألة ترشحه للرئاسة.

وهو كلام يحير المواطن المصري الذي يصعب عليه تصديقه، خصوصا إذا ما قارن محتواه بما يشاهده يوميا على أرض الواقع. ولم تكن الحيرة من نصيبنا وحدنا، لأن "الشروق" نشرت في عدد الخميس 20/8 أن أحد الخبراء الأميركيين فهم من كلام الرئيس أنه لن يتقاعد، وسيرشح نفسه للانتخابات القادمة.

"
حديث مبارك عن أن ابنه جمال لم يفاتحه في مسألة ترشحه للرئاسة, حير المواطن المصري الذي يصعب عليه تصديقه، خصوصا إذا ما قارن محتواه بما يشاهده يوميا على أرض الواقع
"
الموضوع الإيراني، الذي أرجح أن نصيبه من المباحثات يعادل الشأن الفلسطيني إن لم يكن أكثر، ولا أستبعد أن يكون أحد الموضوعات الأساسية التي نوقشت في الخلوة السابقة الذكر، تم تناوله أيضا بشكل مقتضب وعام في كلام الرئيسين. فقد قال أوباما في المؤتمر الصحفي إنه بحث مع مبارك "القلق المشترك لانتشار الأسلحة النووية في المنطقة، بما فيها تطوير إيران لأسلحة نووية، وكيف يمكن التعاون على تلك الجبهات"، أما الرئيس مبارك فقد نقلت عنه وكالة يونايتد برس قوله في لقائه مع زعماء الطائفة اليهودية: إن هناك انشقاقا داخل القيادة الإيرانية. والطريقة الأفضل للتعامل "مع البرنامج النووي الإيراني" هي الانتظار.. وأن الهجوم العسكري "على إيران" لن يؤدي إلا إلى الالتفاف حول قيادتهم.

لا أجد في هذا الكلام أي إيحاء بنجاح الزيارة ولا بفشلها. ولكنك لابد أن تلاحظ أن الشق المعلن منها في الشأن الإيراني تجاهل تماما إسرائيل النووية (كأنها لا تشكل خطرا)، وركز على كيفية التعامل مع المشروع النووي الإيراني، مما قد يعد تمهيدا لإثارة موضوع الأمن الإقليمي والمظلة النووية المزمعة إقامتها في المنطقة، بدعوى تبديد مخاوف منطقة الخليج ومصر من الخطر الإيراني. وهو خبر سار لإسرائيل. ليس فقط لأنه يشكل تأمينا إضافيا لها وردعا لإيران، ولكن أيضا لأنه يصرف الانتباه عن مشروعها النووي وما تمثله أطماعها من خطر حقيقي على المنطقة.

(4)

"
حين يردد الرئيسان المصري والأميركي مقولة إن عملية السلام في فلسطين "تمضى في الاتجاه الصحيح"، فإن ذلك يفاجئنا، لأنه يظل غير قابل للتصديق
"
لو أن متحدثا قال في أي جمع عربي إن جهود عملية السلام في فلسطين "تمضي في الاتجاه الصحيح"، لسخر منه السامعون واتهموه إما بالكذب أو بالهبل. لكن حين يردد المقولة الرئيسان المصري والأميركي، فإن ذلك يفاجئنا، لأنه يظل غير قابل للتصديق. لقد بنى الرئيس أوباما كلامه على أساس معلومات ذكرت أن نتنياهو قرر تجميد الاستيطان، فيما بدا أنه استجابة للمطلب الأميركي الداعي إلى التجميد من قبل الإسرائيليين، مقابل التطبيع من جانب العرب.

ويفترض في هذه الحالة أن يكون ذلك إيذانا بإطلاق المفاوضات التي تحقق التسوية النهائية، لكن بعد ساعات من تصريحات الرئيس الأميركي التي امتدحت نتنياهو بسبب ما نقل عنه، أصدر مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بيانا أعلن فيه أنه لم يصدر بيانا بهذا الخصوص، وأن الإجراءات القانونية السارية حاليا لوقف التوسع الاستيطاني قائمة من الحكومة السابقة. وأن حكومته لم تتخذ قرارا جديدا في الموضوع، وكل ما هنالك أنه لم تكن هناك مشاريع بناء جديدة للبت فيها.

وفي التقرير الذي نشرته "الشرق الأوسط" حول الموضوع (في 20/8) ذكرت أن كل الكلام الدائر عن تجميد الاستيطان ينصب على تصاريح البناء الجديدة، ولا يتطرق إلى المشروعات التي يتم بناؤها حاليا، أو التي هي في طور الإعداد، وعددها يقدر بآلاف الوحدات السكنية. في هذا الإطار نشرت صحيفة هآرتس في ملحقها الاقتصادي (يوم 19/8) أنه سيتم تنفيذ مشروع "قديم" لبناء 450 مسكنا في حي استيطاني بالقدس. وقالت إن عملية البناء فيه ستبدأ في مستهل العام الجديد.

لا تقف المفارقات عند ذلك الحد، لأن مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض المحتلة، أصدر تقريرا في بداية الشهر الحالي رصد فيه جهود المستوطنين لتهويد القدس، التي أدت إلى إصدار ١٥٠٠ قرار لإزالة منازل الفلسطينيين، وطرد 53 أسرة فلسطينية من بيوتها، تمهيدا لإقامة مستوطنة جديدة.

لقد تم تجاهل كل ذلك، وجرى التعلق بما نسب إلى نتنياهو خاصا بتجميد الاستيطان، لإيهام الرأي العام العربي بأن الأمور تمضي في الاتجاه الصحيح. وكنت قد ذكرت في حديث سابق أن التوسع في الاستيطان يشكل أحد بنود البرنامج الذي انتخب على أساسه نتنياهو رئيسا للحكومة، ولذلك فإن الرجل اتهم من قبل اليمين الإسرائيلي بخيانة ناخبيه حين شاع خبر التجميد، الأمر الذي اضطره إلى إصدار بيان النفي الذي سبقت الإشارة إليه.

إننا بصدد فضيحة سياسية يساق العرب فيها إلى التطبيع مقابل تجميد مؤقت للاستيطان تصر إسرائيل على أن يكون لمدة ستة أشهر فقط، ويطالب المبعوث الأميركي بأن يستمر لمدة سنة (هو تجميد رمزى في الحقيقة لنبتلع الطعم بما يؤدى إلى التطبيق ويطلق المفاوضات التي خبرناها ونعرف أنها يمكن أن تستمر للأبد، في حين تنفتح أبواب العالم العربي لإسرائيل على نحو تدريجي).

لا تقف الفضيحة عند ذلك الحد. لأن هذا الذي يحدث يعد تنفيذا للأجندة الإسرائيلية، والتزاما بموقف نتنياهو الذي تبنى منذ تولى رئاسة الحكومة قبل خمسة أشهر فكرة "الالتزامات المتبادلة"، وقال إن إسرائيل لن تتقدم خطوة إلى الأمام إلا أخذت مقابلا لها من العرب. وهذا الكلام ترجم إلى موقف مشترك أثناء الزيارة، أبرزته صحيفة الأهرام في 19/8 في عنوان على ثمانية أعمدة نقل عن متحدث باسم الخارجية الأميركية قوله: القاهرة وواشنطن تتفقان على ضرورة اتخاذ خطوات عربية إسرائيلية متوازية لتحقيق السلام (!).

"
الملابسات التي أحاطت بالزيارة والتصريحات التي صدرت عن حصادها تستدعي سؤالا كبيرا هو: هل مصر لاعب كبير حقا أم أنها ملعوب بها؟
"

ينتاب المرء شعور بالخزي والخجل، حين يطالع عنوانا من هذا القبيل، ثم يقرأ في اليوم ذاته (19/8) تصريحا لوزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بثته وكالة أسوشيتد برس قال فيه إن على إسرائيل أن تتخذ من جانبها خطوات تثبت رغبتها في إنهاء صراعها مع العرب. لقد تجنب الرجل الوقوع في مصيدة التنازلات المتبادلة، وطالب إسرائيل بأن تثبت حسن نيتها أولا. وكان في ذلك مصيبا تماما، كما أنه أكثر استقامة ونزاهة.

إن الملابسات التي أحاطت بالزيارة والتصريحات التي صدرت عن حصادها تستدعي سؤالا كبيرا هو: هل مصر لاعب كبير حقا أم أنها ملعوب بها؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة