في الدفاع عن الهوية   
الأحد 1428/8/27 هـ - الموافق 9/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:14 (مكة المكرمة)، 12:14 (غرينتش)
عبد الوهاب المسيري

يرى البعض أن هناك استهدافا للهوية العربية بحد ذاتها أو بشكل خاص، ولكنني أذهب إلى القول إن هذا صحيح وغير صحيح في الوقت ذاته، لأن هناك ما يهدد الهوية على الصعيد العالمي، حين أفرزت الحضارة الغربية ظواهر تهدد ظاهرة الإنسان نفسه، من أهمها ما أسميه الاستهلاكية العالمية التي تضرب صميم ثوابت الإنسان وأخلاقياته.

"
الدولة الصهيونية تريد أن يصبح الشرق الأوسط مقسما إلى دويلات إثنية ودينية وعرقية، ومن ثم تصبح الدولة العبرية مسألة طبيعية للغاية، لأنه داخل التشكيل الحضاري العربي تبقى مثل هذه الدولة كيانا دخيلا شاذا
"
لقد ظهرت في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة حضارة جديدة تتميز بالبراغماتية بمعنى أنها تفضل السهل على الخير والجميل، وهذه الحضارة حققت انتشارا غير عادي وأصبح يطلق عليها اسم النظام العالمي الجديد، وهى ترجمة لنظرية أن الناس هم مجموعة من البشر ليست لها هويات محددة، وما يهم هو الوفاء باحتياجاتهم المادية المباشرة، وبذلك اختفى المشروع الخاص وحلت محله حضارة الكوكاكولا والهامبورغر!

ومع تآكل الهوية يزداد التراخي الإنساني، وتزداد النزعات الذرية في المجتمع، وتصبح الهجرة إلى الخارج أو السطو على بنك أو شراء ورقة يانصيب هو الحل. وأصبح من الصعب أن نطلب من الجماهير أن تستيقظ مبكرة وأن تضحي بنفسها وأن تؤدي عملها في غياب مثل أعلى!

لا بد أن يدرك الناس أن الهوية ليست مجرد فولكلور ولكنها في واقع الأمر تعبير عن رؤية كاملة للكون. فالناس تستيقظ كل يوم لأداء عملها لتحقيق هدف ما، ولكن بدون وجود هدف تصبح عملية الاستيقاظ عملية بيولوجية خالية من المعنى، بينما أعتقد أنه في ظل وجود مشروع حضاري يعبر عن الهوية وعن رؤية الكون يصبح الاستيقاظ فعلا إنسانيا يسهم في بناء الوطن.

ومع هذا هناك عوامل تهدد الهوية العربية على وجه الخصوص منها أن حضارة الصورة بدأت تحل محل اللغة المكتوبة أو الشفهية، والعرب لم يتملكوا بعد ناصية هذه اللغة الجديدة، ولذا فإن الأفلام الأميركية والفيديو كليبات التي تعبر عن رؤية للكون لا تكترث كثيرا بالهوية أو بمجموعة القيم المرتبطة به تكتسح الإنسان العربي وتقوضه.

كما أن أكبر تهديد للهوية العربية هو الدولة الصهيونية لأن مشروعها هو بعث ما يسمى "الهوية اليهودية"، وهذا يتطلب تفتيت الهوية العربية ومحوها.

ومن هذا المنظور الصهيوني لا بد من العودة إلى ما قبل الإسلام، حيث كانت هناك هوية آشورية وفرعونية وفينيقية، ومن هنا الدعوة إلى العودة إلى الحضارة الفرعونية، وإلى الحضارة الفينيقية في لبنان والحضارة الآشورية البابلية في العراق! وهذه كلها حضارات متحفية جميلة لكنها ليس لها امتداد في الحاضر.

ولكن الدولة الصهيونية تريد أن يصبح الشرق الأوسط مقسما إلى دويلات إثنية ودينية وعرقية، ومن ثم تصبح الدولة العبرية مسألة طبيعية للغاية، لأنه داخل التشكيل الحضاري العربي تبقى مثل هذه الدولة كيانا دخيلا شاذا!

وقد ترجم المخطط الصهيوني نفسه في الآونة الأخيرة إلى فكرة السوق شرق الأوسطية ثم مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث يتم تفتيت الهويات لتظهر الهوية العبرية وتقوم بقيادة المنطقة وتوظفها لصالح الغرب.

هناك كذلك محاولة لضرب الفصحى وعاء الذاكرة التاريخية، وبدون هذه الذاكرة التاريخية وبدون الفصحى يتحول الإنسان العربي إلى الإنسان ذي البعد الواحد الذي يمكن التنبؤ بسلوكه ويمكن توجيهه ليستهلك السلع التي تنتجها له الشركات عابرة القوميات والحدود والهويات.

أما الإنسان الذي لا يدخل ضمن هذه المنظومة فإنه إنسان غير استهلاكي وبالتالي فبوسعه مقاومة هذه المنظومة.

لكل هذا لا بد أن نتصدى للجهود المبذولة في تفتيت الهوية، ولا بد أن نبين لجماهيرنا أن الهجوم على الهويات هو إحدى السمات الأساسية للنظام العالمي الجديد، وأن الهجوم على الهوية العربية هو أحد البنود الأساسية في المخطط الاستعماري بالنسبة لعالمنا العربي، وأن نبين لهم ضرورة التمسك بالهوية، وأنها ليست مجرد زخرف جميل، وإنما مكون أساسي من شخصيتنا القومية، وأن التنمية بدون تفعيل الهوية أمر مستحيل.

وحيث إن منتجات الحضارة الغربية (الأفلام والفاست فوود والاستهلاكية) هي التي تهدد هويتنا، يصبح من الضروري أن نبين الجوانب المظلمة من الحضارة الغربية ومن منتجاتها التي تُصدر لنا والتي نبتلعها ونهضمها بسهولة بالغة.

ومن هنا تبدو ضرورة قيام وكالة أنباء عربية متخصصة تعمد إلى رصد هذه الحضارة، بعيدا عن تأثير الإعلام الغربي، وتبين الثمن الفادح الذي يدفعه المواطن الأميركي بسبب سياسات الحكومة الأميركية.

كما يجب أن نطرح مفهوما للوحدة غير العضوية فيما أسميه "الوحدة الفضفاضة" التي تفسح المجال أمام كل الجماعات الإثنية والدينية أن تعبر عن هويتها، طالما أن هذا التعبير لا يفت في عضد سيادة هذه الدولة، فالنظام التعليمي -مثلا- ينبغي أن يقبل بالتعددية.

والوحدة الفضفاضة هذه تسمح لكل دولة أن تدخل في إطار الوحدة العربية دون أن تفقد ما يميزها، فالمغرب -على سبيل المثال- بلد عربي إسلامي يتسع لجماعات أخرى مثل الجماعات الأمازيغية، والعراق بلد عربي إسلامي يتسع للسُنة والشيعة والأكراد والتركمان.

"
يجب أن نطرح مفهوما للوحدة غير العضوية فيما أسميه "الوحدة الفضفاضة" التي تفسح المجال أمام كل الجماعات الإثنية والدينية أن تعبر عن هويتها طالما أن هذا التعبير لا يفت في عضد سيادة هذه الدولة
"
وأعتقد أن نموذج مصر نموذج جيد لهذه الوحدة الفضفاضة، فرغم كل الأحداث الأخيرة يظل أقباط مصر لهم عقيدتهم وهويتهم، ويظلون جزءا من المجتمع المصري.

إن فرض مفهوم الوحدة العضوية يؤدي إلى العنف والصراع، أما مفهوم الوحدة الفضفاضة فسيوفر لكل جماعة فضاءها الحضاري الخاص بها، وسيندرج الجميع داخل إطار التشكيل الحضاري العربي. ولعل ما حققته الدول الأوروبية من خلال الاتحاد الأوروبي قد يكون نموذجا نسترشد به.

وقد فشلت مشاريع النهضة العربية في العصر الحديث لأنه، مع الأسف، لا يزال البعض يرى أن جوهر المشروع النهضوي العربي هو التخلي عن هويتنا وتراثنا ثم اللحاق بالغرب، وقد أدى ذلك إلى إسكات حاستنا النقدية في علاقتنا بالغرب، ونكتفي بنقل ما يأتينا من أفكار.

لننظر مثلا موقفنا من الحداثة؟ هناك من السلفيين من يرى ضرورة رفض كل ما يأتينا من الغرب، وهناك الأصوليون العلمانيون الذين يرون ضرورة (وأحيانا حتمية) تبني منظومة الحداثة الغربية، بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وكأننا كائنات متلقية نستوعب كل ما يأتينا من الغرب دون أن نعمل ملكتنا النقدية!

ألا يمكن أن نُخضِع هذه الحداثة الغربية لعملية نقد وتقييم صارمة، فنبين جوانبها المظلمة، ثم نطرح رؤيتنا لحداثة إنسانية إسلامية تضم الجميع، ولا تجعل من تصاعد معدلات الاستهلاك مؤشرا يتيما على التقدم؟

بل فلننظر إلى ما فعلنا مع مدرستين فكريتين مثل البنيوية والتفكيكية. لم يسأل أحد لماذا أصبح الغرب بنيويا معاديا للإنسان؟ لقد تعلمنا قديما الإنسانية من الغرب، فلماذا قرر الغرب فجأة في الستينيات أن يعادي الفكر الإنساني، ويرى أنه ملوث بالميتافيزيقا؟ ماذا حدث لتأتي التفكيكية وتعلن انتهاء المعنى وفشل اللغة وموت المؤلف؟

لقد تحولنا إلى ناقلين، وعندما ينظر أحدنا إلى كتاب نقد أدبي غربي فإنه ينقل ما فيه بأمانة شديدة، ولا يسأل: إلى ماذا سيؤدي هذا المفهوم، وما مغزاه، وما هي المفاهيم الكامنة فيه؟

وقد لوحظ في الآونة الأخيرة استقطاب واسع في الساحة المصرية حول طبيعة هوية مصر، إذ ظهر مرة أخرى دعاة العودة إلى الفرعونية، والذين ينادون بأن "مصر أولا".

وفى تصوري أن هؤلاء لا يفهمون لا حقائق الجغرافيا ولا حقائق التاريخ، ولعلهم لو قرؤوا جمال حمدان لفهموا بعض هذه الحقائق، ولعرفوا أن هم الاستعمار الغربي هو فصل مصر عن الجسد العربي، كي يتهاوى الجميع سويا.

وهذا كان هو هدف معاهدة كامب ديفد. ألا يتم تقسيم العراق والسودان ولبنان ومحاصرة فلسطين، و"مصر أولا" جالسة تراقب، وتلعب دورا ذيليا غير مؤثر، غير مدركة أن كل هذا يهدد أمنها القومي؟

إن مصر (وفلسطين) من أهم البلاد في العالم من الناحية الإستراتيجية، ولكن بنيتهما التحتية السكانية والاقتصادية لا تمكنهما من الدفاع عن نفسيهما.

ولذا حين كانت تحدث نهضة في مصر كان لا بد وأن تدافع عن جناحها الشرقي وتوطد صلتها ببقية العالم العربي، حتى يتحدث الجميع بصوت واحد أو تتحدث مصر باسمهم.

هذا ما فعله الفراعنة، وهذا ما فعله إبراهيم باشا في العصر الحديث، ثم جمال عبد الناصر، ولذا كانت مواجهته مع الاستعمار مواجهة شرسة، انتهت بضربة 67. ثم أطلت الفرعونية و"مصر أولا" برؤوسها تعبيرا عن هذه الهزيمة، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.

يسأل البعض متى تستعيد مصر دورها الثقافي، وهل هذا له علاقة بقضية الهوية؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد أن أوضح أمرين: أولا يجب علينا أن ندرك أن العالم العربي لم يعد كما كان في منتصف القرن الماضي. ففي الخمسينيات كان يوجد مركز قوي وكثيف للثقافة العربية هو القاهرة، وكانت الأطراف ضعيفة.

"
إن عرفنا الهوية يمكن أن نجند الجماهير لتحقيق مشاريعنا نحو التطوير والتنمية والتحديث، لأن الإنسان لا يستجيب للقانون العام وإنما يستجيب لما هو متعين وخاص بوسعه أن يستوعبه ويستبطنه ثم يتحرك في إطاره
"
أما الآن فالأطراف لم تعد ضعيفة إذ توجد مراكز ثقافية عديدة في العالم العربي من أهمها المغرب وسوريا والعراق قبل الاحتلال ولبنان والسعودية.

لقد أقمت في السعودية عدة أعوام وتعرفت على النشاط الثقافي الثري فيها وعلى مجموعة من المثقفين الذين يتمتعون بمستوى عال من المعرفة والإبداع، كما أننا نعرف جميعا الإبداعات الفكرية التي تأتينا من المغرب وتؤثر في كثير من الشباب المصري. كما أنني على علاقة طيبة بكثير من المثقفين والناشرين السوريين وأعرف إسهاماتهم الثرية الكثيرة.

ثانيا يجب أن ندرك أن مصر لن يمكنها أن تستعيد دورها القيادي الثقافي داخل هذا الوضع الجديد في العالم العربي، حيث لا مركز ولا أطراف، أو حيث الأطراف قادرة على الإبداع والإسهام، إلا بعد أن تعرف هويتها، ونحن إن عرفنا هويتنا سيكون بوسعنا أن نعرف أولوياتنا وأن نقرأ ماضينا وحاضرنا، ومن ثم يمكن أن نتحرك نحو المستقبل.

كما أننا إن عرفنا الهوية يمكن أن نجند الجماهير لتحقيق مشاريعنا نحو التطوير والتنمية والتحديث، فالإنسان لا يستجيب للقانون العام، وإنما يستجيب لما هو متعين وخاص، إذ بوسعه أن يستوعبه ويستبطنه ثم يتحرك في إطاره.

إن أي مشروع للتنمية يتطلب قدرا من الإرجاء لإشباع الرغبات حتى يتحقق قدر من التراكم. هذا الإرجاء ممكن في إطار مشروع قومي يتجاوز الفرد واحتياجاته المادية المباشرة وهمومه اليومية الخاصة.

فبوسع الإنسان أن يحرم نفسه من الإشباع المباشر والفوري في إطار مثل أعلى سيحقق له، ولأولاده من بعده، قدرا من السعادة الآجلة. لكي تقود مصر المنطقة العربية لا بد أن تحدد هويتها.

وأنا أتساءل هل مصر بمكوناتها الحالية مرشحة لهذا الدور، أم أننا على مشارف تآكل هذه الهوية؟

وسوف أجيب على كل هذه التساؤلات بصراحة فأقول "أنا متشائم!" لأن التوجه الآن في مصر هو توجه برغماتي عملي، فنحن نحاول أن نجد حلولا لبعض المشاكل الملحة مثل مشكلة الغلاء، أو المواصلات، أو المساكن، أو الميزان التجاري أو العطش، دون أن نضع إستراتيجية عامة، ولا يمكن وضع مثل هذه الإستراتيجية إلا بعد أن نعرف هويتنا ومرجعيتنا النهائية.

وأنا أزعم أن هذا المشروع الحضاري الذي يستند إلى تعريف للهوية غائب عن مصر، لأن الهوية المصرية على المستوى المصري أو العربي أو الإسلامي ستزداد ترهلا وميوعة! والله أعلم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة