عن الانتفاضة الجديدة ومقدماتها وشروط نجاحها   
الاثنين 1431/11/10 هـ - الموافق 18/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:42 (مكة المكرمة)، 13:42 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


يستحق موضوع الانتفاضة الجديدة التي كثر الحديث عنها خلال العامين الماضيين وقفة مختلفة حتى توضع الأمور في نصابها، ويكون الطرح مجديا ويصب في مصلحة القضية.

ونحن هنا لسنا من القائلين بأن الانتفاضة صارت على الأبواب، في ذات الوقت الذي لا ننتمي فيه إلى المثبطين الذين ينشرون اليأس بين الناس، بل نسعى إلى دعوة الجميع إلى تحمل مسؤولياتهم، بحيث يمكن الحديث عن مرحلة جديدة في الصراع مع العدو تشبه انتفاضة الأقصى، في ذات الوقت الذي تتجاوز فيه أخطاءها ويمكنها تبعا لذلك تحقيق أهدافها في المواجهة مع الاحتلال وفرض وقائع جديدة عليه.

"
ما كان لانتفاضة الأقصى أن تستمر كل ذلك الوقت بعد اندلاعها ردا على واقع السلطة والمفاوضات وممارسات الاحتلال لولا تسامح السلطة معها!
"
ما ينبغي أن يقال ابتداءً هو أن انتفاضة الأقصى ما كان لها أن تستمر كل ذلك الوقت بعد اندلاعها ردا على واقع السلطة والمفاوضات وممارسات الاحتلال لولا تسامح السلطة معها، حيث أمل ياسر عرفات في تحسين شروط التفاوض مع الاحتلال بعدما تأكد من بؤس ما يعرضونه عليه، لكن وقوف أطراف داخل فتح والسلطة ضدها (ضد الانتفاضة)، إضافة إلى تواطؤ بعض الأطراف العربية، فضلا عن الدعم الأميركي والغربي ما لبث، إضافة إلى أخطاء أخرى، أن مكّن الاحتلال من السيطرة على الوضع بعد اجتياح الضفة، ومن ثم قتل كبار القادة من الشيخ أحمد ياسين إلى عبد العزيز الرنتيسي وبعدهما ياسر عرفات نفسه، ولتسقط حركة فتح بعد ذلك في يد الفريق الذي سخّف المقاومة وأعلن رفضها على الملأ.

لا شك أن عدم حسم قيادة السلطة ذاتها (عرفات تحديدا) لخيار المقاومة وطرحه مشروعا واضحا لها لا يقبل المساومة كما فعل حزب الله، فضلا عن ممارسات "الزعرنة" التي دأبت عليها عناصر في فتح، قد ساهمت بدورها في تخريب الموقف وتحويل الانتفاضة إلى عبء على الناس، تماما كما حصل مع الانتفاضة الأولى نهاية العام 87.

الآن تتركز المشكلة (مشكلة تغييب خيار الانتفاضة والمقاومة) في سيطرة فريق عباس، ليس على السلطة فحسب، بل على منظمة التحرير وحركة فتح أيضا. وعندما تقف هذه الأخيرة بكل قوتها في الضفة الغربية إلى جانب خيارات السلطة مهما كانت، فسيكون من الصعب الحديث عن انتفاضة جديدة، فضلا عن الأبعاد الأخرى العربية والدولية، والتي تقف جميعا ضد خيار من هذا النوع.

ما لا يقل أهمية عن ذلك هو واقع قوى المقاومة، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، فقد تعرضت هذه الأخيرة إلى حملة استئصال خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة أدت إلى شطب جميع خلاياها المسلحة، وهي حملة شاركت فيها السلطة بكل قوة، حيث يشير تقرير مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، لمراسلها في الأرض المحتلة بعنوان "رجل أميركا في فلسطين" لمراسلها المعروف "ناثان ثرال" إلى أن القوات الإسرائيلية الفلسطينية قامت بتنفيذ 1297 عملية أمنية مشتركة ضد المقاومة الفلسطينية خلال عام 2009 فقط، بزيادة 72% عن العام الذي سبقه.

"
تمكنت حماس من تنفيذ عدد من العمليات النوعية منذ يونيو/ حزيران الماضي، غير أن ذلك لم يكن سوى نتاج إصرار كبير من طرف الحركة دفعت ثمنه باهظا إلى حد كبير
"
صحيح أن حماس قد تمكنت من تنفيذ عدد من العمليات النوعية منذ يونيو/ حزيران الماضي، غير أن ذلك لم يكن سوى نتاج إصرار كبير من طرف الحركة دفعت ثمنه باهظا إلى حد كبير، فيما لا يمكن القول إن ما جرى يعد كافيا لكي يكون الاحتلال مكلفا بالفعل.

ما ينبغي أن يقال هنا هو أن استهداف المقاومة لم يتوقف عند حدود رجالها، بل تجاوزهم إلى الحاضنة الشعبية، وعندما يحكم على عبد الفتاح شريم بالسجن 12 عاما في سجون السلطة، وتعتقل زوجته وتعذب لشهور لأنه آوى ثلاثة من مجاهدي القسام في قلقيلية، والذي قتلتهم قوات السلطة، فهذا يؤكد أن مسألة الاستهداف للمقاومة تبدو أكثر قوة وعمقا مما تشير إليه الاعتقالات اليومية لعناصر حماس والجهاد، فضلا عن استهداف سائر المؤسسات الحاضنة لفكرة المقاومة، وفي مقدمتها المساجد والجامعات، وكل ذلك عبر "الفلسطيني الجديد" الذي صاغه الجنرال دايتون، والذي يدرك منذ البداية حقيقة المهمة الموكلة إليه.

صحيح أن الانتفاضة تبدأ شعبية ثم تلتحق بها الفصائل كما وقع في انتفاضة الأقصى، إلا أن تواصل الفعل المقاوم بكل أشكاله لا يمكن أن يتم من دون مشاركة حقيقية من قبل جميع الفصائل، بخاصة الفاعلة منها، وعندما تكون هذه جميعا في وضع متعب بسبب مسلسل الاستهداف البشع، بينما تكون واحدة من أهمها (فتح) ضد ذلك الفعل، فإن الموقف سيكون بالغ الصعوبة، فكيف حين تذهب هذه الأخيرة أبعد من ذلك بإعلان عزمها على التصدي لكل من يفكر في حمل السلاح، بل حتى من يفكر في المقاومة السلمية باستثناء طقوس أسبوعية تباع على أنها مقاومة سلمية هنا وهناك، مع الاحترام لمن يشاركون فيها ونواياهم أو نوايا بعضهم.

من المفيد الإشارة هنا في سياق الحديث عن البعد الشعبي إلى عمليات إعادة تشكيل الوعي في الضفة الغربية عبر التركيز على النمو الاقتصادي والاهتمام بالمصالح الشخصية، لكن ذلك لن يكون قادرا برأينا على شطب إرادة الشعب الفلسطيني، وإن تمكن من تغيير وعي بعض القابلين للبيع والشراء.

على أن ما يمكن أن يقلب الطاولة في وجه كل هذه الإجراءات هو الردود الإسرائيلية التقليدية على سائر التنازلات الفلسطينية، وفي مقدمتها التنسيق الأمني واستهداف المقاومة، سواءً كانت ردودا تتعلق بالاستيطان وتهويد القدس، أم كانت فضحا لحقيقة المشروع الذي يتحرك على الأرض، والمتمثل في السلام الاقتصادي أو الدولة المؤقتة ضمن حدود الجدار، والتي تحول النزاع إلى نزاع حدودي، وبالطبع عبر تأجيل القضايا الأهم في الصراع وفي مقدمتها قضية القدس واللاجئين.

لمواجهة هذا الوضع، ومن أجل التمهيد لانتفاضة جديدة مؤثرة وقادرة على تحقيق الإنجازات للشعب الفلسطيني، فإن المسار الوحيد المتاح هو الانقلاب على معادلة السلطة تحت الاحتلال (الأكذوبة بحسب تعبير عباس)، والمصممة لخدمته وتخليصه من الأعباء الأمنية والاقتصادية والسياسية، ورفض مشروع المصالحة المرتبط بهذا المسار.

وهنا يمكن لحماس والجهاد ومن معهما ومن وافق على المشروع أن يقلبوا الطاولة في وجه الجميع عبر طرح إدارة بالتوافق لقطاع غزة بوصفه منطقة شبه محررة، بينما تعلن انتفاضة حتى دحر الاحتلال من دون قيد أو شرط عن كل الأراضي المحتلة عام 67، وهو هدف ممكن التحقق، ولا يقيد الشعب الفلسطيني بأية تعهدات تهدد حقه فيما تبقى من أرضه وحقوقه، وسيكون بالطبع مقدمة لتفكيك المشروع الصهيوني برمته.

"
المقاومة هي الخيار المتاح أمام الشعب الفلسطيني، أما استمرار الحديث عن مصالحة على قاعدة الورقة المصرية فهو كلام سقيم لا يستبطن إلا موقفا سلبيا من حماس على حساب مصالح الشعب الفلسطيني
"

إنه شعار قابل للتوافق وقابل للتحقيق أيضا، فيما يمكن للجماهير العربية أن تفرض على أنظمتها نمطا خاصا من التعامل مع ثورة الشعب الفلسطيني بما يوفر لها الإسناد والدعم، بل إن دعمها سيكون خيارا لكثير من الأحرار على امتداد العالم. وهنا يمكن التوافق أيضا على أشكال المقاومة إذا كان هناك ما يمكن أن يتسبب في بعض الإشكالات السياسية.

هذا هو الخيار المتاح أمام الشعب الفلسطيني، أما استمرار الحديث عن مصالحة على قاعدة الورقة المصرية التي لا عنوان لها سوى الانتخابات المصممة لوضع الجميع في معسكر رفض المقاومة، كما يدعو بعض قادة فصائل اليسار، فهو كلام سقيم لا يستبطن إلا موقفا سلبيا من حماس على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، لأن سائر العقلاء يدركون أن المصالحة المطروحة هي محض جر للجميع إلى مربع السلطة تحت الاحتلال (دولة الأمر الواقع بحسب فياض)، والقبول باستحقاقاتها وليس شيئا آخر، وهو أمر فصلنا فيه مرارا في مقالات شتى نشرت في هذا الموقع وسواه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة