السنة في لبنان وانتخابات المجلس النيابي القادمة   
الاثنين 1427/1/15 هـ - الموافق 13/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:04 (مكة المكرمة)، 9:04 (غرينتش)


محسن صالح

 

- تقاطعات الطائفة والسياسة والمصلحة

- الخارطة السنيّة

- بروز الحريري وتيار المستقبل

- المشهد الحالي

 

سلّطت عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري البشعة والاهتزازات السياسية العنيفة التي تلتها الأضواء على الساحة اللبنانية، وأحدثت تساؤلات عن مستقبل القيادة السنية والدور السني في لبنان.

 

لكن الحريري كان على أي حال، ثالث رئيس وزراء لبناني يتم اغتياله بعد اغتيال بطل الاستقلال اللبناني رياض الصلح سنة 1951 ورشيد كرامي سنة 1987. ومن المعروف أن كل رؤساء الوزارة في لبنان من السنة، حسب النظام السياسي الطائفي.

 

السُنة في لبنان هم الطائفة الأكثر عدداً من بين 18 طائفة دينية معترفا بها. وسيكون لديهم حسب قوائم وزارة الداخلية اللبنانية نهاية مارس/آذار 2005 ما مجموعه 795 ألف ناخب يمثلون 26.44% من مجموع الناخبين البالغ نحو ثلاثة ملايين وعشرة آلاف ناخب.

 

"
مهما كان عدد السنة أو وزنهم الانتخابي فإنهم لن يحصلوا إلا على 27 مقعداً من أصل 128 هي مجموع مقاعد البرلمان، وذلك وفق التوزيع الطائفي السياسي الذي اعتمده اتفاق الطائف
"
ومهما كان عدد السنة أو وزنهم الانتخابي فإنهم لن يحصلوا إلا على 27 مقعداً من أصل 128 هي مجموع مقاعد البرلمان، وذلك وفق التوزيع الطائفي السياسي الذي اعتمده اتفاق الطائف سنة 1989 وانتهت على أساسه الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاماً.

 

أما الشيعة فسيكون لديهم 784 ألف ناخب يمثلون 26.06% من الناخبين وسيكون لديهم 27 مقعداً أيضاً. وفي المقابل مثلاً، سيحصل أبناء الطائفة المارونية (الذين يتبعون الكنيسة الكاثوليكية) على 34 مقعداً في البرلمان، رغم أن ناخبيهم أقل من ناخبي السنة بنحو 127 ألفاً (نحو 668 ألف ناخب يمثلون 22.19% من الناخبين) ويأتي الأرثوذكس رابعاً من حيث الوزن الطائفي، إذ أن لديهم نحو 236 ألف ناخب (7.86%) وحصتهم 14 مقعداً، ويتبعهم خامساً الدروز ولهم 169 ألف ناخب ( 5.63%) وثمانية مقاعد. (انظر الجدول المرفق) .

 

وهكذا، فإن متوسط التمثيل العددي لكل مقعد يختلف من طائفة لأخرى، فمثلاً كل نائب سني يمثل ما معدله 29453 ناخباً من أبناء طائفته، بينما يمثل كل نائب ماروني 19693 ناخباً مارونياً. والهدف هو تجاوز الأكثرية العددية التي يتمتع بها الناخبون المسلمون (59% مقابل 41%) للوصول إلى مجلس نيابي يتناصف مقاعده المسلمون والمسيحيون.

 

في لبنان تعرف كل طائفة نصيبها من المقاعد قبل أن تدخل الانتخابات، ولكن من حق اللبناني أن ينتخب كل ممثلي المقاعد من كل الطوائف في دائرته الانتخابية، وهذا يشجع التحالفات الميدانية بين القوى المختلفة حسب كل دائرة.

 

وهناك أيضا 69 حزباً سياسياً، لكن الأحزاب الكبرى فيها تستند أساساً إلى قواعد طائفية. فحزب الله وأمل يستندان إلى القاعدة الشيعية، والحزب التقدمي الاشتراكي يستند إلى القاعدة الدرزية، وأحزاب الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ تستند إلى القاعدة المسيحية، كما يستند تيار المستقبل الذي كان يرأسه رفيق الحريري والجماعة الإسلامية إلى القاعدة السنّية... وهكذا.

 

ورغم أن اتفاق الطائف نصّ على السعي لإلغاء الطائفية السياسية، فإنه لم تُتخذ أية إجراءات جدية في هذا المجال حتى الآن.

 

* جدول التوزيع الطائفي للناخبين اللبنانيين لسنة 2005 ونسبتهم ونصيبهم من مقاعد البرلمان ومتوسط عدد من يمثل كل مقعد لكل طائفة

 

الطائفة

العدد

النسبة %

المقاعد

متوسط التمثيل

سنة

795233

26.44

27

29453

شيعة

783903

26.06

27

29033

دروز

169293

5.63

8

21162

علويون

23696

0.79

2

11848

موارنة

667556

22.19

34

19693

أرثوذكس

236406

7.86

14

16886

كاثوليك

156521

5.2

8

19565

أرمن أرثوذكس

90675

3.01

5

18135

أرمن كاثوليك

20217

0.67

1

20217

إنجيليون

17409

0.58

1

17407

أقليات

47018

1.56

1

47078

إجمالي

3007927

100

128

-

 

 

ظلّ لبنان يعاني في تاريخه الحديث والمعاصر من أربع إشكاليات:

1- تركيبته الطائفية المتنوعة التي لا تُعطي أغلبية مطلقة لطائفة على أخرى.

2-  بنية النظام السياسية التي استجابت للمعايير الطائفية.

3- انعكاسات التقاطعات الإقليمية على ساحته بما في ذلك قضية وجود اللاجئين الفلسطينيين (السنّة) على ساحته والصراع مع الكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى الدور السوري.

4- البُعد الدولي وخصوصاً التدخلات الفرنسية والأميركية.

 

وبذلك وجد اللبنانيون أنفسهم ينوؤون بأثقال وتشابكات كثيرة ويدفعون أثمان تصفية الحسابات على أرضهم بين القوى المختلفة.

 

وقد وضع هذا كله الطائفة السنية أمام خيارات صعبة، جعلتهم يختارون أحياناً بين ما هو سيئ وما هو أسوأ، لكن بوصلتهم الوطنية العربية الإسلامية ظلت هي الموجه العام لحركتهم.

 

الخارطة السنيّة

في الساحة السنيّة لعب نفوذ العائلات التقليدية في البداية الدور الأكبر في قيادتها، فبرزت عائلات الصلح وسلام وكرامي، غير أنه مع الزمن برز تياران آخران مؤثران هما تيار دار الفتوى الذي كان له تأثيره القوي خصوصاً تحت قيادة المفتي حسن خالد لكنه ما لبث أن ضعف باغتياله سنة 1989، والتيارات الإسلامية الحركية وأبرز قواها الجماعة الإسلامية التي تنتمي إلى مدرسة الإخوان المسلمين وهي الأكثر تنظيماً ولها حضورها في معظم المناطق اللبنانية، بالإضافة إلى حركة التوحيد التي تتركز في طرابلس وحزب التحرير والتيار السلفي، فضلاً عن جماعة الأحباش التي ظهرت بقوة في العقد الأخير من القرن العشرين.

 

وفي مقابل استفادة مسيحيي لبنان من دعم فرنسا وأميركا، استفاد السنّة منذ منتصف الخمسينيات وحتى 1970 من الدعم المصري بقيادة جمال عبد الناصر.

 

وخلال الفترة 1970–1982 استفادوا من الوجود الفلسطيني المسلح، ومن دعم حركة فتح خصوصاً لتنظيم "المرابطون" بزعامة ابراهيم قليلات في بيروت، ولحركة التوحيد بزعامة سعيد شعبان في طرابلس.

 

لكن هاتين الحركتين ما لبثتا أن ضُربتا منتصف الثمانينيات، ولم يُسمح للقوى السنيّة بعد ذلك بأن تمثّل حالة عسكرية فعالة، في الوقت الذي غُضّ فيه الطّرف عن تشكّل "كانتونات" لقوى من طوائف أخرى.

 

"
يظهر أن للجماعة الإسلامية فرصا جيدة للحصول على مقاعد في الشمال والبقاع الغربي، لكنها بحاجة إلى الدخول في تحالفات مع قوى مختلفة لضمان بعض المواقع
"
بروز الحريري وتيار المستقبل

قدّم رفيق الحريري نموذجاً جديداً للواقع السنّي منذ بداية تسعينيات القرن العشرين. ولم تكن عائلة الحريري من العائلات التي تتولى القيادة التقليدية للسنّة. ولكن الحريري رجل الأعمال الثري الذي كان يملك نحو أربعة مليارات دولار، والذي تميز بديناميكية عالية وعلاقات واسعة وكاريزما شخصية كبيرة، تمكّن من البروز بسرعة كأقوى شخصية سنيّة لبنانية فتولى رئاسة الوزراء في الفترة 1992– 1998 والفترة 2000–2004، وتمكّن من إعادة ترتيب أجزاء كبيرة من البيت السنّي تحت قيادته وقيادة "تيار المستقبل".

 

وتمكّن الحريري أن يضمّ إلى تياره وتحالفاته شخصيات من طوائف أخرى، لكن قاعدته السنيّة ظلت أساس تحركه.

 

وقد كان انتصاره مدوّياً في انتخابات سنة 2000، إذ فازت كتلته "كتلة قرار بيروت" بكامل المقاعد التسعة عشر عن منطقة بيروت، وتمكنت مرشحته غنوة جلّول (وهي شخصية غير معروفة في ذلك الوقت) من هزيمة رئيس الوزراء السابق سليم الحصّ، والحصول على ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها.

 

وتراجع نفوذ العائلات التقليدية لصالح تيار الحريري. وحتى القوى الحركية السنيّة تراجعت لصالح تيار الحريري، ففي الوقت الذي فازت فيه الجماعة الإسلامية بثلاثة مقاعد في انتخابات 1992 لم تفز إلا بمقعد واحد سنة 1996، بينما لم تحصل على أي مقعد سنة 2000.

 

المشهد الحالي

شكّل اغتيال رفيق الحريري يوم 14 فبراير/شباط الماضي ضربة قاسية للساحة السنيّة وللبنان بشكل عام، وقد أدخل الساحة السنيّة واللبنانية في حالات مخاض وحسابات جديدة، كان أولُّها تراجع وضمور النفوذ السوري الذي كان دائماً عاملاً حاسماً في الانتخابات اللبنانية، طوال الدورات الانتخابية الثلاث الماضية.

 

وكان ثانيها ازدياد تأثير النفوذ الفرنسي والأميركي في الحسابات الانتخابية، وثالثها عودة قوى مسيحية لبنانية للظهور بشكلٍ قوي مثل التيار الوطني الحرّ بقيادة ميشيل عون الذي عاد إلى لبنان من منفاه في فرنسا، أما رابعها فهو شعور اللبنانيين بحرية أكبر، وبوجود فرصة مناسبة لإجراء انتخابات حقيقية شفافة.

 

ورغم اغتيال الحريري فإن تياره لم يتشرذم، ولا يزال يتمتع بتعاطفٍ واسع، خصوصاً وأن جريمة اغتياله وبشاعتها كانت جرحاً للكرامة اللبنانية.

 

ومن المتوقع لهذا التيار أن يحقق انتصارات مهمة حتى بغياب الحريري نفسه، خصوصاً وأن ابنه سعد الدين قرّر متابعة مسيرة والده، إلى جانب بهية الحريري أخت رفيق التي يكاد يكون مقعدها مضموناً عن منطقة صيدا، فضلاً عن وجود شخصيات مقربة منتمية لهذا التيار أمثال سليم دياب في بيروت، وأحمد فتفت وسمير الجسر في الشمال، ومحمد الحجار في الشوف، وغيرهم.

 

كما يظهر أن للجماعة الإسلامية فرصا جيدة للحصول على مقاعد في الشمال والبقاع الغربي، لكنها بحاجة إلى الدخول في تحالفات مع قوى مختلفة لضمان بعض المواقع. ولا تزال هناك فرص لا بأس بها لفوز بعض العائلات التقليدية مثل آل كرامي في طرابلس، وآل سعد في صيدا، ولكن يظهر أن من يريد الفوز بأي مقعد في بيروت عليه أن يتعاون أو يتفاهم مع تيار المستقبل الذي يقوده آل الحريري.

 

وإذا ما سارت الانتخابات وفق قانون انتخابات سنة 2000 أي وفق نظام المحافظة، فإن الثقل الأساسي للسنة سيكون في منطقتين هما الشمال وبيروت.

 

وحسب الجدول الرسمي الذي نشرته جريدة السفير، فإن الناخبين السنّة يمثلون نحو 52% من ناخبي الشمال و43% من ناخبي بيروت، ولديهم وجود لا بأس به في البقاع بنحو 24%، أما في الجنوب فنسبة ناخبيهم هي 11.6% فقط، وحضورهم الأقل هو في جبل لبنان بنحو 8.2% من الناخبين. وفي الشمال يلعب الموارنة (27.5% ولديهم 9 مقاعد) والأرثوذكس (15% ولديهم 6 مقاعد) دوراً كبيراً ومرجحاً في اللعبة الانتخابية.

 

"
قد لا تحمل الانتخابات اللبنانية في الإطار السنّي مفاجآت كبيرة، حيث يتوقع المحللون انتصارات واضحة لتيارات المعارضة لدى السنة والعديد من الطوائف الأخرى
"
ورغم أن السنة هم أغلبية أهل الشمال فإن نصيبهم من المقاعد سيكون 11 من أصل 28 مقعداً، وفي بيروت سيكون نصيبهم 6 فقط من أصل 19 مقعداً، لكن سيكون لهم دور أساسي في لعبة الترجيحات حيث لا يوجد تركيز قوي للطوائف الأخرى.

 

أما في الجنوب والبقاع فإن الشيعة هم اللاعب الأكبر في الانتخابات إذ يمثلون نحو 69% من ناخبي الجنوب و41.4% من ناخبي البقاع، ولذلك يعتمد الوضع بشكل أساسي على التحالفات التي تعقدها القوى السنية مع حزب الله وحركة أمل.

 

وسيحصل السنة على خمسة مقاعد في البقاع وثلاثة في الجنوب. ويبقى الجبل هو الحلقة الأضعف في الوجود السنّي الذي سيحصل على اثنين من أصل 35 مقعداً، حيث يتركز الوجود السنّي في إقليم الخروب، وعليه أن يرتب تحالفاته خصوصاً مع القوى الدرزية بزعامة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي يتمتع بنفوذ حاسم في الشوف.

 

وقد لا تحمل الانتخابات اللبنانية في الإطار السنّي مفاجآت كبيرة، حيث يتوقع المحللون انتصارات واضحة لتيارات المعارضة لدى السنة والعديد من الطوائف الأخرى.

 _____________

كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة