الاغتيالات في لبنان.. مؤشرات لمرحلة جديدة؟!   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم: ميخائيل معوض*

-اغتيالات شاملة واتهامات إقليمية ودولية
-مرحلة أمنية سياسية واجتماعية مختلفة
-الدلالات السياسية للاغتيالات
-نذر تصاعد الاختراقات الأمنية

لم تفلح تبريرات الحكومة اللبنانية بوصفها حوادث اغتيال جهاد جبريل والمهندس عيراني، وحبيقة بأنها مجرد أحداث عابرة تحصل في أكثر البلاد أمنا واستقرارا، ولم يفد تصريح نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام، ولا الشهادات الدولية في تصريح رئيس الإنتربول، والمبعوث الأوروبي، وظل المواطنون والمهتمون في حال من الشك والريبة، بل أثارت السلطة شكوكا عندما لم يظهر عليها اهتمام جدي بالتعامل مع الأحداث الأمنية، وعجزت عن كشف الملابسات والجهات المتورطة.

سعت المعارضة السياسية، بأطيافها المختلفة، إلى استثمار الأحداث الأمنية، في تعزيز برامجها وشعاراتها السياسية وحركتها وتنظيم نفسها وجهدها، وتشديد الهجوم على الأجهزة الأمنية والدعوة لعزل مسؤوليها واتهام السلطة وعلى رأسها الرئيس لحود وخياراته السياسية والوطنية، كما لم تخف الأوساط الإعلامية والسياسية نظرتها بأن هزة بقوة 5.5 درجات بمقياس الزلازل الأمنية قد ضربت لبنان، وهو ما يؤشر إلى وقوع البلاد على خط الزلازل الأمنية المتحركة وربما العاصفة.

اغتيالات شاملة واتهامات إقليمية ودولية


بسبب طبيعة هذه العمليات ونجاحاتها البينة في تضليل التحقيق والأجهزة وتموية الأعمال وعجز السلطات عن كشف خيوط جدية يصبح القول بأن قرارا كبيرا قد اتخذ وبدأت عملية تنفيذه قولا صحيحا
السي. آي. أيه والموساد والأردن

جاء تصريح أحمد جبريل باتهام المخابرات الأردنية بالتعاون مع المخابرات الإسرائيلية والأميركية في عملية اغتيال جهاد، وما قاله السيد/ حسن نصر الله عن أدوار عملية حاسمة كان يتولاها جهاد جبريل في مساعدة الانتفاضة وإطلاق معتقلي حزب الله من السجون الأردنية، بعد تأخير غير مبرر، لتشكل معادلات هامة وألغازا ربما تكون على علاقة بالأحداث الأمنية الأخيرة وتضيف المزيد من الاتهام والتساؤلات.

من المؤكد أن الجهات التي قامت بالاغتيالات نجحت بتوجيه ضربات قوية، لأمن المقاومة، والأمن السوري واللبناني وحققت إنجازات بعد أن فشلت العديد من محاولاتها.

عيراني وحبيقة.. الدلالات
وقد زاد في طين الهزة الأمنية بلة، أن تم كشف جثة المغدور المسؤول في القوات اللبنانية المنحلة المهندس عيراني بنفس اليوم الذي وقعت فيه عملية اغتيال جبريل في منطقة كراكاس، ليسجل أن أخطر العمليات الأمنية تمت في المنطقة الأمنية المحصنة، وبإزاء عناصر محمية أمنيا أو هكذا يفترض، وتكون الجهات والأطراف الساعية إلى العبث بالأمن اللبناني قد نجحت نجاحا أمنيا بارزا حسب كل المقاييس.

اغتيال جهاد جبريل نجل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد جبريل
اغتيل حبيقة المسؤول السياسي ورجل الأمن المشهود له في المربع الأمني الذهبي، في عملية متقنة وفي ظروف سياسية وشخصية استثنائية لأهمية دوره في محاكمة شارون وكشف ملابسات مجزرة صبرا وشاتيلا، على نفس القاعدة يعتبر اغتيال جبريل، في دائرة من المفترض أنها محمية أمنيا والمفترض أنه شخصيا تحت الحماية الذاتية والحركية والأمن الرسمي وأمن المقاومة وسورية، وكذلك شأن عيراني.

جهات محترفة
هذه الحوادث تشير بوضوح قاطع إلى أن الجهة أو الجهات التي نفذتها، محترفة تملك تقنيات هامة، وحرية الحركة والرصد والمتابعة والعمل في شتى الظروف وفي أكثر المناطق خطورة أمنيا، وبازاء أكثر الأشخاص حرصا ومعرفة وتدريبا أمنيا، وبالتالي فهي متمكنة ولها شبكات آمنة، وقادرة على الضرب حيث ترغب وفي التوقيت السياسي والأمني الذي يناسبها وقد اتخذت قرار الشروع بالعمل الميداني.

هل النجاحات مجرد نجاحات عابرة لأجهزة تستهدف لبنان وأطراف لبنانية وفلسطينية وهل صحيح أن حادثة عيراني هي شخصية أو مشابه؟؟.

مرحلة أمنية سياسية واجتماعية مختلفة

تشييع جثمان رمزي عيراني
يجمع أصحاب الخبرة والمعرفة الأمنية والسياسية، أن تلك الأعمال تصنف في خانة التأسيس لمرحلة أمنية سياسية اجتماعية مختلفة، فبالإضافة لاغتيال حبيقة وجبريل وعيراني والغياب المفاجئ والمثير للنائب السابق جان غانم وهو الشخصية الثانية في بنية مجموعة حبيقة (حزب الوعد) قبل أيام من اغتيال حبيقة، وما أثير حولها من روايات حول اقتحام مكتبه والسطو على الوثائق والعبث بمحتوياته، ومن ثم اغتيال الشخصية الملتبسة والأساسية في مجموعة حبيقة الممول مايك نصار في البرازيل، إلى وقوع عدد كبير من عمليات السطو المسلح، في الشمال والجنوب وبعض مناطق بيروت تجرؤ مجموعات من المطلوبين للسلطات الأمنية والقضائية على الاشتباك المسلح مع قوى الأمن، كلها على استهداف الأمن اللبناني، من جهات منظمة تعرف ما تريد.

الاهتزاز الأمني.. حقيقة
فالاهتزاز الأمني في لبنان حقيقة معاشة:

  • فهي المرة الأولى التي يجري فيها الاغتيال بسيارات مفخخة منذ سنوات عديدة.
  • وهي المرة الأولى التي تجري فيها عملية خطف وتصفية منذ نهاية الحرب الأهلية.
  • وهي المرة الأولى التي يتم فيها اغتيال قادة وكوادر عسكرية على علاقة بالصراع العربي الصهيوني منذ تحرير الجنوب.

وبسبب طبيعة هذه العمليات ونجاحاتها البينة في تضليل التحقيق والأجهزة وتموية الأعمال وعجز السلطات حتى اللحظة عن كشف خيوط جدية يصبح القول بأن قرارا كبيرا قد اتخذ وبدأت عملية تنفيذه قولا صحيحا مدعما بالوقائع ويستند إلى قراءة الأوضاع والظروف والبيئة لاحتضان هذا النمط من الأعمال.

الدلالات السياسية للاغتيالات

حملة تشهير
تصفية حبيقة لم تكن صاعقة في سماء صافية فقد جرت عملية تشهير منظمة بالرجل وتاريخه وطبيعته ومسلكة الشخصي، وأدت الحملة إلى تجريده من حصانته النيابية والرسمية وتركته مكشوفا للتصفية الجسدية، ونجحت الجهات التي استهدفته بصفيته وتصفية مجموعته السياسية والأمنية.


في حالتي حبيقة وجبريل جرت عملية تحضير كلاسيكية، معروفة للمشتغلين في الحقل العسكري والأمني والسياسي، وأصابع الاتهام تشير إلى جهات بعينها على علاقة بالصراع العربي الصهيوني وما يسمى بالحرب على الإرهاب
الصراع العربي الصهيوني
والشأن نفسه بالنسبة لجهاد جبريل، فقد سطلت حملة إعلامية على الجبهة الشعبية القيادة العامة وصنفت بين القوى الإرهابية وجمدت أموالها ومورست ضغوط لإقفال مكاتبها وقواعدها، ففي الحالتين حبيقة وجبريل جرت عملية تحضير كلاسيكية معروفة للمشتغلين في الحقل العسكري والأمني والسياسي، وأصابع الاتهام تشير إلى جهات بعينها على علاقة بالصراع العربي الصهيوني وما يسمى بالحرب على الإرهاب وباستهداف لبنان لأسباب كامنة في دوره في الصراع ودعم الانتفاضة.

عيراني.. الالتباس المحير
أما في حالة عيراني فيظل الالتباس سيد الموقف، مع تعارض الروايات والاشتباه في طريقة الخطف وتوقيته ومكانه ومدته وفي الروايات المتباينة عن موقعه ودوره السياسي، لا سيما أن جورج عبدالمسيح أحد قادة القوات اللبنانية -من مجموعة الجنرال فؤاد مالك الذي انشق عن سمير جعجع قائد القوات المنحلة وصنف كمنحاز لرئيس الجمهورية لحود- أوحى بأن عيراني على خلاف مع التيار المتشدد في القوات.

من ضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا وفي الإطار إيلي حبيقة
عون وواشنطن وإسرائيل

بالتوازي مع ذلك يلفت المهتمون إلى أن شطب جماعة حبيقة وقتل عيراني، والحملة الإعلامية والسياسية المنظمة التي تقوم بها أطراف مسيحية، والإعلان المتكرر للجنرال عون بعد زياراته إلى واشنطن عن ظروف جديدة وتوازنات جديدة في المنطقة إلى تصعيد لغة المعارضة وانتقالها إلى مرحلة الهجوم السياسي السافر والمنظم ضد رئيس الجمهورية وحلفائه في المتن (تيار وزير الداخلية مثلا أكرم) ونجاح المعارضة (المسيحية) في إقفال مناطق وقطاعات واسعة وإعادة ترتيب بيتها الأمني في بناء ما يسمى بالمجتمع المضاد، في الجامعات والمدارس الخاصة والفروع الثانية للجامعة اللبنانية، وفي العديد من الأحياء والبلدات، من شأنه أن يربط بين المعركة السياسية بشعاراتها المتنوعة والواضحة بالتنسيق مع الإدارة الأميركية والإسرائيلية وباستهداف لبنان وسورية والمقاومة والانتفاضة مع الأحداث الأمنية التي تركزت في عملية إزالة وشطب الشخصيات والقوى التي يمكن أن تشكل اختراقات أمنية وسياسية في تلك المناطق والمواقف، وتؤثر على الحملة المنظمة والمشغولة منذ عدة سنوات.

وفي هذا السياق يمكن تصنيف معركة المتن الانتخابية وما يجري فيها من استخدام لكل الوسائل والتحالفات وتفسير عودة عون لأول مرة عن المقاطعة السياسية، والمشاركة الفاعلة في الانتخابات المتنية التي تشكل قاعدة رئيس الجمهورية وما تبقى من فريق مسيحي ينادي بالحوار والعلاقة مع سورية والمقاومة.

نذر تصاعد الاختراقات الأمنية


يلفت المهتمون إلى شطب جماعة حبيقة وقتل عيراني، والحملة الإعلامية والسياسية المنظمة التي تقوم بها أطراف مسيحية، والإعلان المتكرر للجنرال عون بعد زياراته إلى واشنطن عن ظروف جديدة وتوازنات جديدة في المنطقة إلى تصعيد لغة المعارضة وانتقالها إلى مرحلة الهجوم السياسي
مهما كانت الأمور وأيا كانت نتائج التحقيقات فالأحداث الأخيرة تبرهن حقيقة على أن الوضع الأمني اللبناني لم يعد مستقرا، وأن لبنان دخل مرحلة جديدة فيها نذر تصاعد الاختراقات الأمنية وانتقالها من حالة الاستقطاب والاستعداد إلى حالة العمل المباشر والميداني، يساعد في تأكيد هذه الحقيقة أن الظروف اللبنانية في تجلياتها المختلفة تشكل بيئة حاضنة ومؤسسة لانفلات الأمن من عقاله.

الأزمة الاقتصادية الاجتماعية غير المسبوقة في عمقها وآثارها توفر بيئة خصبة لتراجع المنعة الوطنية والأمنية، ولاستمالة الكثير من الأشخاص بسبب الحاجة والفقر أو بسبب اليأس والإحباط.

الأزمة السياسية التي تضرب البلاد، وتشارك فيها قوى وفاعليات ومراكز مذهبية وأطراف في الطبقة السياسية والمناخات التي رافقت وأعقبت الانتخابات النيابية عام 2000، والتكتلات التي شهدتها البلاد والانقسامات السياسية البرنامجية في ما يخص العلاقة مع سورية والمقاومة وسلاحها واستمرارها ومزارع شبعا، والمطالبة بإرسال الجيش إلى الجنوب، والخروج من الصراع العربي الصهيوني، وإثارة الجدل حول السلطة وعدم استقلالها وتناول رئيس الجمهورية ومؤسسة الرئاسة والمجلس النيابي ومشروعياتها الوطنية والاجتماعية والصدامات التي شهدتها الجامعات والشوارع، كل هذه الأمور خلقت بيئة مناسبة لعمل قوى وأجهزة لبنانية أو غير لبنانية، وباتت تتوفر لها فرصة الانتقال من حالة العمل الإعلامي والسياسي الجماهيري إلى مرحلة من العمل الأمني، سيما أن الأجهزة الإسرائيلية لها علاقات قوية موروثة من حقبة شهدت تعاملا لجهات حزبية وعسكرية وأمنية واجتماعية وسياسية ولها اختراقات واسعة في النسيج الاجتماعي والأمني والسياسي للبلاد، ولم تجر عملية تفكيك الشبكات وظلت أطراف وقطاعات تراهن على إسرائيل وإمكانية عودتها إلى اللعبة السياسية والاجتماعية في لبنان.

أشلاء إسرائيلية بعد عملية فدائية وفي الإطار حسن نصر الله وبجانبه المسؤول في حماس عبد العزيز الرنتيسي
ومع تنشيط الإدارة الأميركية وأجهزتها لعلاقاتها ومرتكزاتها في لبنان بعد أن أعلن الرئيس بوش الحرب على القوى الإرهابية والدول الداعمة "حرب متلفزة وأخرى سرية وقذرة" واستهداف الدول والمنظمات المصنفة إرهابية والقيام بأعمال الاغتيالات والتصفيات وافتعال الحروب الأهلية فيها، وبعد أن أطلقت يد الأجهزة الأميركية وأعطيت الضوء الأخضر للعودة إلى سيرتها القديمة المرعبة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وفي سياق التهديدات والوعيد الإسرائيلي المتكرر وعلى ألسنة جميع القادة العسكريين والأمنيين والتلويح الدائم بمسؤولية لبنان وسورية عن أعمال المقاومة الإسلامية التي تصاعدت في الآونة الأخيرة وأثناء عملية السور الواقي، كل هذا يدلل على وجود بيئة مناسبة تم تحضيرها على مهل وبعمل متواتر وأسهمت فيها جهات متنوعة الأطياف والمواقع تحت شعارات تخدم الجهود الإسرائيلية الأميركية التي بدأت عمليا منذ اتخذت إسرائيل قرار الانسحاب من الجنوب اللبناني، ويؤكد أن قرارا اتخذ في أعلى المستويات المؤثرة للشروع بالعمل الأمني في الساحة اللبنانية، والسعي لإعادتها ساحة صراع إقليمي ودولي، ويشكل انعكاسات الصراع العربي الإسرائيلي والحاجة الإسرائيلية وبعض العربية لفتح جبهة جديدة لتنفيس الاحتقانات والتفرغ لمهمة ترتيب الوضع الفلسطيني، وتصاعد الخلافات العربية العربية، واشتداد التناقضات بين القوى الإقليمية والدولية عناصر هامة ومساعدة دافعة بقوة لاضطراب الأمن في لبنان، (يمثل حديث الرئيس الأسد للمحامين العرب مؤشرا صارخا بهذا الاتجاه).

والتناقضات المحتدمة بين أركان الطبقة السياسية والرئاسات بإزاء مختلف القضايا الصغيرة والكبيرة، واستهداف الأجهزة الأمنية في الحملات السياسية، وانشغال بعض قادتها وأجهزتها بقضايا سياسية على حساب المهام الأمنية، أيضا يشكل عناصر مساعدة لانفلات الأمن.

في طبيعة الأحداث الأمنية دلائل لافتة كما في البيئة الإقليمية والدولية عناصر محفزة وفي البيئة اللبنانية عناصر مساعدة، وفي طبيعة السلطة وتداخل الأمني بالسياسي، فرص تلتقطها الأجهزة والقوى المعادية.

كل الظروف والشروط مواتية وتشير إلى أن الأحداث الأمنية الأخيرة ليست عابرة بل هي مؤشرات لمرحلة لبنانية جديدة سمتها الاضطراب الأمني والسياسي والتوترات الاجتماعية، قد تنجح القوى المتربصة بلبنان وأمنه في إحداث اختراقات واسعة وفي إرباك الساحة وإشغالها، لكنها لن تنجح في جرها إلى حرب أهلية جديدة، لعدم توفر إمكانياتها وشروطها وأدواتها.

_______________
*كاتب وباحث لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة