المبادرة العربية للإصلاح.. الطروحات والمتطلبات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ نجيب الغضبان

استبشرنا خيراً فور الإعلان عن المبادرة العربية للإصلاح التي من المفترض أن تعرض على مؤتمر القمة العربية القادم. لكن قراءة متأنية لما رشح عن هذه المبادرة يُظهر أنها لا تتعدى كونها نوعاً من ذر الرماد في العيون، وذلك بمحاولة إقناع المواطن العربي أن حكوماته تمارس -نيابة عنه كما هو الأمر في كل القرارات- التفكير والتحليل في موضوع الإصلاح السياسي والاقتصادي، وبالتالي فقد لا تعدو هذه المبادرة أن تكون رد فعل سمج للمبادرات الأميركية والأوروبية. ولعل هذا ما يفسر فقدان الثقة بهذه المبادرة من قبل المصوتين على استطلاع الجزيرة نت الذي بلغ 89%.


تعكس مبادرة الإصلاح العربية عقلية النخب الحاكمة في محاولاتها الالتفاف على المشكلة، وذلك بالتركيز على بعض الجزئيات والأعراض المرضية للواقع العربي، من دون التطرق لجوهره أو معالجة أسبابه الحقيقية
الحكومات العربية لم تفكر بطرح مبادرة إصلاح لاقتناعها بأن مجمل الأوضاع العربية قد وصل حالة مزرية من الركود السياسي والاقتصادي والتفكك الاجتماعي والتدهور التعليمي والثقافي، ناهيك عن العجز الرسمي الفاضح في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية، واحتلال العراق بذرائع واهية، وجمود العمل العربي المشترك.. لم تكن هذه هي الدوافع بقدر ما كان تخوفها من الطروحات الأميركية والأوروبية الداعية إلى نشر الديمقراطية في المنطقة.

والسؤال هل تخشى الأنظمة العربية التدخل الخارجي في شؤونها، أم أنها تخشى التحول الديمقراطي الحقيقي؟ في اعتقادنا أن النخب الحاكمة العربية تخشى الديمقراطية الحقة أكثر من خشيتها من التدخل الخارجي (وهو أمر واقع لفترة طويلة وبصور شتى). ومرد التخوف من الديمقراطية –ببساطة- أن الأنظمة السياسية في أغلب الأقطار العربية تجسد نقيض الديمقراطية، في استئثار أفرادها بالسلطة والموارد الاقتصادية.

مبادرة الإصلاح تعكس عقلية النخب الحاكمة في محاولاتها الالتفاف على المشكلة، وذلك بالتركيز على بعض الجزئيات والأعراض المرضية للواقع العربي من دون التطرق لجوهره أو معالجة أسبابه الحقيقية.

المعالم الرئيسية لمبادرة الإصلاح العربية -كما نقلتها وسائل الإعلام- لا تعدو كونها خطوطاً عريضة ومحددات، أكثر منها برامج محددة وعملية يمكن قياس وتقييم تقدمها بإطار زمني محدد.

وفيما يلي أهم هذه المحددات:

1. يجب أن يأتي الإصلاح من الداخل وألا يفرض من الخارج (في إشارة إلى مبادرة الشرق الأوسط الكبير).
2. يجب أن تكون عملية الإصلاح تدريجية بحيث لا تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار.
3. يجب أن تخدم عملية الإصلاح المنطقة وليس أعداءها.
4. لابد من إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي حتى تكتمل فرص نجاح عملية الإصلاح السياسي.
5. لابد من مراعاة خصوصية كل بلد عربي، ورفض فكرة النموذج-المقاس الواحد الذي يصلح للجميع.
6. عدم السماح لقوى التطرف الديني بالاستفادة من عملية الإصلاح والانفتاح السياسي.

النقاط الثلاث الأولى في المبادرة العربية تبدو منطقية، حتى أن أغلب القوى السياسية المعارضة في العالم العربي قد عبرت عن رفضها المبدئي لمشاريع الولايات المتحدة الأميركية الساعية إلى "إعادة تشكيل خارطة المنطقة". وذهبت بعض الشخصيات المعارضة في الخارج –كما هو الأمر في الحالة السورية- إلى رفضها القاطع لفكرة العودة إلى دولها على ظهر الدبابة الأميركية.

الإشكالية إذن في النقاط المتبقية، فعند الحديث عن ضرورة بذل جهود لحل الصراع العربي الإسرائيلي، باعتبار أن القمع الإسرائيلي للفلسطينيين هو أحد دوافع التطرف والإرهاب، ففي هذا قدر من الصحة، خاصة عندما يهمل المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير حق الفلسطينيين في الديمقراطية وتقرير المصير.

لكن تفحصاً لهذه النقطة يقود إلى الاعتقاد بأن ما تحاول المبادرة العربية فعله إيجاد مبررات لتأجيل عملية الإصلاح، استناداً إلى تاريخ الأنظمة العربية التي كانت دوماً تنادي بالتضحية بالديمقراطية والحريات الفردية -باعتبارها من الرفاهيات- أمام القضايا المصيرية كالوحدة العربية وتحرير فلسطين وتحقيق التنمية.

وبينما أثبتت الأنظمة العربية وفاءها لفكرة التضحية بالديمقراطية، فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أي من الأهداف الأخرى. وهي اليوم تحاول ربط عملية الإصلاح السياسي بإيجاد حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي معولة على معرفتها بتعقد وصعوبة تحقيق هذا الهدف، في ظل سيطرة اليمين المتطرف في إسرائيل، والدعم الأعمى الذي يحظى به من قبل الإدارة الأميركية. وبما أن الدول العربية ليست في موقع الداعم الفعال للشعب الفلسطيني ونضاله، يصبح مثل هذا الربط من قبيل كلمة الحق التي يراد بها باطل.

أما منطق رفض الديمقراطية "الغربية" باسم الخصوصية العربية أو الخصوصية القطرية، فقد عفا عليه الزمن وأصبح تكراره من مسببات الغثيان. فهل في وقف انتهاكات حقوق الإنسان والاعتقال التعسفي والتعذيب خدش للخصوصية؟ وهل في توسيع المشاركة السياسية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة اعتداء على الخصوصية؟ وهل سيتهدد مصير الخصوصية فيما لو طبق القانون على الجميع بالتساوي، واتخذت إجراءات فعالة لمحاربة الفساد؟ وهل يمثل التنافس الشريف لكل القوى السياسية على أصوات الناخبين تقويضاً للخصوصية؟ إن الاستبداد السياسي الذي تعاني منه كل الدول العربية –بدرجات متفاوتة- هو أكبر طعنة للخصوصية الثقافية والقيم الدينية المتسامحة التي أنشأت حضارة من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية.


تعلم النخب الحاكمة أن القوى الإسلامية هي المعارضة الحقيقية في أغلب الدول العربية، الأمر الذي دفع بأغلب الحكومات العربية إلى وضع عراقيل في عجلة العملية الديمقراطية
وآخر النقاط, فإن الإصلاح السياسي المنشود -كما هو منصوص في المبادرات العربية- محدود بعدم السماح لقوى التزمت والتطرف "بخطف" عملية الانفتاح والإصلاح.

وهنا تتضح نوايا النخب السياسية في عدم رغبتها في إجراء إصلاحات حقيقية. تعلم النخب الحاكمة أن القوى الإسلامية بكل أطيافها، هي المعارضة الحقيقية في أغلب الدول العربية. وكما أثبتت التجارب السابقة فإن أي انتخابات حرة كانت تقود إلى تقدم الإسلاميين، الأمر الذي دفع بأغلب الحكومات العربية إلى وضع عراقيل في عجلة العملية الديمقراطية الخجولة التي كانت قائمة في بعض الدول.

واليوم يستغل الحكام العرب حالة الفزع السائدة دولياً حول موضوع الإرهاب لإرسال رسالة إلى القوى الغربية، بأن البديل لهؤلاء الحكام هم المتطرفون والإرهابيون.

الحديث عن وجود تطرف في المنطقة العربية له ما يدعمه، لكن الأمر الغائب في النقاش الدائر حول التطرف أن كثيراً من الأفكار والحركات المتطرفة هي نتاج الاستبداد السياسي والتهميش الاجتماعي والتفقير الناتج عن سوء إدارة الاقتصاد، والنهب الواسع للموارد، الأمر الذي أفرز جيوشاً من العاطلين المقهورين المهمشين الذين يملكون الاستعدادات لقبول الطروحات المتطرفة.

النقطة الثانية أن التيار الإسلامي في المنطقة العربية مازال معتدلاً في غالبه الأعم، ويؤمن بالتدرج في تحقيق أهدافه الإصلاحية. وهكذا فإن الحديث عن أي عملية إصلاح لا تسمح لهذه القوى بالانضواء داخل العملية السياسية سيجرد هذه العملية من مضمونها.

وإذا كانت هذه طروحات النخب العربية الحاكمة، فما هو المطلوب فعلياً لعملية إصلاح سياسي حقيقي؟ بالنظر إلى الدول الثلاث التي قيل إنها تدعم المبادرة المطروحة وهي مصر والسعودية وسوريا، فمعالم عملية إصلاح جوهري ليست سراً، بل إن كثيراً من عناصرها قد تم طرحه خاصة من المثقفين وقوى المعارضة المسؤولة في الدول الثلاث. خلاصة المطالب الحقيقية تتمثل في إحداث تغييرات دستورية وهيكلية تقود إلى التداول السلمي على السلطة بين القوى الفاعلة وبشكل دوري. وهذا بدوره يتطلب إصلاح المؤسسات السياسية بحيث يتم اختيار المسؤولين التنفيذيين من قبل الشعب، وذلك من خلال انتخابات تنافسية، وهم موضع مساءلة أثناء تواجدهم في موقع صناعة القرار.

ولو شئنا الدخول في نوع من التفاصيل المرتبطة "بخصوصية" كل دولة، فمن المطلوب التعامل مع نوعين من الإشكاليات، أولهما ملح والآخر خطوات على المدى البعيد، حسب الحالات الثلاث:

أولاً- بالنسبة للسعودية فمن المهم الإشارة إلى أن الحكم فيها قد استثمر الكثير في تطوير وتنمية البلاد اقتصادياً، لكن هذه التنمية لم يواكبها تنمية سياسية تتناسب مع درجة التطور والمستوى التعليمي الذي حققه الكثير من السعوديين. ومن هنا فمطالب الإصلاح في المدى القصير يجب أن تركز على إيجاد حل لأعمال العنف والإرهاب التي تتعرض لها المملكة بشكل يتجاوز الحل الأمني.

ويجد المرء في الاقتراحات التي طرحها المثقفون وبعض المعارضين -والتي احتوتها العرائض المختلفة التي يعود البعض منها إلى عام 1992- أفكاراً نيرة ومسؤولة. ومن هذه الأفكار: تحسين ملف حقوق الإنسان، والسماح بتشكيل جمعيات مستقلة لحقوق الإنسان والتشكيلات السياسية (الأحزاب)، ومن ثم الانتقال إلى مجلس شورى منتخب بدلا من مجلس معين.

على المدى البعيد، لابد من أن تتوسع صلاحيات مجلس الشورى ليصبح مجلساً تشريعياً بالمعنى الكامل: أي يصبح الهيئة التشريعية الرئيسية، وأن يكون له الدور الرئيسي في اختيار الوزارة والرقابة عليها. وبكلمة أخرى فإن النموذج الوحيد أمام المملكة في التحول الديمقراطي هو التحول من المملكة المطلقة التقليدية إلى مملكة دستورية.

ومن الطبيعي أن تتفاوض العائلة الحاكمة مع القوى السياسية الفاعلة حول الشكل النهائي لهذه المملكة، وقد يختار بعض أعضائها خوض المعترك الانتخابي كغيرهم، في حين يبقى آخرون رمزاً للدولة ورؤساء تشريفيين لبعض هيئاتها ومؤسساتها.

ثانياً- بالنسبة لمصر، فالمهمة الملحة تتمثل في وقف العمل بقانون الطوارئ كلياً، وتشكيل رأي عام واسع من المؤسسة الحاكمة -خاصة المؤسسة العسكرية- والأحزاب والقوى السياسية الفاعلة لوقف التدهور السياسي المتمثل في خطوات توريث الحكم.


مع انعقاد القمة العربية القادمة هناك فرصة لأن يتصرف القادة العرب بمسؤولية، ويقبلوا بأن شعوبهم قد بلغت سن الرشد لتكون قادرة على اختيار من يمثلها، فالجميع في خندق واحد أمام تزايد موجة التطرف
وعلى المدى البعيد يبقى البرنامج الذي قدمته تسعة أحزاب سياسية وجماعة الإخوان المسلمين -عام 1991- يبقى نقطة انطلاق جيدة لإصلاح النظام السياسي، إذ نص على تعديل الدستور لتبني النظام البرلماني الذي يحدد شكل السلطة التنفيذية من خلال الحزب الفائر بأغلبية المقاعد.

ويفترض هذا الاقتراح إجراء انتخابات حرة ونزيهة، بمراقبة قضائية، وإعطاء كل القوى السياسية حق تشكيل أحزاب، خاصة جماعة الإخوان المسلمين. كما يفترض تغيير طريقة اختيار رئيس الجمهورية، وذلك بجعلها عن طريق الانتخابات الحرة المباشرة من بين قائمة مرشحين، وتحديد مدة الحكم بفترتين رئاسيتين.

ثالثاً- بالنسبة لسوريا، فقد تشكل على مدى الأعوام الثلاثة الماضية إجماع وطني على أولويات التغيير والإصلاح السياسي من قبل لجان إحياء المجتمع المدني، وجماعات حقوق الإنسان، والأحزاب القومية واليسارية والإسلامية، تتلخص في المدى المنظور في: إلغاء المحاكم العرفية، ووقف الاعتقال التعسفي، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، والكشف عن مصير المفقودين وتسوية أوضاعهم القانونية، والسماح بعودة المنفيين السياسيين بضمانات قانونية.

وعلى المدى البعيد فالمطلب الأساسي يتمثل في إطلاق الحريات السياسية، بما فيها الحق في تشكيل الأحزاب، وإنهاء سيطرة حزب البعث على الحياة السياسية والاستئثار بالسلطة، وإقامة حياة سياسية قائمة على التعددية والمنافسة، بما يقود إلى التداول السلمي على السلطة.

وهكذا تبدو الفجوة واسعة بين طروحات المبادرة العربية "الرسمية" وبين المتطلبات الحقيقية لعملية الإصلاح السياسي. وبما أنه من غير المتوقع أن تتخلى النخب الحاكمة عن مواقعها وامتيازاتها طواعية وبسهولة، فمن المفيد أن تتوصل القوى الديمقراطية إلى إيجاد حوافز لهذه النخب للتخلي التدريجي والجزئي عن مواقعها، مع الاحتفاظ بحقها في المنافسة العادلة في المستقبل.

كما قد تتطلب هذه العملية حق كافة القوى السياسية في ممارسة كل أشكال الضغط السلمي لإجبار حكوماتها على تقديم التنازلات. لقد بلغ المجتمع العربي درجة من الوعي يرفض معها خيار الثنائية البغيضة المتمثلة في استمرار الأوضاع السياسية الآسنة أو خيار القوى المتطرفة والحروب الأهلية.

كما أن ثورة المعلومات قد أنهت احتكار النخب الحاكمة للمعلومة، وقربت المسافات بين التجارب الإنسانية، وعمقت مفهوم "القرية الصغيرة" التي يشكل الحي العربي فيها أكثر النماذج السياسية تخلفاً وبدائية.

ومع انعقاد القمة العربية الحالية، هناك فرصة لأن يتصرف القادة العرب بمسؤولية، ويقبلوا بأن شعوبهم قد بلغت سن الرشد لتكون قادرة على اختيار من يمثلها، فالجميع في خندق واحد أمام تزايد موجة التطرف في المنطقة العربية، وتزايد شهية القوى الخارجية لسد الفراغ الناتج عن العجز والفشل الرسمي الشامل.
_______________________
أستاذ العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة آركنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة