مغانم روسيا في الأزمة الأميركية - الأفغانية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

جنديان روسيان فوق دبابة عند الحدود الطاجية الأفغانية

بقلم: الدكتورة منى الخميسي

- الاتجاهات الروسية في تحليل الحدث
- التحديات الناشئة لروسيا
- المغانم الروسية المتوقعة

رسمت تفجيرات واشنطن ونيويورك آخر ملامح "عدو" النظام العالمي الجديد وقدمته في صورته النهائية: العرب والمسلمون، كانت هذه أهم نتيجة أسفرت عنها العمليات التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الماضي ومع وضع آخر رتوش ملامح العدو، انتهت في نفس اللحظة العملية التي استغرقت عشر سنوات بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وهي حسم سلطة السادة على العالم الذين سوف يتصدون لهذا العدو الولايات المتحدة.

مع هذا الوضع الدولي الجديد كان على روسيا تحديد موقفها إما الالتحاق بصفوف الأعداء الذين سيتم دكهم بالصواريخ عاجلا أم آجلا وإما الانضمام إلى ركب السادة حتى لو كان في المؤخرة وقد فضلت موسكو الإمكانية الثانية.

الاتجاهات الروسية في تحليل الحدث

بوتين وبلير.. تحالف دولي ضد الإرهاب
عالمنا إذن أصبح عالمين والحضارة الإنسانية انشقت إلى حضارتين لذلك لم تكن مصادفة أن يتعمد الرئيس بوتين في أول كلمة ألقاها فور وقوع التفجيرات ذكر عبارة "العالم المتحضر"، وأن روسيا تنضم في تعازيها للولايات المتحدة إلى هذا العالم، بذلك اعترف بوتين بالعدو الجديد وأيضا بسلطة السادة الجدد، مسلما بموقع روسيا في الظل.


إن قضية الانفصام الحضاري يجب أن تخرج من دوائر الأكاديميين والمنظرين إلى ساحة القرارات العملية

ميخائيل مارجيلوف

وقد لخص المنظر نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية بالمجلس الأعلى للبرلمان الروسي ميخائيل مارجيلوف توجهات القيادة الروسية قائلاً: إن قضية الانفصام الحضاري يجب أن تخرج من دوائر الأكاديميين والمنظرين إلى ساحة القرارات العملية".. بينما حذر زوغانوف زعيم الجبهة الوطنية والحزب الشيوعي الروسي من ذلك في تعليقة بأن "صدام العالم الإسلامي مع بقية الساحة الدولية قد ينقلب إلى كارثة تحل فوق رؤوس الجميع وأن قصف ما يسمونه بالدول المارقة سوف يراكم الشر ويفاقم الظلم في آن واحد".

في هذه الأثناء ظهر اتجاه ثالث عبر عنه ألكسندر دوجين رئيس الحركة الآورو– آسيوية قائلاً إن تفجيرات واشنطن ونيويورك أنهت تاريخ القرن العشرين مقرا بأن النظام العالمي الجديد قد اختتم مرحلة تشكيله.

التحديات الناشئة لروسيا

وضعت هذه التفجيرات منظري السياسة الروسية أمام مستجدات دولية وحقائق ثابتة أهمها:

  • أولاً: وجود أضخم قاعدة عسكرية أميركية أطلسية عرفها التاريخ البشري في البلقان على مقربة من الحدود الروسية، ومرابطة القوات الأميركية والأطلسية في دول ومنطقة الخليج العربي بالإضافة إلى القاعدة العسكرية الجديدة التي ستنتهي بها حرب أفغانستان على حدود آسيا الوسطى التي اعتبرتها موسكو عبر التاريخ حدودا مقدمة لها وتربطها مع جمهورياتها معاهدة للأمن الجماعي ولديها فيها قواعد عسكرية ومواقع إستراتيجية مثل فرقة الحدود الروسية (201) في طاجيكستان والمطار الفضائي "بايكونور" في كازاخستان والممر الجوي الحيوي في أوزبكستان الذي يربط بين روسيا وقواتها في طاجيكستان وغيرها.
  • جنديان روسيان يتدربان على اعتقال مهاجر غير قانوني على الحدود الطاجيكية- الأفغانية
    ثانياً:
    حسمت العمليات الإرهابية في واشنطن ونيويورك قضية نشر الدرع الأميركي النووي الجديد الذي سوف يطيح وإلى الأبد بالتوازن الإستراتيجي الهش بين روسيا والولايات المتحدة، وتأكيدا على ذلك فقد حول مجلس الشيوخ الأميركي في يوم الجمعة 22 سبتمبر مخصصات الدرع إلى حساب البنتاغون.
  • ثالثا: اعتقاد المؤسسة العسكرية الروسية في قسم من تحليلاتها بأن محاولة تفجير البيت الأبيض الأميركي قد تنطوي على احتمال استعداد واشنطن لشن حرب واسعة النطاق في العالم قد تصل إلى حد اندلاع حرب عالمية ثالثة، وذكر عدد من الجنرالات الروس أن الحروب العالمية تبدأ دائماً بهذه السيناريوهات، مثل حريق الرايخ الألماني لاسيما وأن هناك ميولا لا يستهان بها في روسيا تشير إلى أن بن لادن لا يمكنه النهوض بتنظيم هذه العمليات الضخمة تخطيطا وتنفيذا، أو على الأقل لا يمكنه وحده دون مساعدة من داخل أميركا بل وبدون تعاون عدة جهات دولية، ويتبنى مثلا هذه الرؤية الجنرال والخبير العسكري نيكولاي ليونوف وكثيرون غيره.
    وضع الكرملين إذن رقم "حرب واسعة أو عالمية ثالثة" في حساباته وأكدت ذلك استعدادات القيادات العسكرية التي اعترف بها عدد من المسؤولين العسكريين رغم أن البعض قد يرى في هذا شيئا من المغالاة، ومن ضمن مسلسل هذه الاستعدادات الحربية نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
    1- بناء على طلب أميركي أوقفت روسيا كل طلعات الطائرات الإستراتيجية التي تحلق دوريا أو في إطار المناورات فوق المحيط الأطلسي والمحيط الهادي والمحيط المتجمد الشمالي.
    2- صدرت الأوامر إلى فرق القوات الجوية من طراز طائرات (تو-22-أم-3) المقاتلة بالتحليق في الأجواء الروسية وتأمين الحماية اللازمة.
    3- وضع منظومات الدفاع المضاد للصواريخ والطائرات في حالة تأهب قصوى وتفعيل عملها في موسكو.
    4- زيادة أعداد الرادارات الحربية.
    5- إدخال الطائرات الحربية المدمرة إلى العمل فورا.
    6- دراسة الأوضاع المستجدة وبحث إمكانيات تغيير الإجراءات التقنية وإعادة النظر في ضرورة الحصول على تصريح لإسقاط أية طائرات مهاجمة بحيث يتم ضربها فورا.
    7- اتخاذ تدابير لتشديد حراسة المنشآت والمؤسسات الهامة ووضع كل وزارات وأجهزة القوة في حالة الاستعداد والتأهب القصوى خاصة في أقاليم روسيا القريبة من بؤر النزاعات.
    8- وضع فرقة حرس الحدود الروسية في طاجيكستان في حالة التأهب القصوى وبدء تحركها صوب أقرب نقطة حدود من أفغانستان.
    9- إعداد الممر الجوي الواقع في جنوب طاجيكستان للطيران الحربي الروسي.
    10- إصدار الأوامر إلى قيادات سلاح الدفاع المضاد للطيران والصواريخ في طاجيكستان بضرب أية طائرات قد تبدأ هجوما على القوات الروسية في طاجيكستان وغيرها.
    وتعليلا لهذه الإجراءات يقول الجنرال ليونوف إن أميركا بصدد القيام بانقلاب حقيقي إن لم نقل بحرب واسعة أو عالمية فهي تستعد لتغيير دستورها وتعديل قوانينها وإعادة النظر في قضايا الحريات والديمقراطيات داخل ولاياتها.
  • رابعاً: تحذير بوش الصريح بأن أميركا سوف تحارب الإرهاب ومن ليس معنا فهو مع الإرهاب، وقد كان ذلك بمثابة إجبار لكل الدول الكبرى مثل روسيا والصين وبلدان أوروبا الغربية المتطورة بحتمية التسليم بشروط أميركا والانضمام لمسيرة في مكافحة الإرهاب.
  • خامساً: التهديد الأميركي الصريح لروسيا بالتدخل العسكري اعتمادا على تصريحات أطلقها مسؤولون أميركيون بعد وقوع العمليات الإرهابية في واشنطن ونيويورك بأن بن لادن اختفى في الشيشان.

المغانم الروسية المتوقعة

بوش يتحدث هاتفياً مع بوتين
لم يكن بوسع روسيا إذن سوى الالتحاق بالركب وأصبح السؤال الوحيد الذي يفرض نفسه بين القيادات الروسية كيف يمكن استغلال الأزمة بأقصى درجة ممكنة لانتزاع بعض المكاسب وأهمها:

  1. تصفية حسابات روسيا الخاصة مع حركة طالبان.
  2. إعادة جدولة ديون روسيا وربما إسقاط جزء منها للمؤسسات المالية الدولية حيث يتوجب على موسكو تسديد 30 مليار دولار هذا العام.
  3. تأجيل البت في قرار انضمام عدد من دول الكومنولث الرابطة إلى الناتو خاصة بلدان البلطيق والجمهوريات الملاصقة للحدود الروسية مثل أوكرانيا.
  4. تفعيل دور المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن في عمليات مكافحة الإرهاب وهو مطلب قديم للكرملين لانتزاع مساحة للحركة الروسية الدولية بحماية الشرعية الدولية وفي نفس الوقت تقليص النفوذ الأميركي العالمي.
  5. من خلال مشاركتها في عملية مكافحة الإرهاب الأميركية في أفغانستان ستتمكن موسكو من الاحتفاظ بقواعدها العسكرية ومواقعها الإستراتيجية في آسيا الوسطى، وهو أمر يعلق الكرملين عليه الكثير من الآمال في صيانة موطئ قدمه في منطقة حدوده المتقدمة.
  6. التصدي لتطلعات أي تحركات أو حركات إسلامية داخل روسيا التي يقطنها أكثر من عشرين مليون مسلم.
  7. بوتين يصافح عدداً من ممثلي المنظمات الإسلامية الروسية
    سحق المقاومة الشيشانية بتأييد دولي مطلق لم تكن موسكو تحلم به، وقد شرع الكرملين على الفور في التعاطي مع الأزمة الشيشانية حيث وجه بوتين للمقاتلين الشيشانيين إنذارا بتسليم أسلحتهم خلال ثلاثة أيام تبدأ من يوم الثلاثاء 25 سبتمبر، تجري خلالها عمليات تمشيط عسكرية نشطة وقد انتقلت موسكو بالأزمة الشيشانية إلى مستوى الإرهاب الدولي بعد تفجيرات واشنطن ونيويورك، ويقول وزير الدفاع الروسي سيرغي إيفانوف إنه لا يجوز الكيل بمكيالين فلا يمكن للإرهاب أن يكون إرهابا حسنا تارة وإرهابا سيئا تارة أخرى، في الوقت نفسه خففت الساحة الأوروبية من نبرتها في إدانة الموقف الروسي من الشيشان على لسان المستشار الألماني غرهارد شرودر الذي صرح يوم الأربعاء 26 سبتمبر بأنه كان من الممكن تعديل الموقف من الشيشان قاصدا بذلك الموقف الدولي من إدانة موسكو في نفس اليوم، وأعلنت واشنطن أنها سوف تعمل على وقف كل المساعدات والدعم المالي عبر قنواته الدولية للشيشانيين، ويرى عدد من المراقبين الروس أن القيادة الروسية سوف تنسق مع الأميركيين لتوجيه ضربة مشتركة للشيشان.

في ضوء مكتسبات روسيا من الاشتراك في عملية مكافحة الإرهاب الأميركية في أفغانستان وأخذا بالاعتبار أن العملية ستتم سواء وافقت روسيا على المشاركة أم أحجمت عنها فضلا عن الأوضاع الوخيمة المترتبة على هذا الإحجام صاغ بوتين موقف بلادة النهائي في ستة بنود قائلا في حديث على شاشة التليفزيون الروسي:

  1. إن روسيا على استعدا للمشاركة الدولية الفعالة في عدة اتجاهات إذ تقدم موسكو وستقدم في المستقبل المعلومات حول بنى وأماكن الإرهابيين وقواعدهم والمقصود هنا تعاون أجهزة المخابرات.
  2. إن روسيا على استعداد لفتح مجالها الجوي لتحليق طائرات المساعدات الإنسانية، ويعتقد قسم من المحللين السياسيين في روسيا أن هذه الطائرات قد تنقل جنودا ومعدات حربية وليس مساعدات إنسانية.
  3. إن روسيا نسقت هذا الموقف مع حلفائها في آسيا الوسطى وأنهم يتفقون معها في الرأي وعلى استعداد لتسخير مطاراتهم لهذا الهدف.
  4. إن روسيا مستعدة للمساهمة إذا تطلب الأمر في عمليات الإنقاذ.
  5. إن موسكو بوسعها تعميق التعاون مع السيد برهان الدين رباني في إطار الإمدادات بالأسلحة والتقنيات الحربية.
  6. إن روسيا على استعداد لتقديم أشكال أخرى من التعاون أكثر عمقا لمشاركة موسكو في عملية مكافحة الإرهاب، وسيتوقف طابع وعمق هذه المساعدات على مستوى ونوعية علاقات روسيا بهذه الدول وعلى التفاهم المشترك في مجال مكافحة الإرهاب.

وبالبند الأخير يفتح بوتين كما يرى قسم من السياسيين في روسيا الباب أمام إمكانيات مساهمة موسكو الحربية في عملية أفغانستان ولكن بشرط احتفاظ الكرملين بعلاقات مع القيادات السياسة الجديدة التي ستحكم أفغانستان بعد الإطاحة بطالبان ولذلك فقد حدد بوتين شخصية الرئيس المخلوع برهان الدين رباني كأحدى الشخصيات المرشحة من قبل موسكو لشغل هذا المنصب، وبتعبير آخر فإن موسكو تربط مساهمتها العسكرية بالاحتفاظ بموقع قدم في أفغانستان ولتكن منطقة الحدود الشمالية التي حافظ عليها تحالف الشمال الموالي لروسيا وتحتل نسبة عشرة بالمائة من مساحة الجمهورية إذ أن الكرملين على حد تصريح أحد الجنرالات الروس ليس بحاجة سوى إلى هذه الـ 10 بالمائة لتأمين حدوده المتقدمة في آسيا الوسطى ضد زحف الحركات الإسلامية.

ويمثل تحالف الشمال أهم جيوش المعركة البرية التي ستسبق عملية مكافحة الإرهاب الأميركية وليس لدى واشنطن سوى وسيط واحد مع هذا الحلف هو موسكو، لهذا الهدف سافر الجنرال كفاشنين رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الروسية خصيصا إلى طاجيكستان يوم الثلاثاء 25 سبتمبر لإجراء مباحثات مع محمد فهيم خان الزعيم العسكري الذي خلف القائد أحمد شاه مسعود في القيادة العسكرية لتحالف الشمال.

أعدت روسيا إذن العدة بشكل عملي في الفترة الماضية لفتح جبهة ثانية ضد طالبان، وبدأ تحالف الشمال بالفعل في الزحف على أنصار الحركة التي تبالغ بعض الجهات في تقدير قوتها وتعداد مقاتليها مبالغة كبيرة وفقاً لرأي جريدة "أزفستيا" الروسية إذ ترى بعض الأوساط العسكرية الروسية أن قوة طالبان الحقيقية لا تزيد عن خمسين ألف مقاتل، تقدم منهم نحو عشرين ألفا صوب الحدود الباكستانية وعشرين ألفا إلى منطقة الشمال لمواجهة التحالف المذكور وبذلك يتبقى منهم عشرة آلاف قد يتفرقون في كل أراضي الجمهورية. ويخطط لتوجيه عدة ضربات لطالبان في آن واحد:

  • جبهة تحالف الشمال الذي تدعمه موسكو.
  • مجموعة عبد الرشيد دوستم
  • المعارضة الشيعية المرتبطة بإيران.

ويبرز هنا دور طهران التي تؤيد تحالف الشمال من خلال اشتراط المشاركة الإيرانية بالتنسيق مع روسيا وأعلنت قياداتها صراحة أنها على استعداد للتعاون مع موسكو في مكافحة الإرهاب بينما نهر الرئيس خاتمي واشنطن عندما طالبته بتأييد عملية مكافحة الإرهاب مصرحا بأن طلب العون من إيران لضرب الأفغان مطلب وقح، وقد أشار وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف بصراحة في الأيام الماضية إلى مستوى العلاقات الروسية الإيرانية والروسية الهندية الرفيع فيما يشبه التأكيد لواشنطن على إمكانيات الكرملين السياسية في تلك المنطقة.

في ضوء ذلك يعتقد قسم من الجنرالات الروس والمحللين العسكريين أن فتح كل هذه الجبهات ضد طالبان سوف ينسف الجهود الأميركية وسوف يكون كفيلا بسحق طالبان في زمن قصير جدا، والأهم أن واشنطن في هذه الحالة لن يتبقى لها ما تفعله في أفغانستان.

___________________
صحفية عربية مقيمة في موسكو

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة