نحو نموذج ديمقراطي أفضل   
السبت 1434/3/28 هـ - الموافق 9/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:23 (مكة المكرمة)، 14:23 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

 

- مثالب محبطة
- محاولات يائسة
- ضمانات ناجزة

ينصرف جل الجدل السياسي الدائر بشأن الديمقراطية، سواء في الأدبيات السياسية أو على مستوى الممارسة الواقعية، على نموذج الديمقراطية التمثيلية النيابية الأكثر شيوعا في عالم اليوم، والذي من المفترض أن يفضي في نهاية المطاف إلى حكم الأغلبية.

وفى خضم الجدل السياسي المحتدم حاليا بين أنصار تيار الإسلام السياسي بمختلف مشاربه ومؤيدي التيار المدني العلماني بشتى أطيافه، حول جدوى ومشروعية الاحتكام إلى الحشد الجماهيري وصندوق الاقتراع، إبان المرحلة الانتقالية التي اشتبك فيها الدين بالسياسة، يثورالتساؤل: ماذا لو جاءت الديمقراطية التمثيلية بنخبة حاكمة غير مؤهلة سياسيا، إلى الحد الذي ينحرف بها عن المسار الديمقراطي وينأى بالبلاد والعباد عن المقاصد الحقيقية للديمقراطية كالارتقاء بالمواطن وتحقيق استقرار المجتمع وتنمية الدولة؟!

مثالب محبطة
رغم أنها جاءت حصيلة اجتهادات فكرية شاقة ونتاجا لتجارب عملية مضنية، ورغم مزاياها العديدة التي لا يمكن إنكارها أو بخسها قدرها، لم تسلم الديمقراطية التمثيلية منذ ابتكارها من انتقادات ساسة ومفكرين كثر حول العالم.

ففي حين لم يتردد مفكرون من أمثال سقراط وأفلاطون وصولا إلى ماركس وفيبر في التشكيك بكونها النموذج الأفضل للحكم معتبرين إياها "حكم الغوغاء"، لم يكف علماء الاجتماع السياسي من أمثال روبرت بوتنام وأنتوني جيدنز وجيمس ديوي إبراز العوار الإقصائي للديمقراطية التمثيلية على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وفى كتابه الشهير المعنون "الأحزاب" الذي سطره عام 1911 سلط عالم السياسة المعروف روبرت ميخلز الضوء على قصور الديمقراطية التمثيلية الأبرز حيث ظلت تتطور سلبا حتى صارت تمثل حكم الأقلية.

وقد سن في هذا الإطار قانونا أسماه "القانون الحديدي للأوليجاركية أو الأقلية"، مؤداه أنه مهما ادعى أي تنظيم سياسي أو برلمان تمثيله لإرادة الأغلبية إلا أنه بمرور الوقت غالبا يستأثر بعملية اتخاذ القرارات الكبرى فيه مجموعة صغيرة من القيادات السياسية.

وكذلك تتمثل الفكرة المحورية في نظريات الصفوة في أنه توجد في كل مجتمع أقلية تنفرد بإصدار القرارات الكبرى التي تتعلق بتسيير الأمور في المجتمع، قد تأتي إلى السلطة عبر الانتخابات غالبا.
وقد خلص ميخلز إلى أن الديمقراطية التمثيلية في أقصى مناقبها قد تلجم حكم الأقلية لكنها لا تمنعه.

ولكم حفل التاريخ البشري بأنظمة منتخبة ديمقراطيا لكنها نكلت بشعوبها وأوردت بلادها والعالم أجمع موارد الجحيم
ولكم حفل التاريخ البشري بأنظمة منتخبة ديمقراطيا لكنها نكلت بشعوبها وأوردت بلادها والعالم أجمع موارد الجحيم. فما أن أجرت ألمانيا انتخابات نزيهة عامي 1932 و1933 وحل الحزب النازي في الصدارة وشكل الحكومة، حتى سادت القومية العنصرية الاستبدادية واندلعت الحرب العالمية جراء الافتقاد لضمانات لفصل السلطات وحكم القانون وحماية الحريات الفردية ومنع تسلط الحكومة المنتخبة.

وفي العقد الأخير من القرن الماضي، حصد حزب هندوسي متطرف معاد للآخر الديني هو حزب بهاراتيا جاناتا الأغلبية في الانتخابات الهندية، ليدشن مشروعه لإعادة كتابة تاريخ بلاده برؤية هندوسية متجاهلا إسهامات باقي الإثنيات التي غض الطرف عن انتهاك حقوقها ليعزز من فرصه في الفوز بالانتخابات التالية بدعم من الأغلبية الهندوسية، على غرار ما جرى في العام 1999 مع الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش المنتخب ديمقراطيا، الذي اتخذ من إبادة مسلمي البوسنة والهرسك تكئة لتنامي شعبيته بين ذويه.

وفى مصر ما بعد مبارك، وبينما اعتاد الوعي الجمعي للمصريين التشكيك في جدوى الاحتكام إلى العملية الانتخابية وصناديق الاقتراع بجريرة خبراتهم المؤلمة والسلبية مع كليهما طيلة عقود طويلة خلت، أعادت ثورة يناير 2011 هذا الجدل إلى الواجهة مجددا بعد اشتعال حالة الاستقطاب السياسي الحاد بين تيار الإسلام السياسي والتيار المدني العلماني.

وقد استسلمت القوى السياسية التي تنافست على السلطة بعد سقوط مبارك للانحراف السياسي التدريجي عن النهج الديمقراطي. فبينما اتهم التيار المدني العلماني جماعة الإخوان المسلمين بالتراجع عن شعار "مشاركة لا مغالبة"، والذي توقع له الكثيرون أن يعزز من الحوار ويتيح التشارك بين مختلف الفصائل السياسية في إدارة الدولة، هرعت القوى المدنية نحو التكالب على السلطة غير متورعة عن الاستقواء بالعسكر أو الفلول أو حتى قوى الخارج للحيلولة دون انفراد الإسلاميين ومنع أسلمة الدولة.

مثل هذه التجارب وغيرها أبرزت مسيس الحاجة إلى آليات ناجزة لترشيد العملية الديمقراطية وكبح جماح الحكومات والأنظمة المنتخبة بحيث لا تحيد عن مرامي شعوبها بذريعة انتخابها ديمقراطيا. فإذا تعذر اختزال الديمقراطية في انتخابات أو حكم الأكثرية فحسب، يجدر التأكيد على ما يجب أن تحويه من قيم ومبادئ مصحوبة بضمانات لحماية حقوق الأقلية، وههنا أكد آلان تورين أن الديمقراطية لا تتحقق بالمشاركة والانتخابات الحرة ولكن باحترام الحريات وقبول التنوع والاختلاف، كما سطر الزعيم الأميركي جيمس ماديسون في الأوراق الفيدرالية، من أن "الخطر من الظلم في الديمقراطية إنما يأتي من الأغلبية".

محاولات يائسة
محاولات شتى عرفتها تجارب سياسية عديدة حول العالم بغية تصحيح بعض مثالب الديمقراطية التمثيلية، ففي الماضي البعيد جعلت بعض البلدان مباشرة الحقوق السياسية، ترشيحا وتصويتا، حكرا على فئات بعينها. وهو ما يعد مجافيا لأبسط مبادئ الديمقراطية كالمساواة وتكافؤ الفرص.

ابتكر الإيرانيون بعد ثورتهم الإسلامية عام 1979 أجهزة غير منتخبة للرقابة على عمل المؤسسات المنتخبة كالبرلمان ورئاسة الدولة

وحديثا ابتكر الإيرانيون بعد ثورتهم الإسلامية عام 1979 أجهزة غير منتخبة للرقابة على عمل المؤسسات المنتخبة كالبرلمان ورئاسة الدولة. وفي هذا الإطار، برز دور مجلس تشخيص مصلحة النظام، المخول إيقاف القوانين والتشريعات التي يصدرها البرلمان بحجة مخالفتها للشريعة أو أوامر الولي الفقيه، فضلا عن منع أي شخص من الترشح لأى منصب بجريرة معاداته الثورة أو الشريعة.

وبالتوازي، ظهر مجلس صيانة الدستور، الذي عني بالإشراف على الاستفتاءات الشعبية وكل العمليات الانتخابية بدءا من انتخاب المرشد من قبل مجلس الخبراء، أو رئيس الجمهورية والبرلمان والبلديات عبر الاقتراع الشعبي، فضلا عن الفصل في أهلية المرشحين لهذه الانتخابات وفقا لمعايير محددة كصحة العقيدة والولاء للنظام، وكثيرا ما منع هذا المجلس ترشح الشيوعيين والقوميين والأكراد وأعضاء حركة "حرية إيران" وكل من يطالب بالديمقراطية الليبرالية ولا يؤمن بمبدأ ولاية الفقيه.

وانطلاقا من اختصاصه في تفسير نصوص الدستور والقانون والفصل في مدى مطابقتها للشريعة الإسلامية، ألغى المجلس قرارات وتشريعات برلمانية كتلك المتعلقة بزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية وتعديل شروط الترشح والانتخابات.‏

وما كان من هذه الآليات إلا أن انحرفت بالتجربة الإيرانية عن المسار الديمقراطي حيث ساعدت على تغول الأجهزة والمؤسسات غير المنتخبة على نظيرتها المنتخبة، بل وكبلتها عن القيام بمهامها التي كفلها الدستور واقتضتها التقاليد والاعتبارات الديمقراطية.

وفي مسعى منها للإدلاء بدلوها في هذا الصدد، انجرفت جماعة الإخوان المسلمين صوب آليات مشابهة، ففي أول مشروع معلن لبرنامجها قبل خمس سنوات، نصت إحدى المواد على تشكيل "هيئة لكبار العلماء"، تنصرف مهمتها إلى مراجعة مدى مطابقة القرارات والقوانين للشريعة. وهي المادة التي قوبلت برفض نخبوي وشعبي واسع كونها تشكل تهديدا لفكرة الديمقراطية.

وفي لقائه مع مشايخ الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح في أبريل/نيسان 2012، أكد خيرت الشاطر المرشح الإخواني وقتها لرئاسة الجمهورية أنه سيعمل، حال فوزه، على تكوين جماعة "أهل الحل والعقد" لمعاونة البرلمان في تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو ما عده مراقبون تقويضا لفكرة التمثيل النيابي إذ يسلب البرلمان اختصاصاته لمصلحة تلك الجماعة.

وبدورها، لم تجد القوى السياسية العلمانية بمختلف فصائلها أي غضاضة في استدعاء طرف غير سياسي كالجيش لممارسة دور أقرب إلى الوصاية على عملية التحول الديمقراطي الوليدة في البلاد، حيث رفضت جبهة الإنقاذ دعوة الرئيس للحوار، فيما هرعت لتلبية دعوة وزير الدفاع ثم مجلس الدفع الوطني، الذي يغلب على تشكيلته الطابع العسكري والغير مخول دستوريا وفقا للمادة 197 من الدستور الجديد، بالنظر في المسائل المتعلقة بالحكم وإدارة الدولة، كما تشترط مشاركة وزير الدفاع في أية حوارات أو تفاهمات مع الرئيس المدني المنتخب.

وفى نفس المجرى، صب استدعاء الرئيس للقوات المسلحة في الحياة المدنية لمؤازرة الشرطة في ضبط الأوضاع بمحيط قصر الاتحادية ومدن القناة الثلاث، ومنح رجال القوات المسلحة الالتزام بمهام الضبطية القضائية وكل واجبات مأموري الضبط القضائي المقررة في قانون الإجراءات الجنائية بعد خمسة أشهر فقط من إبعاد الجنرالات عن المسرح السياسي.

ومن شأن ممارسات كهذه أن تمهد السبيل لعودة الجيش طرفا في المعادلة السياسية مجددا عبر تحوله من سلطة حكم إلى قوة ضمان واحتكام، بعد أن خرج منها أو كاد إثر قرارات أصدرها الرئيس مرسى بهذا الخصوص في أغسطس/آب الماضي.

ضمانات ناجزة
مثلما لم يخل اجتهاد الآباء المؤسسين لنموذج الديمقراطية التمثيلية من نقائص، لم تسلم مساعي من حاولوا معالجة تلك النقائص هي الأخرى من مآخذ، إذ لم تفلح محاولات توفير الضمانات الدستورية والقانونية الكفيلة بترشيد إجراءات الممارسة الديمقراطية دونما افتئات على ركائزها ومبادئها الأساسية أو انتقاص من مزاياها ومناقبها.

لم تجد القوى السياسية العلمانية بمختلف فصائلها، أي غضاضة في استدعاء طرف غير سياسي كالجيش لممارسة دور أقرب إلى الوصاية على عملية التحول الديمقراطي الوليدة في البلاد

وبناء عليه، لا مناص أمام النخب السياسية والفكرية عن ابتكار الآليات التي تدفع نحو مزيد من دمقرطة الديمقراطية أو تصحيح مسارها ومعالجة مثالبها بدلا من تشويهها أو إساءة استخدامها.

وعلى من يشرع في هذه المهمة الصعبة والسامية في آن أن يعي جيدا أن المساعي لا تنحصر في دائرة الأمور الإجرائية كالانتخابات والدساتير فحسب، فالحريات قد لا تتأتى أو تصان بالضرورة من خلال الانتخابات والنصوص الدستورية فقط، وإلا ما كانت بريطانيا، التي ليس لديها دستور مكتوب لتصبح أهم وأعتى نظام ديمقراطي في عالمنا. وما تسنى للسود في الولايات المتحدة إنهاء التمييز العنصري ضدهم والحصول على المساواة التامة مع البيض إثر إصدار قانون الحقوق المدنية عام 1964 بفعل تدخل السلطة التنفيذية وعبر قرارات المحكمة العليا.

ولعل معالجة جوانب القصور في الديمقراطية التمثيلية تستوجب رؤية أشمل وأعمق لجوهر ومضمون تلك الفكرة.

وفي هذا السياق، جاءت رؤية المفكر الهولندي آرنت ليبهارت لما يسمى "الديمقراطية التوافقية" أو "الديمقراطية التكاملية"، كنظرية للحكم الديمقراطي في مجتمع تعددي تكفل التعاون والوفاق بين مختلف الأطياف بدلا من التناحر وحكم الأغلبية. وهي تقوم على أربعة مرتكزات أساسية هي: حكومة ائتلافية أو تحالف واسع يشمل حزب الأغلبية وسواه، الاعتماد على مبدأ التمثيل النسبي في الوزارات والمؤسسات والإدارات والانتخابات، حق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات على حد سواء لمنع احتكار السلطة، ثم الإدارة الذاتية للشؤون الخاصة بكل جماعة. وقد بدأ بعض دول شمال وغرب أوروبا في تبنى هذه الفكرة عقب الحرب العالمية الثانية.

وفى ستينيات القرن الماضي، وبعدما تراءى لعلماء سياسة واقتصاد أميركيين أن نموذج الديمقراطية التمثيلية النيابية يقلص من دور المواطن في الحياة السياسية وعملية الإنتاج بعيد إدلائه بصوته في الانتخابات، بدأ التبشير بنموذج ديمقراطي آخر بديل هو "الديمقراطية التشاركية"، الذى يرمي إلى توسيع قاعدة المشاركة في العملية السياسية عبر تعظيم وتفعيل مشاركة كل المواطنين في صنع القرارات من دون الاعتماد الكلى على النواب المنتخبين أو اختزال الديمقراطية في عملية الاقتراع.

تبقى الإشارة أخيرا إلى أن أي طروحات ومقترحات فيما يخص معالجة مثالب الديمقراطية التمثيلية لن يكون بمقدورها التحليق بمنأى عن فضاء النظام الديمقراطي والدوران في فلكه، ليس فقط لأنها لم تتجاوز أطوار الاختمار والتجريب والتطوير، وإنما لأن الاجتهاد الفكري البشري في هذا المضمار لم يتسن له بعد ابتكار نموذج بديل أفضل للحكم وإدارة الدولة وتنظيم العلاقة بين الفاعلين السياسيين. وكم كان السياسي البريطاني الشهير ونستون تشرشل محقا حينما أطلق قبل ستة عقود خلت مقولته الخالدة "الديمقراطية التمثيلية ربما تكون أسوأ نظم الحكم, ولكننا لا نعرف نظاما آخر أفضل منها".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة