تَركة هلسنكي الحية   
الثلاثاء 6/9/1436 هـ - الموافق 23/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:40 (مكة المكرمة)، 13:40 (غرينتش)
إيفيكا تاديتش


قبل أربعين عاما، انتهى مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا إلى التوقيع على وثيقة هلسنكي الختامية، وهو انتصار تاريخي للتعاون على الصراع مهد الساحة لنهاية الحرب الباردة.



أتى الاتفاق ممثلا لنهج ثوري في التعامل مع قضية الأمن الشامل، فضلا عن العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف. وقد أدرك الموقعون عليه وجود صلة مباشرة بين القضايا السياسية والعسكرية وقضايا حقوق الإنسان وأن هذه الصلة تشكل عنصرا أساسيا في السلام والأمن.

ولهذا السبب، عندما أوكِل لصربيامهمة قيادة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي أنشأها مؤتمر هلسنكي، هذا العام، كنا نتطلع إلى الاحتفال بالإنجازات العديدة التي حققها الاتفاق في ذكراه السنوية الأربعين. ولكن مع تجدد الصراع المسلح في أوروبا، والذي يشكل تحديا مباشرا للمبادئ الأساسية التي أقرتها وثيقة هلسنكي الختامية، يحمل الاحتفال بذكرى الاتفاق هذا العام معنى جديدا.

الوسيلة الوحيدة لتعزيز الأمن الأوروبي تتلخص في التوصل إلى تسوية دائمة تقوم على مبادئ وثيقة هلسنكي الختامية، والواقع أن احترام هذه المبادئ ما كان ليسمح بحدوث الأزمة الحالية في أوكرانيا في المقام الأول

الواقع أن الأزمة في أوكرانيا أكدت على الأهمية الدائمة للوثيقة الختامية، بل إن الوسيلة الوحيدة لتعزيز الأمن الأوروبي تتلخص في التوصل إلى تسوية دائمة تقوم على مبادئ الوثيقة الختامية، والواقع أن احترام هذه المبادئ ما كان ليسمح بحدوث الأزمة الحالية في أوكرانيا في المقام الأول.

من الواضح الآن أن جذور هذه الأزمة تمتد إلى أعماق أكبر من كل التصورات في بداية الأمر، فقبل اندلاع الاضطرابات في أوكرانيا بفترة طويلة، بدأ مرة أخرى ظهور الانقسام بين الشرق والغرب، الذي عمل أسلافنا بكل إخلاص وجدية لإغلاقه.

فكان الشعور المتزايد بانعدام الثقة والعداء جنبا إلى جنب مع تضاؤل الالتزام بمبدأ الأمن الشامل الذي قامت عليه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، سببا في إعاقة التعاون في العديد من المجالات. وكانت المشاركة البنّاءة في القضايا الأمنية أمرا بالغ الصعوبة لبعض الوقت، وهو ما انعكس في الافتقار إلى أي تقدم بشأن الحد من التسلح وغير ذلك من المجالات الرئيسية على أجندة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

وكان ظهور الأزمة في أوكرانيا وحولها سببا في زيادة هذه التحديات عمقا، وبات البحث عن حلول لها أكثر إلحاحا. والواقع أن الفريق الرفيع المستوى من الشخصيات البارزة في مجال الأمن الأوروبي، باعتباره مشروعا مشتركا أنشئ في مجلس بازل الوزاري بواسطة الرئاسة السويسرية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا العام الماضي، طرح رؤى لا تقدر بثمن عندما قدم تقريره المؤقت عن الأمن الأوروبي في اجتماع المجموعة الأساسية في فيينا هذا الأسبوع في إطار مؤتمر ميونيخ للأمن.

يركز التقرير على الدروس المستفادة من مشاركة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في أوكرانيا، وقد انعكس جزء من الحل في العنوان الذي اختاره الفريق: "الأمن الأوروبي مشروع مشترك حقا".
وكان بوسع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن تلعب دورا محوريا، فخدمت كما فعل مؤتمر هلسنكي قبل أربعين عاما كمنصة للتغلب على الانقسام القائم، واستعادة الثقة، وإعادة بناء النهج التعاوني في التعامل مع المخاوف الأمنية المشتركة.

تولت مجموعة الاتصال الثلاثية وبعثة المراقبة الخاصة تنفيذ أغلب الجوانب المرئية من استجابة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للأزمة في أوكرانيا وحولها. بيد أن كل أدوات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تم تسخيرها بالكامل لتخفيف الأزمة، فضلا عن دعم خطوات حاسمة أخرى، بما في ذلك الإصلاح الدستوري، وحماية حقوق الأقلية العِرقية، والحوار السياسي والمصالحة.

وبوصفها المنصة الإقليمية الوحيدة التي تجمع كل أصحاب المصلحة الرئيسيين على الطاولة، تلعب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا دورا بالغ الأهمية في الحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة وخلق فرص العمل المشترك.

ونظرا لعلاقاتنا الطيبة بكل أصحاب المصلحة الرئيسيين في الأزمة، تستطيع صربيا أن تساهم في العملية. ويتلخص هدفنا الرئيسي في منع الأزمة من التحول إلى صراع أكبر، وضمان العملية السياسية المستدامة، والحفاظ على الطبيعة الشاملة والتعاونية لعمل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

لا شك أن التخفيف من حِدة التصعيد على الأرض والتقدم الملموس الذي حققته مجموعة الاتصال الثلاثية -ومجموعات العمل الأربع التي تعمل تحت رعايتها- من شأنه أن يمهد الساحة لاستئناف المناقشات حول قضايا الأمن الأوروبي الأوسع والدور المستقبلي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ونظرا للحتمية الواضحة للحلول التعاونية لمعالجة التهديدات الأمنية العالمية والعابرة للحدود الوطنية، فإن هذا يمثل أهمية بالغة.

يتعين على قادة اليوم أن يظهروا قدرا من الحكمة والبصيرة، وأن يدعموا الجهود التي تبذلها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لإنعاش مبادئ اتفاق هلسنكي. وسوف يتطلب هذا زيادة الاستثمار في كل من الموارد المالية ورأس المال السياسي

الأمر ببساطة أنه في غياب النهج المشترك في التعامل مع قضايا الأمن والاستجابة المشتركة، يصبح التغلب على التحديات الحالية التي تواجهنا مستحيلا من الناحية العملية. والواقع أن الموقف قد يزداد سوءا إلى حد كبير، مع تأجج الصراعات "المجمدة" والعودة إلى المواجهة المسلحة. ومع تسبب عدم الاستقرار المتنامي في تفاقم التوترات الاجتماعية، يصبح الصراع العِرقي، والتشدد، والتطرف العنيف من العواقب المرجحة بشكل متزايد.

كان الانقسام بين الشرق والغرب الذي واجهه الزعماء في هلسنكي في العام 1975 أوسع كثيرا من الانقسام القائم اليوم. ومع ذلك فقد تمكنوا بشجاعتهم والتزامهم من التوصل إلى تسوية واقعة تستند إلى مجموعة من المبادئ، وهي التسوية التي فتحت الطريق لقدر بعيد المدى من التعاون، بل ظهور عالم اليوم الذي يتسم بالترابط والاعتماد المتبادل.

يتعين على قادة اليوم أن يظهروا نفس الحكمة والبصيرة، وأن يدعموا الجهود التي تبذلها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لإنعاش مبادئ اتفاق هلسنكي. وسوف يتطلب هذا زيادة الاستثمار في كل من الموارد المالية ورأس المال السياسي، والالتزام المشترك بالاستخدام المثمر لهذا الاستثمار.

الواقع أن صربيا، مجتمع ما بعد الصراع الذي أقيم على سلسلة من التنازلات والتسويات، في موقع جيد لتنسيق الحوار الأمني المطلوب بشدة في أوروبا أثناء رئاستها لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي المنظمة التي ساعدتنا في مرحلتنا الانتقالية. وهل نجد لأي قضية نصيرا أفضل من ذلك الذي يتحدث عن اقتناع مكتسب من تجربة شخصية؟

إن مبادئ هلسنكي لا تحتاج إلى إعادة نظر، بل على العكس من ذلك، لا بد من التأكيد عليها وتعزيزها والحفاظ عليها. إن المنصة في مكانها بالفعل، وما علينا إلا أن ننطلق إلى العمل معا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة