فلسطينيو 48 ومخططات التهويد   
الاثنين 20/3/1433 هـ - الموافق 13/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:49 (مكة المكرمة)، 11:49 (غرينتش)
نبيل السهلي
 
 
في تسابق مع الزمن تسعى حكومة نتنياهو إلى تهويد ما تبقى من أرض في حوزة العرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر؛ فلا يمر يوم دون أن تطالعنا وسائل الإعلام الإسرائيلية بنبأ حول استصدار قانون عنصري لفرض يهودية دولة إسرائيل بعد "أسرلة" الأقلية العربية وجعلها هامشية في كافة مناحي الحياة؛ أو مخطط تهويدي للسيطرة على مزيد من الأراضي في الجليل والنقب والمثلث.
 
وقد يكون مخطط "برافر" الذي تمّ الإعلان عنه مؤخراً من المخططات الخطيرة الرامية إلى تهويد منطقة النقب في جنوب فلسطين المحتلة؛ حيث يقضي بمصادرة نحو 800 ألف دونم من أراضي عرب النقب، وتهجير أكثر من 30 ألف فلسطيني.
 
وقد سعت المؤسسة الإسرائيلية منذ عقود أيضاً إلى تشتيت التجمع العربي في منطقة الجليل وذلك تحت مسميات تطوير منطقة الجليل حتى عام 2020؛ والهدف من وراء كل ذلك القيام بعملية إحلال يهودية في المنطقتين للإخلال في التوازن الديمغرافي لصالح اليهود حتى العام المذكور. وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى إلقاء الضوء على أوضاع الأقلية العربية داخل الخط الأخضر حيث عاصفة التهويد على أشدها.
 
"
اتبعت السلطات الإسرائيلية سياسات استهدفت قطع اتصال الأقلية العربية مع محيطها العربي، وحاولت في نفس الوقت استيعابهم ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي ولكن على هامشه
"
فلسطينيو 48 ومقدمات الأسرلة
اعتبرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948 مجرد وجود الأقلية العربية في أرضها خطراً عليها، فانتهجت حيالها إستراتيجية استهدفت الاستمرار في الإرهاب والتمييز العنصري لإجبار الفلسطينيين على الرحيل وإفراغ الأرض من أهلها الشرعيين، وتبعاً لذلك قام الجيش الإسرائيلي وقبله العصابات الصهيونية، الشتيرن والهاغانا والإيتسل بارتكاب العديد من المجازر، كمجزرة اللد والرملة وكفر قاسم وقبية والطنطورة وبلد الشيخ، لدفع العرب خارج أرضهم.
 
وبعد ذلك اتبعت السلطات الإسرائيلية سياسات استهدفت قطع اتصال الأقلية العربية مع محيطها العربي، وحاولت في نفس الوقت استيعابهم ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي ولكن على هامشه كما أشار المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة في أكثر من دراسة. كما عملت المؤسسات الإسرائيلية جاهدة لطمس الهوية العربية، فحاولت جعل الدروز والشركس قوميات منفصلة، وفرضت عليهم الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1958، وحاولت التفريق بين العرب المسلمين والمسيحيين وتقسيم المسيحيين إلى طوائف شرقية وغربية، والمسلمين إلى مذاهب مختلفة.
 
ومر العرب داخل الخط الأخضر بثلاث فترات بين عامي 1948 و2011، وتميزت الفترة الأولى (1948-1966) وهي فترة الحكم العسكري الإسرائيلي، باستصدار إسرائيل 34 قانوناً لمصادرة الأراضي العربية سواء تلك التي تعود ملكيتها للاجئين الفلسطينيين في الشتات، أو من أصحابها الموجودين في إسرائيل الحاضرين الغائبين الذين يقطنون في قرى ومدن غير تلك التي طردوا منها. فعلى سبيل المثال لا الحصر يقطن جزء من أهالي قرية صفورية في قضاء الناصرة بالقرب من قريتهم التي طردوا منها عام 1948 ويمنعون من العودة إليها، ويقدر مجموع الحاضرين الغائبين بنحو 260 ألف عربي فلسطيني في بداية العام الحالي 2012.
 
احتلال الأرض كركيزة للتهويد
توالت السياسات الإسرائيلية لمصادرة مزيد من الأراضي العربية، وبلغت المصادرة أوجها في مارس/آذار 1976 حيث تمت مصادرة السلطات الإسرائيلية لنحو 21 ألف دونم من قرى سخنين وعرابة وغيرها من القرى الفلسطينية في الجليل والمثلث، وعلى خلفية ذلك قامت الأقلية العربية في أرضها بانتفاضة يوم الأرض في الثلاثين من مارس/آذار 1976، وسقط خلالها ستة شهداء من القرى المذكورة، وأصبح هذا اليوم يوماً وطنياً في حياة وتاريخ الشعب العربي الفلسطيني في كافة أماكن وجوده؛ حيث تتجسد فيه الوحدة الوطنية الفلسطينية دفاعاً عن عروبة الأرض؛ وضد مصادرتها من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
 
"
محاولة منها لتهويد ما تبقى من أراضٍ بحوزة الأقلية العربية داخل الخط الأخضر، وضعت السلطات الإسرائيلية مخططات لتهويد الجليل وكسر التركز العربي فيها
"
وتبعاً لمصادرة الأراضي العربية من قبل الجيش الإسرائيلي تحت حجج وضرورات الأمن، فإن الفلسطينيين على الرغم من ارتفاع مجموعهم من 151 ألفاً عام 1948 إلى نحو مليون و400 ألف عربي فلسطيني يمثلون نحو 20% من سكان إسرائيل، بيد أنهم لا يملكون سوى 2% من الأراضي التي أقيمت عليها إسرائيل في عام 1948؛ والتي تقدر بنحو 78% من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومترات مربعة.
 
ومحاولةً منها لتهويد ما تبقى من أراضٍ بحوزة الأقلية العربية داخل الخط الأخضر، وضعت السلطات الإسرائيلية مخططات لتهويد الجليل وكسر التركز العربي في المنطقة المذكورة كما ذكرنا سابقاً، وذلك عبر أسماء مختلفة؛ في المقدمة منها ما يسمى مشروع تطوير منطقة الجليل، ومشروع نجمة داود لعام 2020، هذا إضافة إلى ظهور مخططات لكسر التركز العربي في منطقة النقب التي تشكل مساحتها 50% من مساحة فلسطين التاريخية؛ ومن تلك المخططات مخطط "برافر"، الذي يسعى لمصادرة 800 ألف دونم؛ وتجميع عرب النقب البالغ عددهم نحو 200 ألف نسمة في مساحة هي أقل من 100 ألف دونم، أي على أقل من 1% من مساحة صحراء النقب.
 
سبل مواجهة عاصفة التهويد
اللافت أنه خلال السنوات القليلة الماضية استصدرت المؤسسة الإسرائيلية رزمة قوانين للسيطرة على مزيد من أراضي الفلسطينيين المتبقية بحوزتهم؛ ناهيك عن استصدار قوانين من شأنها تعزيز وترسيخ فكرة يهودية إسرائيل؛ ومن أخطر تلك القوانين؛ قانون الجنسية وقانون النكبة الذي يحظر على الأقلية العربية إحياء ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني؛ فضلاً عن قوانين تمنع التزاوج بين أفراد من الأقلية داخل الخط الأخضر مع العرب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وذلك بغية الحد من التواصل الديمغرافي؛ لكن الأخطر كان استصدار قانون المواطنة والولاء الذي يفرض على الأقلية العربية الاعتراف -من خلال قسم- بيهودية إسرائيل قبل الحصول على الجنسية الإسرائيلية.
 
"
قانون المواطنة والولاء الذي يفرض على الأقلية العربية الاعتراف من خلال قَسَم بيهودية إسرائيل قبل الحصول على الجنسية الإسرائيلية، كان من أخطر قوانين التهويد
"
وتكمن مخاطر تلك القوانين الإسرائيلية التي تسارعت وتيرة صدورها إبان حكومة نتنياهو الحالية بتداعياتها المستقبلية الخطيرة على وجود الأقلية العربية؛ وقد يكون التحدي الأهم الذي سيواجهه العرب الفلسطينيون في الداخل تلك السياسات الإسرائيلية الرامية إلى زعزعة وجودهم كأقلية في أرضها بغية طردهم في نهاية المطاف؛ ولهذا يتطلب الأمر محاولة الكشف عن المستور من تلك السياسات ومخاطرها؛ بالاعتماد على خطاب فلسطيني وعربي مدروس؛ حيث يعتبر مجرد استمرار وجود الأقلية العربية في أرضها -عبر أشكال الدعم المختلفة- رصيدا ديمغرافيا ووطنيا له دلالة مباشرة على الهوية العربية للأرض التي أقيمت عليها إسرائيل؛ وقد يكون ذلك الرد الحقيقي على مخططات وسياسات المؤسسة الإسرائيلية الرامية إلى ترسيخ فكرة يهودية إسرائيل عبر تهويد المكان سواء في القدس أو في منطقة الجليل أو المثلث أو النقب.
 
وهناك ضرورات ملحة تفرضها التحديات التي تواجهها الأقلية العربية؛ وفي مقدمة تلك الضرورات العمل الجاد على تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية باعتبار أن تلك التحديات وطنية بامتياز؛ ناهيك عن كون الأقلية العربية تمثل جزءاً رئيسياً من الشعب الفلسطيني.
 
ومن الضرورات أيضا أن تتبنى منظمة التحرير الفلسطينية خطاباً دائماً يتم التركيز فيه على مخاطر يهودية دولة إسرائيل على الشعب الفلسطيني وحقوقه؛ عوضاً عن الحديث عن تجميد الاستيطان كخطوة لانطلاقة مفاوضات عبثية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة