الشروط العشرة لبناء نظام ديمقراطي في فلسطين   
الاثنين 1426/4/1 هـ - الموافق 9/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:15 (مكة المكرمة)، 10:15 (غرينتش)

 

مصطفى البرغوثي

 

خطت فلسطين من خلال الانتخابات الرئاسية، وما سبقها وسيتبعها من انتخابات محلية وتشريعية خطوة هامة وواسعة نحو بناء نظام ديمقراطي، وانفتح أفق واسع لتكريس ما يمكن تسميته السابقة الديمقراطية الأولى في المنطقة.

 

وبتسارع وتيرة الانتخابات المحلية ومن ثم التشريعية، يبدو أن هذا الانجاز تحول لا رجعة عنه نحو بناء نظام ديمقراطي.

 

وحيث أنه لا يمكن تعايش نظام حكم الحزب الواحد أو العائلة الواحدة مع الديمقراطية، فإن الحديث يدور عن القبول بمبدأ "تداول السلطة" بالطرق السلمية.

 

ولعل مجموعة من الاستنتاجات الرئيسية تبدو واضحة عند تحليل مغزى نتائج الانتخابات الرئاسيـة على النحو التالي:

 

الاستنتاج الأول: عدم جواز المبالغة في أهمية ما جرى مثلما لا يجوز التقليل من أهميته، إذ مثلت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية أول منافسة ديمقراطية جدية على قمة هرم السلطة في تاريخ العالم العربي الحديث.

 

ولم تكن صدفة أن تحدث هذه الانتخابات تأثيرا واضحاً على العالم العربي، وأن توقظ أو تلفت الانتباه لأول نهوض منذ مدة طويلة لحركات معارضة عربية ديمقراطية ليست ذات طابع ديني.

 

"
لا تجوز المبالغة في أهمية الانتخابات الفلسطينية مثلما لا يجوز التقليل من أهميتها، إذ مثلت أول منافسة ديمقراطية جدية على قمة هرم السلطة في تاريخ العالم العربي الحديث
"
ورغم العبث غير المبرر والضغوطات التي مارستها السلطة وأجهزتها على لجنة الانتخابات المركزية مما أدى لخرق القانون في الساعات الثلاث الأخيرة، فيما بدا أنه نكسة في السلوك والأداء نحو الماضي، فإن العملية الديمقراطية بقيت على درجة عالية من السلامة، وتعزز ذلك لاحقا في الانتخابات البلدية التالية.

 

ويبدو واضحا، من خلال دراسة تجربة انتخابات الرئاسة بما في ذلك الخروقات والتدخلات والاستمرار في استخدام أجهزة السلطة لصالح مرشح معين، أننا نتحدث عن عملية تطور نحو النظام الديمقراطي وليس عن فعل نهائي لمرة واحدة.

 

والنتيجة المؤكدة أن مبدأ التعددية السياسية قد تكرس، ومبدأ المنافسة الديمقراطية أصبح واقعاً، وأن الشرعية القيادية لا يمكن أن تكتسب في فلسطين بعد اليوم إلا عبر الانتخابات الديمقراطية.

 

الاستنتاج الثاني: إن نظرية استقطاب المجتمع الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح، لم تكن يوما وليست الآن صحيحة، لقد جرى الترويج في الغرب والإعلام الإسرائيلي طويلاً لهذه النظرية، غير أن الانتخابات الرئاسية أثبتت وجود تيار ثالث ديمقراطي قوي ومؤثر ولولا ذلك لما استطاع مرشحه الحصول على ما لا يقل عن 22% من الأصوات الصالحة رسميا وما يصل إلى 30% من الأصوات، إذا ما حذفنا الآثار الناجمة عن خرق القانون والتصويت المتكرر الذي جرى في الساعات الثلاث الأخيرة، وتبعثر جزء من الأصوات بين عدد من المرشحين.

 

بل إن استطلاعات الرأي تشير منذ عدة سنوات إلى وجود أغلبية كانت صامتة لا تقل عن 40% - 45% من الناس، ممن ليسوا جزءاً من الاستقطاب بين فتح وحماس.

 

وقد استفادت حركة حماس من عدم وجود تيار معارضة ديمقراطي واضح المعالم وحصدت معظم أصوات المعارضة في كثير من المناسبات، على قاعدة الميل الشعبي العام ضد الفساد وسوء الإدارة وأخطاء السلطة الفلسطينية.

 

ولقد ظهرت قوة التيار الديمقراطي، في تحالف المبادرة الوطنية واللجان العمالية المستقلة والجبهة الشعبية والمستقلين خلال انتخابات الرئاسة، كما ظهرت قبل ذلك في التحالفات الديمقراطية التي نشأت في النقابات المهنية المختلفة.

 

وما من شك أن قوة هذه التيار ستعزز إن انضوت في إطاره كل قوى المعارضة الديمقراطية، كما أن قبول جميع الفصائل بوقف الأنشطة العسكرية وإعلان التهدئة وانضواء الحركات الإسلامية في النظام السياسي، يفتح الباب على مصراعيه لتطور نمط المقاومة والكفاح الشعبي الجماهيري الذي برزت من خلال القوى الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني.

 

الاستنتاج الثالث: إن انتخابات الرئاسة، والتنافس الذي جرى بين سبعة مرشحين، وحدة التنافس الجدي بين أول مرشحين، قد كرس التعددية السياسية مثلما كسر حاجز الخوف لدى بعض قوى المعارضة.

 

"
نظرية استقطاب المجتمع الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح لم تكن يوما وليست الآن صحيحة، والانتخابات الرئاسية أثبتت وجود تيار ثالث ديمقراطي قوي ومؤثر
"
فقد اتضح للجمهور أن الكثير من الوعيد والتهديد الذي أطلقه البعض خلال الانتخابات كان فارغ المضمون، مثلما أن الكثير من المغريات التي تم عرضها بدت زائفة في الأسبوع الأول بعد الانتخابات.

 

والخلاصة أن الاندفاع والجرأة للمشاركة السياسية ستكون أكبر في المستقبل، وتثبت في فلسطين ما ثبت في بلدان كثيرة قبلها، أن الديمقراطية تتحقق بالنضال من أجلها، ولا يمكن أن يكون هناك نضال ديمقراطي دون قوى معارضة ديمقراطية حقيقية وفعالة.

 

الاستنتاج الرابع: ويتعلق بتبدد الوهم الذي يجري الترويج له بأن الإصلاح الشامل والدمقرطة ستحدث من داخل السلطة نفسها ومن داخل الحزب الحاكم، أو أن بعض القوى الصغيرة تستطيع أن تركب قاربين في نفس اللحظة، بأن تكون مشاركة في الحكم القائم ومبحرة في قارب المعارضة الديمقراطية في آن واحد.      

 

ورغم التأكيد بوجود اتجاهات وأشخاص ديمقراطيين وراغبين في الإصلاح داخل حركة فتح، فإن الصراعات الجارية فيها يغلب عليها طابع التنافس على مراكز النفوذ والسيطرة داخل السلطة نفسها.

 

ومع مرور كل يوم يبدو واضحا أن فئة اجتماعية قد تكونت كقاعدة للسلطة منذ أوسلو، وأن جهوداً تبذل لتوسيع هذه القاعدة، لتكون قاعدة للحل المنقوص وفكرة الدولة المؤقتة دون سيادة.

 

إن الادعاء بأن فتح هي حزب السلطة وهي قوة المعارضة في نفس الوقت ليس إلا محاولة لتقليد أنظمة شمولية لم ترحمها الحياة ولا تجارب التاريخ.

 

وليس من الاستقامة الأخلاقية أو من مظاهر احترام عقل الجمهور وحكمه أن يتبارى بعض المشاركين في الحكومة في انتقادها، ويغرفوا في نفس الوقت من مكاسبها.

 

لقد وفرت الانتخابات الرئاسية فرصة للجمهور للمفاضلة بين برامج ورؤى وتوجهات مختلفة، سواء على صعيد النضال الوطني، أو الإصلاح الداخلي، أو ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية. كما أن البرامج التي طرحت تشكل أساسا للمساءلة من الآن فصاعدا، وفي ذلك تكمن جدية النظام الديمقراطي.

 

ولعل دراسة معمقة لنتائج استطلاعات رأي المصوتين خلال يوم الانتخابات والتي حدد بعضها صفات ودوافع المصوتين، تظهر مدى ضخامة الطاقة الكامنة لدى تيار المعارضة الديمقراطية.

 

فالذين صوتوا له كانوا عموماً من الأصغر سنا، والأكثر تعليما، والذين يريدون حلاً جذريا للقضية الفلسطينية وتطهيراً شاملاً للفساد والمحسوبية وغلب عليها طابع كونهم من العاملين في القطاعات الإنتاجية المستقلة عن الجهاز الحكومي، وكان أغلبهم من المستقلين سياسياً.

 

"
إذا كان الاحتلال عائقاً للممارسة الديمقراطية فإن واجبنا هو إفشال تحوله إلى مانع لهذه الممارسة، وذلك مغزى النهج الذي اعتبر الانتخابات الديمقراطية وسيلة مقاومة كفاحية سلمية
"
وبالطبع فقد أثرت ضخامة عدد العاملين في الجهاز الحكومي واستخدام بعض الأجهزة الأمنية بكل طاقاتها على نتائج الانتخابات بصورة واضحة.

 

إن الانتخابات الحرة المباشرة هي شرط لا غنى عنه لأي نظام ديمقراطي، غير أن الانتخابات وحدها لا تعني وجود نظام ديمقراطي.

 

ولا شك أن انتخابات الرئاسة قد كشفت عدة عيوب وإشكاليات أساسية تمثل عقبات لا بد من تجاوزها إن أردنا بناء نظام ديمقراطي حقيقي.

 

وسنحاول فيما يلي استعراض أهم هذه العقبات، التي تمثل إزالتها شروطاً لبناء نظام ديمقراطي:

 

أولا إنهاء الاحتـلال: إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي وما يرافقه من تقطيع لأوصال الأراضي الفلسطينية كان وما زال العقبة الرئيسية في بناء نظام ديمقراطي كامل.

 

وإذا كان الاحتلال عائقاً للممارسة الديمقراطية فإن واجبنا إفشال تحوله إلى مانع لهذه الممارسة، وذلك مغزى النهج الذي اعتبر الانتخابات الديمقراطية وسيلة مقاومة كفاحية سلمية، ولذلك كان تحدي إجراءات الاحتلال والوصول للقدس والإصرار على إشراكها في الانتخابات أمراً حتمياً.

 

ومن البديهي أن الديمقراطية لن تكتمل ما لم يتم إنهاء الاحتلال، وتجربة الانتخابات الرئاسية وما رافقها من اعتداءات وإعاقات واعتقالات وتمييز بين المرشحين هي مجرد دليل على ذلك.

 

ثانيـا فصل الحزب الحاكم عن جهاز السلطة والدولة المنشودة وإقرار قانون للأحزاب السياسية بما في ذلك قانون لتمويل الأحزاب.

 

إذ تقتضي الديمقراطية الحقيقية تكافؤ فرص كافة الأحزاب والقوى السياسية في خوض الانتخابات. ويحرم القانون على أي مرشح أو حزب استغلال أجهزة السلطة لصالحه.

 

ومن المعروف أن حركة فتح، بحكم دورها التاريخي، قد تصرفت كحزب حاكم ومسيطر تماما على منظمة التحرير، وبعد ذلك على السلطة الفلسطينية على مدار حوالي أربعين عاماً.

 

وإذ يسجل لفتح رفضها مصير جبهة التحرير الجزائرية وقبولها الاحتكام للانتخابات الديمقراطية، فإن مصلحتها إن أرادت الحفاظ على قدرتها التنافسية وشروط النظام الديمقراطي، تقتضي انفصالها عن جهاز السلطة المدني والأمني.

 

ولهذا الانفصال ثلاثة أبعاد:

1- البعد الذهني: أي القبول من حيث المبدأ باحتمال فوز حزب أو حركة منافسة بالانتخابات وبالتالي تسلمها لموقع القيادة. وهذا يعني التخلي عن فكرة أن السلطة والثورة والدولة هي ميراث لحزب أو قائد مهما علا شأنه.

 

"
 النظام الديمقراطي ليس آليات شكلية تستخدم لاستمرار الوضع القائم أو للمناورة، وبالتالي فليس من الممكن تصور انتخابات ديمقراطية حقيقية دون إقرار قانون للأحزاب
"
إن وضع شروط واضحة للعلاقة بين الحزب الفائز والسلطة أمر في مصلحة الجميع بما في ذلك فتح، إذا أرادت أن تعود لاستلام مقاليد السلطة في حال فقدانها ومن خلال نفس الانتخابات الديمقراطية.

 

2- البعد البيروقراطي: وهو فصل يطالب به العديد من قادة حركة فتح وخاصة من الأجيال الشابة الذين يجدون أنفسهم مطالبين بتحمل مسؤولية ما وقع من فساد وسوء إدارة وأداء في أجهزة السلطة، وان كان يصعب على الكثير منهم تصور إمكانية التخلي عن عادات الاستفادة من امتيازات السلطة واحتكارها.

 

وليس من السهل الاستخفاف بصعوبة تحقيق هذا الفصل الذي يعني الاعتماد على الحزب وصلته بالجماهير وتمثيله لمصالحها، دون الاتكال على أجهزة السلطة وموظفيها وأجهزتها الأمنية ومواردها المالية. ويكفي أن نذكر في هذا المجال أن موظفي الأجهزة الأمنية وغالبيتهم الساحقة من فتح يصل عددهم إلى 58.000 شخص من بين 133.000 أي ما يعادل 44% من مجموع موظفي الدولة الذين يكلفون خزينتها 938 مليون دولار سنويا.

 

وقد يبدو الأمر للبعض ضريبة قاسية، ولكن قسوتها تهون عند مقارنة ذلك بما يقود له استمرار الوضع القائم من انهيار جارف كانت انتخابات بلديات غزة العشرة مجرد مؤشر له.

 

3- البعد المالي: فهو منع استخدام أو احتكار مقدرات السلطة ودخلها المالي من ضرائب المواطنين، والرسوم التي يدفعونها لصالح حزب أو مجموعة فصائل. وللإنصاف لا بد من القول إن الاستفادة المالية تمتد لتشمل عددا من الفصائل، لا يتجاوز حجم بعضها أعشار بالمائة من التأييد الشعبي.

 

إن الديمقراطية لا تتجزأ والنظام الديمقراطي ليس آليات شكلية تستخدم لاستمرار الوضع القائم أو للمناورة، وبالتالي فليس من الممكن تصور انتخابات ديموقراطية حقيقية دون إقرار قانون للأحزاب بما في ذلك قانون لتمويل الأحزاب من الدولة، يحمي هذه الأحزاب من تدخل أطراف أجنبية أو خارجية ويوفر لها تمويلاً يتحدد بمقدار التأييد الشعبي الذي تحظى به في الانتخابات.

 

وقد حلت الأنظمة الديمقراطية هذه المعضلة بتحديد تمويل مالي للأحزاب من موازنة الدولة، يتناسب طردياً مع النسب التي تحققها في الانتخابات العامة.

 

وهكذا فإن المواطن يقرر بنفسه من خلال تصويته ليس فقط حجم التأييد الذي يمنحه لكل حزب، بل وأيضا حجم التمويل الذي يناله هذا الحزب من الأموال التي يقدمها المواطن نفسه كدافع للضرائب، ويساعد على ذلك تحديد قانون الانتخابات الجديد لسقف أعلى للصرف المالي على الحملات الانتخابية.

 

ثالثا فصل القضاء عن السلطة التنفيذية وإنشاء نظام قضاء مستقل: ولا يحتاج هذا الأمر، كما أظن لشرح أو تفصيل، فما من قضية كتب فيها، وبحث في أبعادها، وجرى إنفاق الملايين في التدريب على إنشائها مثل قضية إنشاء نظام قضاء مستقل.

 

"
إصلاح الأجهزة الأمنية يعني، بالإضافة إلى إنهاء التعددية في مرجعياتها وتخفيض عددها،  خضوعها لسيادة القانون والسلطات المنتخبة، وخضوعها للمساءلة من قبل المجلس التشريعي المنتخب
"
ومع ذلك لا توجد حتى الآن أية خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، وبدون قضاء مستقل لا يوجد سيادة للقانون، ولا مساواة أمام القانون، بل لا توجد مرجعية للنظام السياسي والعلاقات المجتمعية بكاملها.

 

رابعا إصلاح شامل للأجهزة الأمنية: والإصلاح المقصود هنا، هو ذلك النابع من الدوافع والمصالح الفلسطينية، وليس ما تحاول فرضه بعض الضغوط الخارجية، وخاصة الإسرائيلية.


إن إصلاح الأجهزة الأمنية يعني، بالإضافة إلى إنهاء التعددية في مرجعياتها وتخفيض عددها وعدد العاملين فيها:

1- خضوعها لسيادة القانون والسلطات المنتخبة.

2- خضوعها للمساءلة من قبل المجلس التشريعي المنتخب.

3- كما أن هذه الأجهزة تعمل في خدمة الشعب بأسره وذلك يعني إنهاء تسييسها أو تحزبها لفصيل معين، وامتناع قادتها عن القيام بأية نشاطات سياسية أو إعلامية.

4- عدم تدخلها أو ممارستها لأنشطة اقتصادية أو احتكارية.

5- وأن يجري تغيير دوري في فترات محددة سلفاً لقادتها ضمن نظام محدد قانونياً.

6- منع تدخل الأجهزة الأمنية في الانتخابات أو مشاركتها بالدعاية الانتخابية أو محاولة التأثير في نتائجها.

 

خامسا إنعاش منظمة التحرير الفلسطينية عبر الإصلاح الديمقراطي: فمن المتعارف عليه أن منظمة التحرير تمثل مرجعية للسلطة الفلسطينية، والطرف الرسمي المفاوض باسم الفلسطينيين، وهو أمر لا يتفق في الواقع مع حالة التهميش التي تعيشها أجهزتها، التي تحولت إلى بند صرف على موازنة السلطة الفلسطينية، كما أنه لا ينسجم مع حقيقة غياب الانتخابات الديمقراطية لهيئاتها، وعدم انعقاد مجلسها الوطني منذ عام 1998.

 

بل إن التركيبة الحالية للجنتها التنفيذية تنتمي للماضي، فبعض أعضائها لم يعودوا يمثلون سوى أنفسهم، أو قوى لا تتمتع بتأييد شعبي ملموس، وبالمقابل فإن قوى رئيسية وفاعلة ليست ممثلة فيها.

 

إن إنعاش منظمة التحرير الفلسطينية وضمان عدم ذوبانها الكامل في جهاز السلطة، يستدعي أولاً إجراء انتخابات ديمقراطية جديدة لهيئاتها، ومن ثم تحديد دقيق لتقسيم الوظائف والصلاحيات بين هذه الهيئات ومؤسسات السلطة الفلسطينية.

 

ولا بد من استبدال نظام الكوتا والمحاصصة بنظام يقوم على أساس الانتخاب الديمقراطي، وإذا كان هناك اتفاق على أن يصبح أعضاء المجلس التشريعي المنتخبون أعضاء ممثلين للداخل في المجلس الوطني، فلا بد من إجراء انتخابات لعدد مماثل لممثلي الشعب الفلسطيني وجالياته في الشتات.

 

"
لقد ظل الفلسطينيون يتساءلون خلال الانتخابات الرئاسية عن السبب في أن العراقيين المقيمين بالخارج شاركوا في الانتخابات العراقية، أما الفلسطينيون المهجرون قسراً فمحرومون من ممارسة هذا الحق
"
لقد كان الفلسطينيون يتساءلون خلال الانتخابات الرئاسية عن السبب في أن العراقيين المقيمين بالخارج شاركوا في الانتخابات العراقية، أما الفلسطينيون المهجرون قسراً فمحرومون من ممارسة هذا الحق.

 

إن توفر النية الصادقة لإشراك فلسطينيي الشتات في انتخابات المجلس الوطني ومن ثم إيجاد الآليات المناسبة لتحقيق ذلك، سيضمن وقف تجزئة القضية الفلسطينية وردم الهوة التي نشأت بين الداخل والخارج بعد أوسلو، وسيغلق الطريق على محاولات تصفية قضية اللاجئين، أو تحويل فكرة الدولة إلى حكم ذاتي منزوع السيادة.

 

بل لعل هذه الانتخابات تساعد على بلورة آلية ديمقراطية لقيادة وإستراتيجية ورؤية فلسطينية موحدة، نحن في أشد الحاجة لها في هذه الظروف الصعبة.

 

سادسا التحول من نظام الزبائنية والتعصب الفصائلي إلى تمثيل مصالح الناس: فتطور النظام الديمقراطي الفلسطيني يرتبط كذلك بالانتقال من نظام التبعية الزبائنية للأحزاب السياسية، حيث يقوم كل حزب وفصيل بالاعتناء أساساً بمصالح أعضائه وتوفير الامتيازات لهم من بعثات ووظائف ومساعدات وخدمات اجتماعية.

 

فيما يعمق ذلك التعصب التنظيمي والفصائلي، ويضيع حقوق الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب، إلى نظام تجتهد فيه كل قوة سياسية لتمثيل مصالح فئات اجتماعية معينة ومناصرة سياسات تحقق تطلعاتها، وتستمد بالتالي مكانتها من خلال إقناع الناخبين بالتصويت لها.

 

وهو ما يجعلها بالتالي مساءلة أمام الناخبين عن تنفيذ السياسات التي وعدت بها. وهذا يعني تكريس وضع قانوني وعملي تصبح فيه أجهزة الدولة –السلطة– والجمعيات والمؤسسات والبلديات في خدمة مصالح الناس دون تمييز بينهم على أساس فئوي أو فصائلي.

 

 

ويشكل هذا التطور الأساس المتين لإلغاء ما يجمع معظم الناس، حسب استطلاعات رأي حديثة، على اعتباره الشكل الأبرز للفساد وهو المحسوبية في التوظيف والترفيع وتلقي الخدمات وحتى في الحصول على المنح الدراسية.

 

وسيعني ذلك وضع قيود على ممارسات بغيضة، تجلت في بعض الانتخابات الطلابية الأخيرة بتقديم منح مالية لإقناع الطلبة بالتصويت لأطراف معينة.

 

سابعـا دورية الانتخابات التشريعية والرئاسيـة: وهي انتخابات يجب أن تجري في مواعيدها مهما كانت الظروف، وقد كشفت الأحداث زيف الذرائع التي استخدمت سابقاً لتعطيل وتأجيل الانتخابات، ومن ضمنها الواقع السياسي.

 

"
طريق الديمقراطية لم يكن يوما سهلا، ومن المؤكد أن شقه لن يتم بدون قوى ديمقراطية تسعى دون كلل لدفع عملية التطور الديمقراطية ولإزالة الشوائب والنواقص
"
فلم تكن هناك ظروف أصعب وأسوأ من تلك التي سادت خلال إجراء الانتخابات الرئاسية، ومع ذلك فقد تمت بنجاح معقول.

 

إن معرفة الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية مسبقاً بأن المنتخبين سيخدمون لفترة معينة لا تتجاوز 4-5 سنوات، سيكون من أهم العوامل التي تثبت مبدأ المساءلة والعناية بالمواطن والاهتمام برأيه والتواصل معه.

 

ثامنا إجراء الانتخابات الدورية لكافة المؤسسات وخاصة النقابات العمالية والمهنية والغرف التجارية: إذ لا يعقل أن تجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية وفي صفوف الجمعيات الأهلية والبلديات، في حين تبقى النقابات العمالية بمعزل عن هذه العملية، ومن حق وواجب المعلمين والعمال أن يطالبوا ويعملوا على إجراء هذه الانتخابات.

 

تاسعا حيادية الإعلام: ولعل الإعلام الرسمي كان أبرز الفاشلين في الانتخابات الرئاسية، فقد أشار تقرير المراقبين الأوروبيين الدوليين إلى أن التلفزيون الرسمي الفلسطيني قد منح 93% من تغطيته خلال فترة الانتخابات لمرشح حركة فتح، وتراوح ما حصل عليه باقي المرشحين ما بين 1-3% من التغطية.

 

وتبين رغم محاولات مراسلين شجعان عديدين، أن الإعلام الفضائي العربي ليس حياديا ولا مستقلاً، وأنه أيضا محكوم بمواقف سياسية وأحكام وتدخلات مسبقة.


ويشكل الانحياز الإعلامي أبرز نقاط الضعف في النظام الانتخابي الفلسطيني، ولا بد من وسيلة لمعالجة ذلك قبل حلول موعد الانتخابات التشريعية التي ستشهد منافسة أكثر شدة وحدة مما سبقها.

 

عاشرا سلامة القوانين الانتخابية والاستقلالية الكاملة للجنة الانتخابات المركزية: ويشمل ذلك القبول بمبدأ التمثيل النسبي بما يساعد على تطوير الحياة السياسية الديمقراطية، وبنسبة لا تقل عن نصف عدد أعضاء المجلس التشريعي، بالإضافة إلى ضمان تمثيل حقيقي وفعال للمرأة الفلسطينية، بنسبة لا تقل عن 20% لكافة المقاعد وليس ثلثها فقط، كما تقترح القراءة الثانية التي أقرها المجلس التشريعي.

 

وكذا فتح الباب لمشاركة أوسع للشباب الفلسطيني، بالإضافة إلى إجراءات مثل إلغاء السجل المدني الذي سبب فرضه على لجنة الانتخابات المركزية بلبلة واسعة، وأدي إلى حدوث تجاوزات وصلت حد التصويت المتكرر وتشويه العملية الانتخابية خلال انتخابات الرئاسة.

 

وقد أشار تقرير المراقبين الأوروبيين بهذا الصدد إلى أن قرار المجلس التشريعي استعمال السجل المدني في عملية التصويت بالإضافة إلى سجل الناخبين المسجلين، وضع عبئاً هائلا على كاهل العملية الانتخابية، فالسجل المدني غير موثوق به -وهو موروث من سلطة الاحتلال- وأثر استعماله بشكل سلبي على الإدارة الصحيحة لعملية التصويت.

 

وقد زاد الطين بلة، ما يشير إليه تقرير المراقبين الدوليين بأن "قرار لجنة الانتخابات المركزية تغيير إجراءات الانتخابات في الساعات الأخيرة اتخذ بعد ضغط جدي وثابت من السلطة، وأدي إلى إقدام بعض مسؤولي الانتخابات إلى تقديم استقالاتهم، وإن مثل هذا الضغط يعتبر غير مقبول في أية انتخابات ديمقراطية، وعلى القيادة الفلسطينية أن تعمل بقوة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث التي تضر بنوعية ومصداقية العملية الانتخابية".

 

إن طريق الديمقراطية لم يكن يوما سهلا، ومن المؤكد أن شقه لن يتم بدون قوى ديمقراطية تسعى جاهدة ودون كلل لدفع عملية التطور الديمقراطية، ولإزالة الشوائب والنواقص التي تعترض طريقها.

 

وإذا كان البنيان الديمقراطي يوفر للمواطن الفلسطيني حقوقه وأمنه ومستقبله، فما من شك أنه قد غدا شرطاً حيوياً لإنقاذ القضية الوطنية من مخاطر التصفية، ومؤامرات شارون التي لا تنقطع لتشويه فكرة الدولة وتقرير المصير بتحويلها إلى حكم ذاتي هزيل معدوم الصلاحيات، في إطار نظام تمييز عنصري "أبارتايد" لا يمكن أن يقبله الشعب الفلسطيني أو يتعايش معه.

 

وقديما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟" وما من شك، في أن الأحرار وحدهم يستطيعون تحقيق حرية شعبهم من عبودية الاحتلال والاضطهاد العنصري.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة