كارثة أخرى تحل بالمسلمين في الأندلس   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ راشد الغنوشي

لاتزال الجروح الغائرة التي أحدثتها التفجيرات المروعة لقطارات الصباح المتجهة إلى مدريد يوم 11 مارس/آذار وأودت بحياة زهاء مائتي نفس بشرية من مختلف الأعمار والديانات، كما تسببت في جرح الآلاف بينما كانوا متجهين إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم، لاتزال بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر تمثل جرحا غائرا لا يفتأ عالم الصحافة والفكر في إسبانيا وفي الغرب عامة يثيره ويتعامل معه باعتباره 11/9 أوروبا في رسم صورة الإسلام والمسلمين ومنهاج التعامل معهما.

ورغم المحاولات اليائسة التي كانت بذلتها حكومة اليمين عقب الواقعة لإلصاق التهمة بمنظمة الباسك الانفصالية (إيتا) التي تقاتل من أجل الاستقلال، فقد باءت محاولاتها بالخيبة ودفعت ثمنا باهظا لمغالطتها الرأي العام سعيا وراء منافع انتخابية، إذ كانت كل المؤشرات تتجه إلى فوزها جزاء وفاقا لأدائها البارع في المجال الاقتصادي.

رغم ما واجهته من معارضة شديدة قادها اليسار تقابلا مع سياساتها الخارجية وخاصة عندما عمدت حكومة أزنار إلى شق الصف الأوروبي وتحالفت مع الولايات المتحدة في حربها على العراق، فقد أصرت هذه الحكومة على متابعة تلك السياسة متحدية المظاهرات المليونية التي اندلعت في وجهها وما كشفت عنه استطلاعات الرأي العام من أن 80 % من الشعب الإسباني كانوا ضد المشاركة في الحرب.


رغم المحاولات اليائسة التي بذلتها حكومة اليمين في إسبانيا عقب تفجيرات مدريد لإلصاق التهمة بمنظمة "إيتا" فقد باءت محاولاتها بالخيبة ودفعت ثمنا باهظا لمغالطتها الرأي العام
وكان معارضو الحرب بقيادة اليسار يحذرون من عواقب تلك السياسة على علاقة إسبانيا بالعالم العربي وبأوروبا وبالخصوص على الأمن الداخلي للبلد وخطر تعرضه للأعمال الإرهابية, فجاءت التفجيرات في ظرف حرج جدا لليمين الحاكم مصدقة بذلك أطروحات القوى المضادة للحرب التي يقودها اليسار.

هذا اليسار الذي لم يتوان في تعبئة كل قواه الكامنة في آخر لحظة لتأكيد أطروحته من أجل التأثير على الرأي العام وفق منطق: ألم أقل لكم ! ولم يجد اليمين الحاكم بدا من اللجوء إلى المغالطة وتوجيه الرأي العام بعيدا عن ساحة الحرب مع العراق في محاولة لربط التفجيرات بالصراعات الداخلية المزمنة مع منظمة الباسك التي يتهم اليسار بالقرب منها.

ولكن الرأي العام المعبأ أصلا ضد سياسة اليمين -الذي ورط البلد في حرب أميركا- والذي استشاط غضبا من مغالطات الدعاية الرسمية، خرج في مسيرة عارمة وغير مسبوقة صوب صناديق الاقتراع (بلغت نسبة المشاركة 77%) معبرا عن كراهيته لتلك السياسات مستنكرا المغالطات الرسمية التي مارستها الإدارة بقيادة اليمين.

فحصلت المفاجأة وتفوق اليسار تفوقا غير متوقع بتسجيله ست نقاط زائدة على حساب منافسه الحاكم بينما كانت كل المؤشرات تبشر بعكس ما حدث، وهكذا كان عقاب الرأي العام للكذب الرسمي صارما حاسما وخرج زعيم اليسار الشاب ثاباتيرو منتصرا ومعلنا التزامه بوعوده الانتخابية في سحب الجيش الإسباني من ساحة الحرب في العراق خلال ثلاثة أشهر، ناعتا الحرب على العراق بأقسى الأوصاف معتبرا إياها كارثة عظمى وأنها غزو لبلد وإهدار لسيادته ولدماء أهله استنادا إلى الكذب والخداع.

وفعلا بادر إلى تنفيذ وعده في تحد لهيمنة الولايات المتحدة صانعا سابقة خطرة على التحالف مع أميركا داعيا زعماء التحالف معها إلى الاعتراف بتلك الكارثة والقيام بنقد ذاتي حتى لا تتكرر في مكان آخر.

وإزاء هذا الحدث الغني بالدلالات نجد مناسبا إبراز العبر والنتائج التالية:

* لا مجال للإرهاب في الإسلام:
الآن وقد ثبتت - للأسف- نسبة هذه الكارثة إلى عناصر تنسب أعمالها الإجرامية إلى الإسلام، فإن الواجب يفرض على كل من توفر عقله على حظ من الوعي بقيم الإسلام ومقاصده الإنسانية وعلى كل من في قلبه ذرة من غيرة، أن يعلن براءته من تلك الأعمال الإجرامية وأن يعتقد أو يستيقن أن مثل هذه الأعمال العدوانية التي استهدفت مدنيين بالقتل العشوائي لا يمكن أن تجد لها سندا من أصول الجهاد في الإسلام "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة آية 188).

فالقتال إنما يتجه لمقاتلين "وكأنّ المراد بالذين يقاتلونكم متهيئين لقتالكم أن لا تقاتلوا الشيوخ والنساء والصبيان، والمقاتلة مفاعلة وهي حصول الفعل من جانبين " تفسير التحرير والتنوير ص (200و201 ) للعلامة الطاهر ابن عاشور. "وقوله "ولا تعتدوا" أي لا تبتدئوا الاقتتال وقيل أراد ولا تعتدوا في القتال إن قاتلتم، ففسر الاعتداء بوجوه كثيرة ترجع إلى تجاوز أحكام الحرب والاعتداء الابتداء بالظلم (واقتلوهم حيث ثقفتموهم ...) البقرة 189 أي حيث لقيتموهم لقاء حرب". نفس المصدر، ص 201.

فهل كان راكبو قطارات مدريد صباح ذلك اليوم التعيس في حالة حرب، ومن السلطة التي أعلنت عليهم الحرب وهل يحل الغدر في دين الإسلام؟ وهل هم مسؤولون عن قرار حكومتهم الظالم بمشاركتها في العدوان على العراق وأين موقع ذلك من قاعدة: "ألا تزر وازرة وزر أخرى" (النجم 36), وهل هم قصروا في الاحتجاج عليها وقد خرجوا في حشود مليونية يرفعون أصواتهم بالاحتجاج وها هم قد عاقبوها في أول مناسبة للعقاب في بلد متحضر، فهل يجعلهم ذلك مستحقين للعقاب أم للثناء؟ وهذا ما يجعل ذلك الفعل الشنيع عاريا من كل مشروعية دينية و"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" (الرحمن).

أما من جهة مصلحة المسلمين أي الحكم على ذلك الفعل بنتائجه ومآلاته، والمبادئ هي الأصل في الحكم على أفعال العباد ما كانت بينة جلية، غير أن الاعتبار بالنتائج مهم لاسيما في حال غياب النص، وهو في صورة الحال ليس غائبا.

إن الأصل منع العدوان ورفض مقولة الغاية تبرر الوسيلة، فالوسيلة ينبغي أن تكون شبيهة بالغاية من جهة النقاء، أما من جهة النتائج والمآلات لمثل هذه الأفعال فالشرّ فيها والضر واضحان، فقد اعتبرت أحداث 11/3 هي 11/9 أوروبا بكل ما جرت تلك من كوارث على الإسلام وأهله، قيما ومؤسسات ودولا وحركات وأقليات وأموالا، مقابل ما حملته من هدايا ثمينة لقوى الهيمنة والاستئصال داخل الولايات المتحدة وخارجها وبالخصوص في عالم العروبة والإسلام وحلفائها وبالخصوص الكيان الصهيوني وما ساد في العالم من لغة السلاح وفرض الحصار على الإسلام وأهله.

يكفي أن تتخيلوا حالة ومصير نصف مليون مسلم في إسبانيا الذين أغلقوا عليهم الأبواب، فما يجرؤون حتى على ابتياع الخبز واللبن لأطفالهم، لقد عمهم الخوف بعد أن احمرت الحدق من حولهم وامتدت موجة الغضب إلى بقية أقطار أوروبا، فتداعى قادتها إلى جمع رؤساء مؤسساتهم الأمنية وبالخصوص بعد تصاعد أصوات الحمقى بالتهديد لفرنسا.

حق لبوش أن يبتهج بعد أن تلقى هذه الهدية وكان يتهيأ لاستقبال رؤساء الدول الثماني فتدعم موقفه لولا ما تكيله المقاومة في العراق لجنوده وآلياته والمتعاونين معه من ضربات قاصمة، ولولا الصمود البطولي لأبطال غزة ورفح وجنين في وجه حليفه الصهيوني، مما خفف من وطأة كارثة 11/9 و11/3 على المسلمين وحدّ من توظيف شارون وبوش وحلفائهما للحماقتين المذكورتين في حربهما الصليبية على الإسلام وخططهما للهيمنة العالمية وفي مهمة تنشيط حملة الأخير الانتخابية المتمحورة حول الحرب ضد الإرهاب.

والإرهاب في سبيله إلى أن يتحول مسمى آخر للإسلام بفضل جهود المنظمات الحمقاء التي لا تفتأ تجند العالم ضد الإسلام وضد كل ما يمت إليه بصلة وتعمل ليل نهار على تسخين الأجواء ضد مبادئه وقضاياه وأقلياته.

ولكم أن تتابعوا بعض ما ينشر في الصحافة الإسرائيلية وما تنقله من أخبار عن انشغالات الحركة الصهيونية بما وصفته بالحركة الجارية بسرعة على أسلمة أوروبا بعد -أن فشلت جهود المسلمين في تحقيق شيء من ذلك طيلة القرون السابقة- فكان انتشار الإسلام في هذه القارة من أعظم إنجازات الأمة في القرن العشرين، وكان ذلك مصدر همّ وغم وكيد القوى المعادية للإسلام وبالخصوص الصهاينة التي وجدت ضالتها تأليبا على الإسلام وأهله وتشويها لهما في ما دأبت على عرضه من صور شائهة للإسلام مجموعات إسلامية حمقاء أدمنت على تقديم الإسلام وكأنه النقيض من كل وجه لكل منجزات الحضارة من حرية وديمقراطية وحقوق إنسان وفنون وآداب وتعايش سلمي بين البشر ومشاركة وتكريم للمرأة.


للتذكير فإن بعض الدول الأوروبية بصدد إعداد مشروع قانون يطرد بموجبه كل من يشتبه في أنه يمثل خطرا أمنيا على البلد، وهكذا يفعل الأحمق بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه
فتتلقف ذلك القوى المتربصة بالإسلام وبالخصوص الصهاينة، مما عرّض الأقليات الإسلامية الطرية لأخطار العزلة والتهميش وقد يصل حتى إلى الاعتداء الجماعي عليها بالطرد، والذاكرة التاريخية للشعوب الأوروبية وبالخصوص الإسبانية عامرة بما فعل الأجداد، وما يفتأ الأحفاد ينبهون إلى خطر عودة هادئة للإسلام يصفها البعض بالغزو.

وللتذكير فإن بعض الدول الأوروبية بصدد إعداد مشروع قانون يطرد بموجبه كل من يشتبه في أنه يمثل خطرا أمنيا على البلد، وهكذا يفعل الأحمق بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه، ولقد جاءت حوادث تجنيد عدد من الشباب الإسلامي الأوروبي للقيام بعمليات استشهادية في عدد من الساحات القتالية وبعضها ضد جيش بلادهم لترسخ فكرة وشعور "الخطر الإسلامي" وهو ما أطلق عليه منشور حزب يميني "العدو بين أظهرنا".. وهكذا يفعل الأحمق بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه.

* أما من الجهة الإسبانية التي هي بلد مجاور للعرب ويرتبط بعلاقات صداقة وشراكة، فقد كان خطؤها جسيما على أكثر من مستوى، عربيا وإسلاميا وأوروبيا وأخلاقيا، ولم يتأخر الشعب الإسباني في إدانة تلك السياسات وكانت الانتخابات حاسمة في التعبير عن رفض أغلبية الشعب الإسباني لتلك السياسات، وتلك هي الوسائل التي تنتهجها الديمقراطية لرفض السياسات الخاطئة ومعاقبة القائمين عليها.

بينما تتراكم الأخطاء في البلاد المنكوبة بأنظمة غير ديمقراطية. فلا مسيرات ولا صحافة حرة ولا انتخابات بما لا يبقي سبيلا للتغيير غير الانفجارات العنيفة أو الشعبية.

* ورغم خطأ تلك السياسات المتطرفة التي قادها اليمين وبالخصوص اشتراكه في العدوان على العراق وعلى العرب وعلى المسلمين وعلى كل ضمير فهي جديرة بالاحترام والتنويه، ورغم ظهور تحول واضح في اتجاه الرأي العام ضد حكومة اليمين فقد مضت قدما في إنفاذ الانتخابات كما كان مقررا، ولم تفكر في استغلال الحدث الزلزال واتخاذه سببا لإلغائها رغم إدراكها العميق لتأثير هذا الحدث الصاعقة على النتائج التي جاءت بالفعل لغير صالحها.

فلا هي أجّلت الانتخابات ولا أعلنت حالة الطوارئ بل دعت الشعب إلى التظاهر فخرج لأول مرة في تاريخ البلد حوالي 11 مليون متظاهر، تعبيرا عن تضامنهم مع الضحايا بينما كانت أحداث أهون من تلك بكثير في بلد عربي كافية لفرض حالة طوارئ على البلد معلنة أو مضمرة، وهو حال كل بلاد العرب تقريبا أحيانا بذريعة وجود العدو الإسرائيلي، رغم أن ذلك العدو ظلت الانتخابات عنده منتظمة وبعيدة عن كل غش، وأحيانا بتعلة وجود "إرهاب إسلامي" وأحيانا بسبب حدث فردي، يلفه الغموض مثل "حادث باب سويقة المؤسف" في تونس، الذي اتخذ مبررا لتصفية المعارضة الرئيسية.

المهم البحث عن أي سبب لتعطيل سير الانتخابات العادية والمحاكم وتكميم الأفواه وإطلاق يد البوليس في أرواح الناس وأعراضهم وأبدانهم وأموالهم، والعبث بإرادة الشعب تزويرا للانتخابات بينما اليمين الإسباني الحاكم لم يفعل من ذلك شيئا، بل أصر على المضي قدما في العملية الانتخابية إلى نهاياتها وانتظر حكم الشعب حتى إذا نطقت به صناديق الاقتراع لا صناديق الذخيرة لم يتردد في الإعلان عنها وتهنئة الحزب الاشتراكي الفائز فهنيئا لإسبانيا الديمقراطية وتعسا لأنظمة العربان الخائبة.

* بعد إعلان براءة الإسلام وأهله من تلك الأعمال الإجرامية الحمقاء والتعزية لشعب إسبانيا، تهنئة خاصة، لا على ديمقراطيته وحسب وإنما على تجدد الروح التحررية في أوسع قطاعاته التي عبر عنها بمظاهراته المليونية العفوية السنة الماضية احتجاجا على الحرب العدوانية على العراق، كما عبر عنها بأسلوبه في التظاهر والاحتجاج ضد "الإرهاب" الذي ضربه في الصميم وأدمى قلبه في العمق ومع ذلك حافظ على مستوى حضاري وإنساني رفيع، إذ لم يرفع شعارا واحدا ضد العرب ولا ضد المسلمين بل كانت شعاراته دعوة للسلم والسلام- رغم بعض الأصوات النازية الشاذة- وهو ما كان مصدر غيظ إحدى الصحف الإسرائيلية التي اعتبرت أن الثقافة الثورية المنتشرة في الغرب معبأة فقط ضد الإمبريالية الأميركية والصهيونية أما غيرهما فمحصن مهما فعل.

* لوحظ غياب شبه كامل للصوت الإسلامي في إسبانيا رغم وجود ما يناهز نصف مليون من المسلمين معظمهم عمال مغاربة ينشط وسطهم عدد من المراكز الإسلامية والمساجد والجمعيات، ومع عظم الأخطار التي ألقتها عليهم هذه الأحداث المجنونة والتي قد ترتفع إلى مستوى تهديد مشابه لأسلافهم الأندلسيين فقد كانت أصواتهم خافتة وعمهم الخوف، باستثناء تجمع احتجاجي بسيط غطته قناة الجزيرة ولقاءات مع بعض النشطاء منهم السيدة المقتدرة نوال السباعي، بينما توارى الآخرون تاركين جمهرة المسلمين يتيمة وكأن جل ما يتقنون هو التنازع فيما بينهم والتكايد وانقلاب بعضهم على بعض وهو النهج نفسه الذي أودى بأسلافهم الأندلسيين, فهل من عودة إلى الرشد تصيب إخواننا فيوقظهم هذا الزلزال من غفوتهم وينتبهوا إلى سرطان التطرف الذي ينخر الكيان الإسلامي ويوقد النيران تحته ومن حوله وهم في خلافاتهم سادرون؟

* رغم البيانات التي صدرت عن عدد من الحركات الإسلامية فإن صوتها لم يصل ارتفاعا وحدة واتساعا في كثير من الأحيان إلى ما يناسب الخطب الجلل والمتكرر: العدوان باسم الإسلام على شعوب آمنة بما يشوه صورة الإسلام ويربطه ربطا ظالما بالإرهاب وبما يهدد علاقات المسلمين وأقلياتهم ومؤسساتهم في العالم.

مطلوب على نفس المستوى بذل جهد كبير لفضح السياسات الدولية والمحلية العدوانية على الإسلام وأهله وقضاياه وبالخصوص في فلسطين والعراق ودعم أنظمة الاستبداد، وبذل جهد فكري وثقافي وتربوي وسياسي لتوعية الرأي العام الإسلامي بخطر خوارج العصر على مصير الإسلام وأهله وحركاته ودوله ومؤسساته وقضاياه حتى يتم عزل الإجرام والعدوان باسم الإسلام، قال تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ", وحتى تبطل تلك الغواية التي أسهمت فيها الأنظمة القائمة وسندها الدولي من خلال ضرب تيار الوسطية والاعتدال وخنقه بما شرع أبواب الجحيم أمام الجميع.


المطلوب بذل جهد فكري وثقافي وتربوي وسياسي لتوعية الرأي العام الإسلامي بخطر خوارج العصر على مصير الإسلام وأهله وحركاته ودوله ومؤسساته وقضاياه حتى يتم عزل الإجرام والعدوان باسم الإسلام
* ما ينبغي الظن بحال أن العمل الإرهابي الشنيع هو الذي أحدث المفاجأة وقلب اتجاه الرأي العام من اليمين إلى اليسار، فالإرهاب شر والشر لا يأتي بخير وإنما الذي قلب اتجاه الرأي العام هو الأسلوب الذي تعاملت به حكومة اليمين مع الحدث إذ تعمدت بشكل مكشوف سافر مغالطة الرأي العام وحجب المعلومات الصحيحة حول الجهة الفاعلة والتعسف في صرف الأنظار إلى منظمة (إيتا) من أجل مصلحة انتخابية وهو ما دفع إلى ما يشبه الانتفاضة الشعبية فزحفت على صناديق الاقتراع جماهير غاضبة تثأر للكرامة القومية التي طالما احتقرها واستهان بها اليمين الحاكم.

لقد خرج حوالي ثلاثة ملايين ناخب عن ترددهم وسلبيتهم منهم أكثر من ربع مليون شاب إلى صناديق الاقتراع فقلبوا موازين القوى وطردوا اليمين من الحكم شر طردة، ووضعوا حدا لحبل الكذب والخداع والاستهانة بسلطة الرأي العام وقدموا النموذج للشباب في الجوار العربي لو تحرك يوما في كثافة وغضب لتصويب الأوضاع كما تحركت جماهير الشباب الإسباني لتضع حدا للكذب والتزوير وعدم الالتفات لسلطة الرأي العام.

إنه درس لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد للحاكم والمحكوم في منطقة القهر المتبقية في العالم، أعني بلاد العرب، متى ستخرج الجماهير بإرادة عارمة حازمة لتضع سكة أمتنا على خط التاريخ الذي يبدأ بإقرار مبدأ التداول السلمي على السلطة: فلا ديمقراطية ولا تقدم ولا إصلاح مع استمرار الازورار عن هذا المبدأ وما عداه فغش وتزوير.

لم تعد سياسة التخويف من الإسلاميين والتذرع بقضية فلسطين لاستمرار أنظمة الاستبداد والفساد تجدي نفعا في تأخير قطار الإصلاحات الذي انطلق في بلادنا منذ قرنين قبل البرتغال وإسبانيا واليابان وكوريا والهند وماليزيا، وانتصبت المصالح الدولية تعيقه مستعينة بأسوأ صور الاستبداد المحلي، فهل تتواصل نفس السياسات بعد أن أخذت القوى الدولية نفسها تكتوي بنيرانها ويتعرض أمنها ذاته ومصالحها للخطر؟ "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله".
ــــــــــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة