جدل داخلي حول عرفات وسياساته وجدوى المقاومة   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة *

- مذكرة للرئيس
- موقف الطرفين من الانتفاضة
- الموقف الفلسطيني الشعبي
- مسار الجدل الفلسطيني

ما الذي يجري في أروقة السلطة الفلسطينية، وبشكل أدق داخل الطاقم القيادي فيها؟ وإلى أين يمضي هذا التقييم الجديد لعامين من انتفاضة الأقصى؟ وما هو الموقف الإسرائيلي من هذه اللغة الجديدة وأصحابها؟ هل يعول الإسرائيليون على رجال السلطة كعدة للمستقبل، أم أن التعامل معهم هو جزء من التكتيك اليومي للوصول بالحالة الفلسطينية إلى مستوى الإحباط؟

أسئلة كثيرة باتت مطروحة على أجندة الوضع الفلسطيني الإسرائيلي منذ أسابيع ليست بالبعيدة، كما باتت متداولة في مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية منها والعربية على نحو ما.


أبو مازن ونبيل عمرو ومحمد دحلان وجبريل الرجوب لم يجدوا بداً من كشف أنفسهم بعدما أخذوا بنصيحة الإسرائيليين الذين طالبوهم بأن يقولوا لعرفات في وجهه ربع ما يقولونه في جلساتهم معهم
ثمة بعدان لهذه اللغة الجديدة كلاهما ذو صلة بالآخر، الأول يتصل بالموقف من الرئيس الفلسطيني وأساليب عمله، في حين يتصل الثاني بالموقف من أساليب النضال الفلسطيني خلال العامين الماضيين وطرق تجديدها على نحو يخدم المسار الذي يختطه أصحابها.

"بن كسفيت" هو أحد المراسلين الصحفيين المطلعين في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، وقد وصف ما يجرى من أحاديث في أروقة السلطة من خلال نقل مجموعة من الجمل التي وضع كلا منها بين مزدوجتين على أساس أنها منقولة عن "أقوال صرحت بها شخصيات فلسطينية بارزة ومعروفة لكل بيت في إسرائيل (عن عرفات) في محادثات داخلية يجرونها مع القيادة الإسرائيلية". والجمل المذكورة هي: "هذا الشخص هو كارثة لشعبنا ونحن بسببه فقط عالقون في هذا الوضع"، "لا توجد أي احتمالية للقيام بشيء ما إلى أن يتم طرده أو اختفاؤه"، "هذا العجوز جرنا جميعاً إلى الهاوية.. إنه كارثة وطنية"، "إنه مجنون لا يعرف أحد ماذا يريد، ولن يهدأ أو يستكين حتى يحترق كل شيء".

بن كسفيت وجرياً على عادة الصحافة الإسرائيلية لم يكتم أسماء الذين سمعت منهم القيادة الإسرائيلية تلك المقولات، فقد ذكر أهمهم وهم أبو مازن ونبيل عمرو ومحمد دحلان وجبريل الرجوب. والحال أن هؤلاء لم يجدوا بدا من كشف أنفسهم بعدما أخذوا بنصيحة الإسرائيليين الذين طالبوهم –حسب بن كسفيت نفسه- بأن يقولوا لعرفات في وجهه ربع ما يقولونه في جلساتهم معهم.

مذكرة للرئيس

أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
محمود عباس (أبو مازن)
هذه المجموعة المشار إليها بادرت على نحو لافت إلى كتابة مذكرة موجهة للرئيس الفلسطيني تطالبه بتعيين رئيس للوزراء على نحو فوري. وقد وقعها -إضافة إلى الأسماء التي أشير إليها سابقاً- عدد آخر بينهم: مسؤول الأمن الوقائي الجديد زهير مناصرة، ورئيس المجلس التشريعي أبو علاء، ووزير الزراعة السابق حكمت زيد، وأمين سر المجلس الثوري لحركة فتح حمدان عاشور ونائبه عدنان سمارة.

حسب صحيفة "كل العرب" التي تصدر في الناصرة (الأراضي المحتلة عام 48)، فقد توجه موقعو المذكرة إلى القنصلية الأميركية في القدس كي تتوسط لهم عند رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون للسماح لهم بمقابلة "الختيار"، بيد أن الوساطة لم تنجح فأرسلوا المذكرة بالفاكس، وهو ما أطار صواب عرفات الذي وصفها بالانقلاب الأبيض وأنها مساس به وبالشعب الفلسطيني.


مذكرة موجهة للرئيس الفلسطيني تطالبه بتعيين رئيس للوزراء على نحو فوري، مما أطار صواب عرفات ووصفها بالانقلاب الأبيض وأنها مساس به وبالشعب الفلسطيني
يشار هنا إلى أن قصة تعيين محمود عباس بالاسم كرئيس للوزراء مازالت تحظى بجدل واسع في أوساط حركة فتح والسلطة منذ أسابيع، حيث انقسمت الحركة حيالها إلى مجموعتين، الأولى مع "أبو مازن" وتؤيد فكرة تعيينه رئيساً للوزراء، أما الثانية فضد الفكرة سواءً من زاوية كرهها للرجل أم من زاوية عدم القناعة بالفكرة من أساسها.

من الواضح أن التيار الذي يقوده "أبو مازن" يحظى هذه الأيام بدعم أميركي كبير إضافة إلى الدعم الإسرائيلي. وقد تسربت للصحافة قصة لقائه مع مندوب عن شارون في دولة عربية، وإن تم نفي الخبر فإن ذلك لا ينفي حصول لقاءات أخرى في أماكن مختلفة. ولعل من المفيد الإشارة إلى أن هذا التيار كان موجوداً على الدوام وفي مقابله تيار آخر يحلو لأحد رموزه (هاني الحسن) أن يسميه "التيار العربي" الذي يدعم عرفات ويعتبره "عربياً". ويتشكل هذا التيار من النواة الصلبة في حركة فتح أو "التنظيم" وإن لم يكن هذا التقسيم من النوع الحدي.

موقف الطرفين من الانتفاضة

هاني الحسن
من الواضح أن الجدل الدائر بين الفريقين في أروقة السلطة ليس جديداً بل هو واقع قائم منذ سنوات. وعندما جاءت انتفاضة الأقصى وتوافقت معها قيادة السلطة أخذ التيار الثاني زمام المبادرة عبر إعادة ترميم وجه حركة "فتح" الذي تشوه كثيراً خلال أربع سنوات من التعاون الأمني مع الإسرائيليين دون الحصول على مقابل مقنع، ف
انحاز إلى الانتفاضة على نحو واضح، وإن بقي انحيازه من النوع الذي لا يكسر خطوط التفاوض والاتصال مع الإسرائيليين.

أما التيار الأول فقد اختفى عملياً خلال عامين باستثناء فترات محدودة، ذلك أنه لم يخف داخل دوائره الخاصة موقفه الرافض "للعنف" و"العسكرة" في الانتفاضة باعتبارها عبئاً يجر الكوارث على القضية والشعب. وحسب هذا التيار جاءت نتيجة الانتفاضة بعد عامين من اندلاعها لتؤكد رؤيته حول "عبثيتها"، وهو ما شجع رموزه على رفع أصواتهم عالياً بما كانوا يقولونه همساً وهم يتابعون الانحياز الشعبي فلسطينياً وعربياً وإسلامياً للانتفاضة والمقاومة. وللتذكير فإن هذا التيار يتشكل من عدد من المفاوضين ومسؤولي الأمن والوزراء ورجال الأعمال المسؤولين في السلطة ممن لهم علاقاتهم الخاصة والتجارية مع الدوائر الإسرائيلية.

أبو مازن مثلاً أسرف في الأسبوعين الماضيين –وعلى نحو لافت- في إعطاء التصريحات والمقابلات لشتى الصحف ووكالات الأنباء والتلفزة، ففي لقائه مع قناة (LBC) اللبنانية الفضائية قال أبو مازن "ارتكب الفلسطينيون أخطاء فاحشة في عامي الانتفاضة، والخطأ الأكبر والحاسم كان الانتقال إلى استخدام السلاح ضد إسرائيل"، ودعا الفلسطينيين للعودة إلى خوض كفاح شعبي بطرق سلمية "لأنه بهذا فقط نستطيع أن نثبت للعالم عدالتنا".


انحاز الطرف الأول إلى الانتفاضة على نحو واضح، وإن بقي انحيازه من النوع الذي لا يكسر خطوط التفاوض والاتصال مع الإسرائيليين. أما الطرف الآخر فاعتبرها الدمار المطلق
ووصف أبو مازن نتائج خطأ استخدام السلاح بقوله إننا "حصلنا في هذه الانتفاضة فقط على الدمار المطلق.. الاقتصاد الفلسطيني مدمر، البنى التحتية تلقت ضربة قاسية، الشعب الفلسطيني يعاني، كل شيء مدمر". وأضاف "ليس بمقدورنا أن نقاتل إسرائيل الدولة اليهودية الأقوى من كل الدول العربية معا، ومن نحن كي نواجهها؟ الحجارة أفضل. الأفضل انتفاضة شعبية بطرق سلمية تعبر عن إرادة الشعب، ولا شك أننا سنحصل على دعم أجزاء من الشعب في إسرائيل".

أما مسؤول الأمن الوقائي الجديد زهير مناصرة فقال لصحيفة أميركية "أعتقد أن المواجهة العنيفة خلال العامين الماضيين لم تكن مدخلاً مناسباً من جهتنا"، وأضاف "أعتقد أنها كانت سلبية وخطأ، علينا تعلم الدروس منها، والنتيجة التي توصلت إليها أنها كانت خطأ وكان علينا منع حدوثها أصلاً". ووجه انتقاداً خاصاً لحركة "حماس" بقوله "كان علينا عدم السماح لفصيل واحد بتحديد أجندتنا السياسية، فقط لأن لديه البندقية والعقيدة.. وهذا بالضبط ما حدث". والحال أن مناصرة يدرك أن العمل المسلح لم يكن قرار "حماس" لوحدها وإنما قرار الشعب الفلسطيني ومن ضمنه حركة فتح التي جارت "حماس" في الضرب في العمق الإسرائيلي وليس الأراضي المحتلة عام 67 فقط كما هي السياسة المعروفة للحركة.

موقف الطرف الآخر من الانتفاضة:
ما قيل عن الفريق الأول وموقفه من الانتفاضة والمقاومة لا يعني أن الطرف الثاني قد بقي على موقفه الأول -أو لعله الثاني- الذي بدا خلال انتفاضة الأقصى، لا سيما خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، فقد أخذ التيار المناصر للرئيس الفلسطيني والذي يمثل البنية الأساسية داخل فتح –كما أشير سابقاً- موقفاً جديداً من المقاومة حيث غدا يرفض العمليات الاستشهادية داخل الأراضي المحتلة عام 48.
حافلة تشتعل إثر عملية استشهادية
وفي الإطار صور لعملية أخرى

ولما كان هذا التيار يدرك تماماً انحياز الجماهير الفلسطينية للعمليات الاستشهادية ويدرك ما منحته من شعبية لمنفذيها، فقد قرر أن يوقفها من طرفه ويعمل على وقفها من طرف الآخرين عبر شن حملة ضدها في وسائل الإعلام، وهو ما بدا من خلال عدد من المقابلات لرموز في فتح على رأسهم هاني الحسن على وجه التحديد بوصفه الأبرز داخل هذا التيار والذي لاحظ الجميع أن عرفات قد قربه مؤخراً، حيث كان ضمن المجموعة الصغيرة الموجودة داخل المقر أثناء حصاره من قبل القوات الإسرائيلية.

هذا الفريق يحاول أن يبدي نوعاً من التسامح مع العمليات داخل الأراضي المحتلة عام 67 ضد الجنود والمستوطنين، مع أن المرجح أنه يقول ذلك من باب العلاقات العامة، إذ من الممكن قراءة موقفه الحقيقي من خلال نشاطات "كتائب الأقصى" التابعة لحركة فتح أكثر من التصريحات الصحفية.

ليس من الصعب القول إن هذا الفريق يتعامل بالسياسة من كل زواياها البراغماتية، وهو انطلاقاً من انحيازه للرئيس الفلسطيني لا يريد تصعيب الموقف عليه، لا سيما بعدما بدأ الإسرائيليون سياسة معاقبته على أي عملية استشهادية ضدهم.

لا يعني ذلك أن الطرفين متفقان على الإستراتيجية والتكتيك معاً، ذلك أن موقفهما يتباين إلى حد كبير في مسائل التفاوض أيضاً، حيث يبدي الطرف الأول مرونة أكبر في التعامل مع الإسرائيليين، وكان قسم منه اعتبر عدم القبول بمقترحات كلينتون صيف العام 2000 خطأً كبيراً. أما الموقف من المقاومة فهي مرفوضة من الطرف الأول، في حين يمكن الاستفادة منها لدى الطرف الثاني تبعاً للمعطيات القائمة على الأرض محلياً وإقليمياً ودولياً، والتي لا تخدمها في مثل هذه الأيام حيث التراجع العربي والسطوة الأميركية والدعم غير المحدود لشارون.

الموقف الفلسطيني الشعبي

الشعب الفلسطيني بدوره يراقب هذا الجدل المثير بالكثير من عدم الرضا، ذلك أن كلا الموقفين ينطوي على إدانة للمقاومة والشهداء والأسرى، وإن بدا الموقف الأول أكثر سوءًا. أما الموقف من عرفات فإن أي سخط عليه من طرف بعض الرموز أو من طرف الخارج يزيد في شعبيته أو لنقل الالتفاف حوله، وهو الموقف الذي يتراوح حسب السياسة اليومية، فقد تراجع وضعه بعد صفقة المقر وكنيسة المهد في أبريل/ نيسان الماضي، ثم عاد إلى مستوى معقول بعد رفضه تسليم المطلوبين داخل مقره مؤخراً، وهو الموقف الذي خدمته فيه الإدارة الأميركية التي طلبت من شارون عدم التخريب على جهودها في الحشد ضد العراق.

أما قوى المقاومة -خاصة حركتي حماس والجهاد- فلا شك أنها تعاني من الطرف الثاني أكثر من الأول، نظراً لأنه الطرف الذي كان منحازاً إلى المقاومة فضلاً عن كونه المقرب من الرئيس والذي يترجم التوجهات إلى سياسات، مما يعني أن وضع تلك القوى هذه الأيام ليس طبيعياً، وإن كان لتراجع فعلها المقاوم صلة بقدرتها على الفعل بعد الضربات الكبيرة التي تلقتها خلال الأشهر الخمسة الأخيرة منذ عملية "السور الواقي" ولغاية الآن. وقد جاءت مشاحنات غزة مع فتح والسلطة بعد مقتل أحد الضباط على يد ناشط من حماس انتقاماً لأخيه وليس بتوجيه من الحركة.. جاءت لتؤكد أن بعض الأطراف في فتح تريد الضغط على حماس ودفعها إلى موقف واضح من العمليات الاستشهادية لجهة وقفها تماماً.

الموقف الشعبي من الطرف الأول يبدو حانقاً إلى حد كبير، لا لشيء إلا لأنه يدين المقاومة وبالتالي شهداءها وأسراها وجرحاها، ليس هذا فحسب وإنما يقدم خطاباً مستفزاً عبر مطالبته بالعودة إلى الحجارة، حيث يموت الصغار أمام الدبابات كي يتعاطف المجتمع الدولي مع الفلسطينيين حتى تظهر للعالم "عدالة القضية"، مع التذكير بما كان عليه الحال في الانتفاضة الأولى "وإنجازاتها".

والحال أن الشارع الفلسطيني هو أكثر من يتذكر كيف تحولت الانتفاضة الأولى إلى عبء عليه بعد عام واحد أو أكثر قليلاً من انطلاقتها، كما أنه يدرك أن الموقف من الحجارة لم يكن غراماً بها وإنما لأن الوسائل الأخرى كانت محدودة، وعندما توافرت جرى التحول إليها إدراكاً لضرورة أن تتحول الانتفاضة إلى عبء على المجتمع الإسرائيلي، وهو ما لم يحصل إلا في الفترة الأولى.


لولا العمليات الانتحارية لكانت المعاناة والضائقة من نصيب الفلسطينيين فقط، ولكان قد قدر لهم الاستسلام والخضوع بدون شروط

آريه شبيط/ معاريف

أما في انتفاضة الأقصى فقد كان الأمر مختلفاً، لا سيما بالعمليات الاستشهادية التي كان لها دورها الحاسم في الصراع. وعلى هذا الصعيد يقول الكاتب الإسرائيلي المعروف آريه شبيط في صحيفة "معاريف" -22/9/2002- إنه "بفضل العمليات الانتحارية نجح الفلسطينيون في قلب الشوارع الإسرائيلية إلى موقع عسكري كبير ومرهق.. بفضل العمليات الانتحارية نجحوا في المساس بقسوة بالاقتصاد الإسرائيلي. وبفضل العمليات الانتحارية نجحوا في الحفاظ على اهتمام الأسرة الدولية بمشكلتهم. ولولا العمليات الانتحارية لكان القليل فقط من الإسرائيليين يكرسون التفكير بما يجري وراء الخط الأخضر. ولولا العمليات الانتحارية لكانت المعاناة والضائقة من نصيب الفلسطينيين فقط ولكان قد قدر لهم الاستسلام والخضوع بدون شروط".

أما "اتفاق أوسلو" فلم يقل أحد عند توقيعه إنه كان إنجازاً لثورة الحجارة، بل قيل إنه أسوأ الخيارات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، في حين كان الاحتفال به واسعاً في الدوائر الإسرائيلية حيث قارنه بعضهم بمؤتمر "بال" ووعد بلفور وتأسيس الدولة.

أما القول بكسب جزء من الشارع الإسرائيلي في الانتفاضة الأولى وخسارته في انتفاضة الأقصى فليس ذا قيمة بحال من الأحوال، لأن الكسب في الأولى لم يحقق شيئاً على الأرض كما بدا في كامب ديفد عام 2000. أما الأهم من ذلك، فهو أن استطلاعات الرأي مازالت تؤكد أن الموقف من التسوية والدولة الفلسطينية لم يتغير كثيراً، وكل ما في الأمر هو أن الموقف من العنف الشاروني كان قوياً لجهة التأييد، وذلك بسبب الخوف من التهديد الوجودي وبسبب الانهيار الأمني ليس إلا، مع أنه كان بإمكان المقاومة أن تدفع الأمور نحو مسار آخر لو حسم خيارها من طرف السلطة، كما تأكد خلال فترات التصعيد التي كانت تهبط بشعبية شارون في حين تبدأ الأصوات المنادية بالرحيل عن الأراضي المحتلة عام 67 بالظهور.

مسار الجدل الفلسطيني

للجدل القائم شقان، أولهما ذلك المحتدم بين طرفي السلطة، والثاني المحتدم حول جدوى المقاومة والعمليات الاستشهادية مع السلطة وفريقها الثاني ومن باب أولى الفريق الأول الرافض لمبدأ العمل المسلح والداعي للانتفاضة السلمية.

بالنسبة للطرف الأول يمكن القول إن عرفات مازال يحظى بالدعم العربي والمصري على وجه الخصوص، كما أن وضعه الشعبي قياساً بفريق أبو مازن هو أكثر من جيد، وإذا ما أضيف إلى ذلك وقوف فريق أساسي في فتح إلى جانبه، فإن الموقف يغدو معقولاً حتى لو وقف الأميركان والإسرائيليون ضده، لا سيما أن من المستبعد أن يقدموا على شيء مباشر ضده خلال هذه المرحلة، بانتظار تطورات الموقف على الجبهة العراقية. وبالطبع فإن ما يجري قد يبشر بنزاع آخر في حال غياب الرجل على نحو طبيعي.


وضع المقاومة يغدو صعباً إلى حد كبير عندما يحدث الانقسام حولها في الشارع الفلسطيني أو بين فتح من جهة وحماس والجهاد من جهة أخرى
بالنسبة للشق الثاني من الجدل فإن من غير العسير القول إن تأثيره على المقاومة سيكون سلبياً إلى حد كبير، فقد ثبت أن وضع المقاومة يغدو صعباً إلى حد كبير عندما يحدث الانقسام حولها في الشارع الفلسطيني أو بين فتح من جهة وحماس والجهاد من جهة أخرى، ذلك أن الحركتين لا يمكنهما مواصلة عملهما بذات الوتيرة عندما لا يكون الإجماع متوافراً، فكيف إذا أضيف إلى الانقسام عمل حثيث على شق الصف الداخلي في الحركتين أو تعاون أمني مع الاحتلال ضدهما.

الوضع الفلسطيني الداخلي في ضوء ذلك يبدو صعباً، فهو يعاني من الانقسام داخلياً في حين تشتد وتيرة القمع ضده من الطرف الإسرائيلي، فضلاً عما يبشره به صقور البنتاغون بعد ضرب العراق. ومع ذلك فإن الثابت هو أن مسار المقاومة سيبقى الشاطئ الذي تعود إليه سفينة الفلسطينيين مهما تقاذفتها الأمواج وطال بها زمن التيه.
_______________
* كاتب ومحلل فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة