تحولات المواقف العربية الرسمية من احتلال العراق   
الاثنين 1425/9/11 هـ - الموافق 25/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:07 (مكة المكرمة)، 10:07 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة

- الموقف بعد المقاومة
- الوضع بعد تشكيل حكومة علاوي
- دلالات جولة علاوي العربية
- تداعيات التراجع العربي المتواصل

من الصعب الحديث عن موقف عربي واحد حيال أي قضية سياسية، فضلا عن أن تكون من العيار الثقيل من لون الاحتلال الأميركي للعراق وما قام ويقوم به من خطوات لترسيخ أقدامه.

والحال أن مواقف الدول العربية من الاحتلال الأميركي للعراق مرت بأكثر من مرحلة، لعل أولاها المرحلة التي سبقت الاحتلال، والتي يمكن القول إن الدول العربية قد انقسمت حيالها بين مرحب بالغزو ومتشوق للخلاص من نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وبين خائف وصامت لأنه لا يملك مقاربة سياسية واضحة لما قبل الغزو وما بعده، فيما كان موقف الفريق الثالث هو المناهضة الواضحة للغزو، سواء أكانت مناهضة حقيقية وقوية كما هو حال الموقف السوري، أو مناهضة ضعيفة أو حتى متوسطة كما هو حال الموقف المصري والسعودي، ومعه مواقف عدد من الدول العربية الأخرى.

كان ثمة شعور بالخوف من تداعيات الغزو على البرنامج الأميركي للمنطقة، سيما ما يتصل بالموقف من قضية الإصلاحات السياسية التي تلوح بها الولايات المتحدة في وجه الأنظمة، ليس من أجل الإصلاح الحقيقي الذي تعلم إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش أنه سيأتي بألد أعداء الولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي، ولكن من أجل مزيد من الضغط والابتزاز السياسي، سيما فيما يتصل بالمصالح الأميركية ومعها العلاقة مع الدولة العبرية.

وقع الغزو وارتعدت فرائص الأنظمة العربية، سيما تلك التي وقفت منه موقفا رافضا، وعلى رأسها سوريا التي توجه السوط الأميركي نحوها منذ اليوم التالي للغزو عبر الحديث عن التجاوزات السياسية ومسألة الحدود والأسلحة غير التقليدية، إلى غير ذلك من الملفات التي عادة ما تفتح بغرض التهديد والابتزاز.

بدأ السوريون يتحسسون رؤوسهم، فيما كان الآخرون في وضع لا يقل سوءا من حيث الخوف من الأيام التالية، سيما المملكة العربية السعودية المتهمة بتصدير ظاهرة الإرهاب الإسلامي إلى العالم أجمع.

وفيما كان المسؤولون الأميركيون يحرصون على عدم إظهار العداوة المباشرة للنظام في السعودية كانت الصحافة وبعض الرموز السياسيين يتولون المهمة بين الفترة والأخرى مذكرين المملكة بمصيرها الأسود إن هي لم تلتزم باستحقاقات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ومن ورائها استحقاقات ما بعد غزو العراق.

الموقف بعد المقاومة

مسألة الإصلاح من أبرز عناصر المساومة التي استخدمها الأميركان لابتزاز الموقف العربي الرسمي ودفعه نحو الاعتراف بالخطوات السياسية لترتيب البيت العراقي
لم تمكث فرحة الأميركيين بانتصارهم طويلا، إذ لم تمض أسابيع على دخول بغداد حتى بات مصطلح المقاومة العراقية ملء السمع والبصر، وغدت صور الجنود الأميركيين القتلى والدبابات المحترقة تملأ الدنيا ارتياحا بالانتصار السهل الذي أخذ يتحول إلى ورطة.

هنا كان من الطبيعي أن يتنفس النظام العربي الصعداء، أقله تلك المحاور الخائفة من تداعياته، خلافا للأخرى التي راهنت على نجاحه. وبالتالي على تحرك البلدوزر الأميركي نحو فرض التسوية السياسية للقضية الفلسطينية ومجمل الإصلاحات الشكلية في الأوضاع الديمقراطية العربية. والخلاصة هي تغريب النظام العربي أو أمركته بتعبير أدق.

هنا بدأت خطوات الاحتلال الأميركي باتجاه البحث عن شركاء وطنيين من العراقيين، ومعها البحث عن خطوات تشرع الاحتلال من خلال مجلس الأمن الدولي، فكانت القرارات المتوالية التي كان أبرزها في المرحلة الأولى قرار إنشاء مجلس الحكم، الذي حظي بشيء من الترحيب في الأوساط الدولية بفعل الضغط الأميركي.

وتردد النظام العربي أو محاوره الرئيسة لبعض الوقت قبل أن يشرعوا في التراجع التدريجي لصالح الاعتراف بالمجلس المذكور واستقبال قيادته الدورية مرة إثر أخرى، ومن ثم النظر إليه بوصفه تطورا إيجابيا في طريق إعادة السيادة الحقيقية للعراقيين.

وبالطبع فقد جاء ذلك كله من خلال العصا والجزرة الأميركية، وإن بدا أن العصا كانت الأبرز في لعبة المساومة. وهنا يمكن القول إن مسألة الإصلاح كانت من أبرز عناصر المساومة التي استخدمها الأميركان في سياق ابتزاز الموقف العربي الرسمي ودفعه نحو الاعتراف بالخطوات السياسية التي أخذت تبرز تباعا في سياق ترتيب البيت العراقي وصياغة وضع يمنح الاحتلال شيئا من الاستقرار، سيما حين بدأت الانتخابات الأميركية تقترب شيئا فشيئا وبدا أن المنافس الديمقراطي للرئيس الأميركي سيستغل الفشل في العراق، مضيفا إلى ذلك كونه لا يقل عنه قربا من اليهود، الأمر الذي يهدد فرصه بالعودة من جديد إلى البيت الأبيض.

على أن الموقف العربي لم يتجاوز ذلك نحو مزيد من الخطوات التي ترضي الأميركان، وعلى رأسها ما يتعلق بإرسال قوات عربية إلى العراق، وهي الخطوة الأكثر أهمية بالنسبة لما يسمى تحالف القوات متعددة الجنسيات الذي لا يضم أي دولة عربية أو إسلامية، فضلا عما تعرض له التحالف من ضربات لاحقة بسبب انسحاب الإسبان وعدد من دول أميركا اللاتينية لاحقا وصولا إلى الفلبين والحبل على الجرار.

الوضع بعد تشكيل حكومة علاوي


انكسر التابو العربي بدعم السعودية المادي للحكومة المؤقتة
وبالإعلان المفاجئ عن اقتراحها إرسال قوات عربية وإسلامية إلى العراق

جاءت الخطوة التالية بعد مجلس الحكم بتشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة إياد علاوي، التي قيل إنها خطوة باتجاه تشكيل المؤتمر الوطني ومن ثم الجمعية الوطنية وصولا إلى الانتخابات والدستور والحكومة الدائمة.

هنا أيضا كان الترحيب العربي بالخطوة أو الخطوات هو المتوقع، سيما في ظل التراجعات السابقة بشأن مجلس الحكم، ومعها عدم تقديم أي دعم لقوى المقاومة العراقية، أو حتى للقوى التي تناهض الاحتلال سياسيا، أكان في الوسط الشيعي أم السني.

على أن ذلك كله لم يكن شيئا أمام ما جرى بعد ذلك، وتحديدا خلال النصف الثاني من يوليو/ تموز ومطلع أغسطس/ آب الجاري، وذلك عندما قام علاوي بجولة عربية شملت مصر وسوريا والسعودية والأردن والكويت والإمارات والبحرين ولبنان.

في الجولة المذكورة بدا واضحا أن الدول العربية الكبيرة خضعت لموجة هائلة من الضغوط الأميركية من أجل التعامل مع حكومة علاوي بوصفها الممثل الحقيقي للعراق. وقد كان لافتا أن تسبق زيارات علاوي للعواصم العربية زيارات مماثلة لوزير الخارجية الأميركي كولن باول.

منذ بداية الجولة كان واضحا أن علاوي قد تحرك باتجاه العواصم العربية ومعه تأكيد من طرف الولايات المتحدة بأنه سيستقبل فيها بوصفه الزعيم الحقيقي للعراق، وليس مجرد واجهة للاحتلال أو مجرد زعيم مؤقت لن يلبث أن يمضي إلى حال سبيله كما كان الحال مع الزعيم الدوري لمجلس الحكم الانتقالي.

تحرك علاوي في العواصم العربية والتقى الزعماء على أعلى المستويات وتحدث بنبرة الواثق من نفسه، فيما كان وزير خارجيته هوشيار زيباري يضرب بسوط الأميركان ويطلق التصريحات القوية ضد بعض الدول العربية وعلى رأسها سوريا.

في الجولة المذكورة حصل علاوي على دعم كبير من مصر، ومثله من الأردن والكويت، لكن اللافت هو ما حصل عليه من اعتراف غريب من سوريا، وهو ما تبدى من حديث وزير الخارجية السوري عن "الجوانب الشرعية" لحكومة علاوي، ومن ثم تسهيل لقائه مع المرجع الشيعي البارز محمد حسين فضل الله الذي كان موجودا في بيته بدمشق، الأمر الذي منح علاوي دفعة مهمة لما يحظى به هذا الأخير من نفوذ معنوي على الشيعة بما في ذلك في العراق. وقد أضيف إلى ذلك أيضا تسهيل زيارته إلى لبنان رغم أنها لم تكن مدرجة على جدول الجولة.

أما الأبرز من ذلك كله فكان ما حصل عليه من المملكة العربية السعودية، أكان ما يتعلق بالدعم المادي والمليار دولار التي أعلن عنها كدعم سعودي للحكومة المؤقتة، أم كان ذلك الإعلان المفاجئ عن اقتراح سعودي بإرسال قوات عربية وإسلامية إلى العراق، وهو الإعلان الذي شكل صدمة لكثير من المراقبين والدوائر الشعبية العربية والإسلامية. ولعل ذلك هو ما يفسر ما خضع له التصريح من توضيحات وتعديلات وصولا إلى تجاهله لاحقا من قبل الجميع، أقله في هذه المرحلة، لكن الموقف يبقى مهما من حيث إن "التابو" العربي على القضية قد انكسر، وممن؟ من واحدة من أهم الدول العربية التي ينبغي أن ترفض اقتراحا كهذا فيما لو طرحه آخرون.

دلالات جولة علاوي العربية

لن يقبل الأميركان إلا بعملية سياسية تبقيهم سادة الموقف كما تأكد عبر تشكيلة الجمعية الوطنية التي ستكون بمثابة البرلمان العراقي
كان لافتا أن تدخل على خط جولة علاوي العربية تصريحات مثيرة لوزير الدفاع العراقي حازم الشعلان ترى في إيران العدو الأول للعراق، وتتهمها بالعبث بأمن العراق وبتركيبته السكانية، كما كان لافتا ألا تشمل جولة علاوي الخارجية إيران، رغم كونها واحدة من أكثر الدول تأثيرا في الساحة العراقية. وكذلك قول الشعلان في معرض تصريحه المشار إليه "إن للعراق عمقا إستراتيجيا كبيرا.. إن الدول العربية هي عمق العراق".

من هذا السياق ولعدم وجود ما يدعو إلى القول إن الشعلان قد قال ما قال دون تفاهم مع علاوي، فإن بالإمكان القول إن تغيرا في الإستراتيجية الخاصة للحكومة العراقية، وبتعبير أدق الأميركية قد وقع في الآونة الأخيرة. ويقوم ذلك التغيير على إعادة العراق إلى فضائه العربي من خلال حكومة تابعة للأميركان ويرأسها رجل معروف بتعاونه مع المخابرات الأميركية وعلاقاته الخاصة مع بعض الدول العربية.

حصل ذلك بناء على أكثر من تطور، لعل أبرزها الضغوط الأميركية الكبيرة على الدول العربية، ومن ثم مقايضة التراجع العربي بتوقف الأميركان عن الضغط في موضوع الإصلاح. يضاف إلى ذلك ما يتعلق بتحولات المشروع الطائفي الشيعي في العراق الذي يبدو أن الأميركان قد خوفوا الدول العربية منه، وهي التي لا تحتاج إلى من يخوفها منه في الأصل.

من الواضح أن الأميركان قد وضعوا الدول العربية في صورة النشاط الإيراني في العراق، ومراهنة طهران على العمل السياسي وعلى المقاومة أيضا إذا ما لزم الأمر كي يأخذ جماعتها الحصة السياسية الكبرى من الكعكة. وهنا كان لا بد أن يأتي الرد ممثلا في القبول بحكومة شيعية علمانية تابعة للأميركان، تتجه نحو الفضاء العربي وتبتعد ما أمكن عن إيران.

إلى الخوف من المشروع الطائفي الشيعي في العراق، كان ثمة خوف آخر ينتاب النظام العربي الرسمي، ففي حين تريد الدول العربية الرئيسة للمشروع الأميركي في العراق أن يفشل، فإنها لا تريد لذلك الفشل أن يأتي على يد قوى شعبية منفلتة من عقالها ولا يمكن السيطرة عليها بحال من الأحوال، الأمر الذي قد ينسحب على الأوضاع الداخلية في الدول العربية بعد شعور الشارع العربي أنه قادر على التحدي ومن ثم الانتصار حتى على أكبر قوة على وجه الأرض.

في هذا السياق جاء الدعم العربي لحكومة علاوي، فضلا عما يمكن أن يأتي لاحقا من دعم للخطوات السياسية التالية التي تحاول الإيحاء بأن عملية نقل سلطة حقيقية تجري على الأرض، مع أنها لن تكون كذلك في واقع الحال لأن الأميركان لن يقبلوا إلا بعملية سياسية تبقيهم سادة الموقف كما تأكد من خلال تشكيلة الجمعية الوطنية التي ستكون بمثابة البرلمان العراقي.

تداعيات التراجع العربي المتواصل

دعم برنامج الاحتلال وخطواته السياسية لن يؤدي في واقع الحال إلى سيادة حقيقية للعراقيين بقدر ما سيعني ترسيخا لأقدام الاحتلال وعودة للضغوط على الوضع العربي في مختلف الملفات
ما يمكن قوله على هذا الصعيد هو أن التراجع العربي المتواصل أمام الإرادة الأميركية والمخاوف غير المبررة في الشأن العراقي قد تصل حدودا إضافية في المستقبل القريب إذا ما تواصلت المقاومة وعجزت حكومة علاوي الأمنية عن مواجهتها كما هو متوقع.

وما نعنيه هنا هو إمكانية وضع الاقتراح السعودي الذي سبقت الإشارة إليه موضع التنفيذ عبر توريط قوات عربية وإسلامية في مواجهة المقاومة المتصاعدة للوجود الأميركي في العراق، سيما بعد أن دخل تحت مسمى القوات المتعددة الجنسية.

والحال أن استمرار التراجع العربي أمام الضغوط الأميركية ستكون له تداعياته الخطيرة على مختلف المستويات، فمن زاوية ستكون له تداعياته على العلاقة مع إيران التي لن تسكت على ما يجري وهي مستهدفة في برنامجها النووي لحساب الدولة العبرية، كما ستكون مهددة باستقرار المشروع الأميركي في العراق، وذلك خلافا للموقف لو تم التفاهم معها على تجاوز الأزمة العراقية بتفاهم سني شيعي على وحدة البلاد وبقائها جزءا من الوضع العربي وبعلاقات جيدة أو مميزة مع إيران.

من زاوية أخرى لن يؤدي استمرار دعم برنامج الاحتلال وخطواته السياسية في واقع الحال إلى سيادة حقيقية للعراقيين بقدر ما سيعني ترسيخا لأقدام الاحتلال وعودة للضغوط على الوضع العربي في مختلف الملفات، ومنها ملف الإصلاح الذي هربت منه الأنظمة.

هناك أيضا موقف الشارع العربي والإسلامي الذي لا يتوقع أن يبقى صامتا حيال مواقف لا تمت لمشاعر الأمة بصلة، والخلاصة هي أن على النظام العربي الرسمي، سيما محاوره الرئيسة أن يعيد النظر في منهجية تعامله مع الملف العراقي، لكيلا تكون الخسارة شاملة للأنظمة وللشعوب ومصالحها وهويتها أيضا.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة