الصراع على الدين كمورد للسلطة ومدخل للتأثير   
الأحد 1425/10/15 هـ - الموافق 28/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 9:01 (مكة المكرمة)، 6:01 (غرينتش)
 
 
الحملة التي قامت بها أجهزة الأمن الأردنية عشية الذكرى الثالثة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول، واستهدفت في الظاهر بسط ولاية السلطة التنفيذية على المساجد، ومنع نشطاء الإخوان المسلمين من ممارسة الخطابة والتدريس، فيها أعادت التأكيد على وجهة النظر القائلة بأن الحكومات العربية والإسلامية تسعى بقوة وإصرار إلى حرمان المعارضة السياسية من الدين باعتباره موردا ووعاء للتجمع والعمل في مواجهة السلطة السياسية، وإنهاء مرحلة الاستقلال الظاهري الذي كانت تبدو عليه المؤسسات الإسلامية عن أجهزة الحكم والسلطة.
 
فقد يكون كما يرى ميلباند مؤلف كتاب "قوة الطبقة وقوة الدولة" من مصلحة الطبقة المهيمنة أن تقف على مسافة معينة من أجهزة السلطة المباشرة، وأن تحترم القواعد الإجرائية المنظمة لعمل هذه الأجهزة.
 
وقد تقبل هذه الطبقة التضحية أو الإذعان لإجراءات توجه ضد بعض مصالحها في الأجل القصير أو في ظروف استثنائية مثل وقت الحرب والأزمات، وقد يعطي هذا انطباعا سطحيا بأن أجهزة الدولة مستقلة عن الطبقة المهيمنة، ولكن هذه الطبقة في النهاية هي التي تحكم عن قرب أو عن بعد في المسيرة العامة للدولة، وعند القرارات الكبرى للسلطة السياسية.
 
"
الحكومات العربية والإسلامية تسعى بقوة وإصرار إلى حرمان المعارضة السياسية من الدين باعتباره موردا ووعاء للتجمع والعمل في مواجهة السلطة السياسية
"
الدين والسلطة
كان الدين على مدار التاريخ من المؤسسات القوية والمؤثرة التي تسعى الطبقة الحاكمة والنخب والقيادات والمراكز السياسية والاجتماعية لإقامة علاقة وثيقة معها. والدين من المجالات ذات الصلة الوثيقة بحياة المجتمع وتؤثر في الحكم والقرارات والاتجاهات السياسية والعامة.
 
وسيبقى الدين من القضايا والموضوعات التي تجب دراستها عند تحليل وفهم العوامل والمدخلات المؤثرة في الحكم والمجتمع والدولة كالاقتصاد على سبيل المثال والنخب الاجتماعية والاقتصادية والرأي العام وغيرها كالمؤسسات التي تعد بمثابة مراكز التحكم العصبي في المجتمع المعاصر مثل القوات المسلحة ووسائل الإعلام والأحزاب والجامعات.
 
والإسلام -وإن لم يكن مكونا أساسيا لمعظم الدول العربية، خلافا لما عليه الحال في السعودية أو إيران- يمثل بيئة محيطة بالعمل العام والسياسي ومرجعية للملوك والدولة، وربما كان إحدى أدوات الدولة في السيطرة واستيعاب المجتمع وترسيخ الحكم واستقراره.
 
وكان الإسلام أساس التقسيم السياسي في شبه القارة الهندية بعد الحرب العالمية الثانية، فقد قسمت تلك الدولة الكبرى والشاسعة بين المسلمين والهندوس، في عملية مازالت تستنزف الدولتين الرئيسيتين في جنوب آسيا: الهند وباكستان، وكلفتهما حروبا طاحنة وصراعات دامية لم تتوقف حتى الآن.
 
"
النظرة العلمية إلى الحالة الدينية يجب ألا تستغرقها ظاهرة الأصولية الإسلامية وحدها، فقد تنامت أيضاً الأصولية المسيحية واليهودية وربما الأصوليات الأخرى
"
الدين قوة شعبية
قد يكون من أهم ملامح المشهد السياسي للفترة التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين أن الحركة الإسلامية أضافت إلى العمل القومي والسياسي والإصلاحي بعدا دينيا، وكسرت احتكار الدين الذي كانت تمارسه السلطة السياسية لتجعله عملا شعبيا واسع النطاق.
 
والحركة الإسلامية يمكن أن تشكل مثالا على كون الدين مصدرا للقوة الجماهيرية والعمل الشعبي، وعلى كيفية اعتماد المجتمع الأهلي على الدين في تنظيم نفسه وحمايته.
 
ففي الأردن على سبيل المثال يمكن ملاحظة هذه الحالة في جماعة الإخوان المسلمين ومؤسساتها مثل حزب جبهة العمل الإسلامي وجمعية المركز الإسلامي التي أسسها الإخوان أوائل الستينيات وصارت مؤسسة كبيرة تملك المستشفى الإسلامي وعشرات المدارس والمستوصفات والمؤسسات.
 
وفي مجال المعارضة السياسية كان الإسلام يمثل إطارا ودافعا في نفس الوقت لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب جبهة العمل الإسلامي، وحزب التحرير.
 
وامتد تأثير الحركة الإسلامية إلى النقابات المهنية والعمالية والاتحادات والمجالس الطلابية، ليتحول الإسلام من كونه إحدى أدوات الدولة في التأثير والسيطرة إلى قوة شعبية يعتمد عليها المجتمع المدني في التجميع والضغط.
 
وهكذا فإن الدين تعددت مواقعه في النظام السياسي، فهو من مرجعيات الحياة السياسية والعامة، وكان في مرحلة سابقة حليفا للنظام السياسي في مواجهة المعارضة اليسارية والقومية، وفي مرحلة أخرى كان غطاء للمعارضة السياسية، وهو من أدوات المجتمع الأهلي في تنظيم نفسه وتجميع النقابيين والمتطوعين، وبديلا للمؤسسات الرسمية.
 
"
ما يحدث اليوم هو تحول في التدين والعمل الإسلامي من كونه عمل جماعات وحركات إلى عمل مؤسسي ومجتمعي تؤديه الأمة بأسرها
"
الدين والإصلاح والتقدم
لقد أصبح موضوع العلاقة بين الدين والحياة العامة أهم الموضوعات التي شغلت بها دراسات العلوم السياسية في الجامعات ومراكز البحوث والدراسات والمؤتمرات والندوات فضلاً عن الصحافة والإعلام، وكانت الدراسة الشهيرة التي قدمها "صمويل هنتنغتن" عن صراع الحضارات والتي نشرت في مجلة الشؤون الخارجية الأميركية من أكثرها إثارة للجدل في العالم حتى اليوم.
 
وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت معظم الصراعات والحروب في السنوات العشر الأخيرة يشغل الدين موقع القلب فيها.
 
إن النظرة العلمية إلى الحالة الدينية يجب ألا تستغرقها ظاهرة الأصولية الإسلامية، فقد تنامت أيضاً الأصولية المسيحية واليهودية وربما الأصوليات الأخرى كما بدا واضحاً في الانتخابات الهندية حيث نجحت الأصولية الهندوسية أكثر من أي فترة سابقة، وحتى الأصولية الشاملة لا تمثل إلا جزءا قليلاً من الظاهرة الدينية إذ إن المؤسسات الدينية التقليدية كوزارات الأوقاف والأزهر في مصر والكنائس تؤدي دوراً متنامياً في الحياة العامة.
 
والعودة إلى الدين تحولت إلى ظاهرة اجتماعية، ويلاحظ في مدينة عمان كيف تنتشر مساجد في أحياء مقتصرة على الأغنياء تمتلئ بالمصلين في جميع الأوقات. ولعل من أطرف المشاهد في هذه المساجد هي مجيء نساء غير محجبات للصلاة فيها، وربما يكون هذا الاتجاه يحمل بعداً نفسياً وسلوكياً للبحث عن الشخصية والهوية وعن توازنات نفسية وثقافية جديرة بالبحث والتفكير.
 
ولكن من أهم ما يجب الالتفات إليه من أجل فهم الظاهرة الإسلامية بشكل خاص والدينية بشكل عام هي التحول المجتمعي الذي يجري في العالم العربي والإسلامي وكيف انتقل الهم النهضوي والإصلاحي من عمل فردي بدأ في القرن التاسع عشر أو ما قبله بقليل أو في بدايات القرن العشرين، إلى عمل جماعي حين تبلورت المشروعات الدعوية والإصلاحية في حركات وجماعات إسلامية كجماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية في دول القارة الهندية، وحزب الرفاه في تركيا، والجماعات والحركات السلفية والصوفية.
 
وما يحدث اليوم هو تحول في التدين والعمل الإسلامي من كونه عمل جماعات وحركات إلى عمل مؤسسي ومجتمعي تؤديه الأمة بأسرها. وقد يضلل أفهامنا ويستدرجنا إلى مواقع غير صحيحة ذلك التناول الإعلامي الذي يتعامل مع الظاهرة الإسلامية باعتبارها فقط عملاً حركياً منظماً تنسقه جماعات إسلامية بعضها معتدل وبعضها متطرف، دون ملاحظة تذكر لدور المجتمع أو المؤسسات الرسمية والأهلية.
 
ويمكن التقاط مجموعة من التفاعلات المؤسسية والاستثمارية مع الظاهرة الإسلامية بعيداً عن عمل الجماعات والحركات الإسلامية، مثل البنوك الإسلامية. وقد أنشأ مؤخراً البنك العربي أكبر وأهم البنوك العربية بنكاً إسلامياً "البنك العربي الإسلامي الدولي" وشركات التأمين الإسلامية، وشركات الحج والعمرة، والمحلات التجارية المرتبطة بالسلوك الإسلامي كالحجاب والشريط السمعي.
 
"
لا يكفي القول إن الفقر والبطالة والتهميش هي الأسباب الوحيدة المحركة للبعث الديني، بل إن الدين والثقافة سيظل لهما وزنهما في التنمية
"
والأمر يتعدى الملاحظات السابقة بكثير فإذا أعدنا النظر والتفكير في دور وزارات الأوقاف والمساجد والجامعات والمدارس ومحطات الإذاعة والتلفزيون والإنتاج السينمائي والتلفزيوني فسنجد أن جهوداً كبيرة تبذل للدعوة الإسلامية وينفق عليها مئات الملايين، وهي أعمال ستؤدي مراجعتها وإصلاحها إلى حالة حضارية متقدمة.
 
حالة الانبعاث الديني لا تقتصر على العالم الإسلامي، فالعالم كله يشهد بعثا دينيا يؤثر على الحياة العامة والثقافة ويعيد تشكيل الدول والمجتمعات. فإلى جانب العالم الإسلامي حيث تمثل الحركة والاتجاهات الإسلامية القوة الشعبية الفاعلة والغالبة، تقوم في أوروبا صراعات دينية قومية مثل الكروات والصرب، الصرب والبوسنة، الصرب والألبان، والكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا.
 
وتحتل الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة مكانة مؤثرة في الحياة السياسية والعامة وينسب إليها نجاح الرئيس الأميركي جورج بوش وبرامجه ومواقفه، وتمتلك شبكة واسعة من الكنائس والجامعات ومحطات التلفزة والشركات والجمعيات.
 
وفي الهند تغلبت الأصولية الهندوسية على حزب المؤتمر العريق الذي ظل يحكم الهند منذ تأسيسها. وفي أميركا اللاتينية قام دعاة التحرر من رجال الدين الكاثوليكي بمحاولات للإصلاح الاجتماعي والسياسي، مثل مؤتمر مدبلّين للأساقفة الكاثوليك عام 1968، ومؤتمر يوبليا عام 1979.
 
وكانت الكنيسة في أوروبا الشرقية أهم خصم سياسي للشيوعية ولعبت دوراً مهماً في إسقاطها. وفي سريلانكا يدور صراع بين البوذيين "السنهال" والهندوس "التاميل"، والصراع بين المسلمين والهندوس في الهند لم يتوقف.
 
وفي الصين أخذت انتفاضة المسلمين بُعداً جديداً، حيث تقوم الحكومة الصينية بإعدام العشرات منهم بعد أكثر من نصف قرن من التعايش المعقول نسبياً. وهذه الأحداث تمثل نموذجاً وليست شاملة وتدل على القوة الكامنة للدين كما تكشف ضعف العديد من الأمم والدول.
 
يرى جون إسبوزيتو الأستاذ بجامعة جورج تاون أن مشروعات ووعود النخب السياسية بالتنمية وحياة أفضل لم تتحقق، وارتبط هذا الفشل بالعلمانية، وكان المشهد الذي آلت إليه الدول والمجتمعات يدعو إلى ردود فعل عكسية وغاضبة وبحث عن وسائل وأطر أخرى للإصلاح غير تلك التي سادت طوال هذا القرن، حيث تكونت مجتمعات تستفيد فيها أقلية ضئيلة العدد من كل مزايا الحضارة الحديثة، وترزح الأغلبية في البؤس والفقر، وكان هذا الغنى الفاحش والفقر المدقع على درجة من التجاور والاحتكاك تؤدي إلى المواجهة المستمرة.
 
ويقدم ممثلو الحركات الدينية أنفسهم على أنهم سيحققون مجتمعاً أكثر أصالة وعدالة اجتماعية، ويدافعون عن الفقراء والمضطهدين. وقد جذبت هذه الحركات مهنيين ومثقفين وأساتذة وعلماء تخرجوا من أفضل الجامعات وأهمها في بلادهم وفي أوروبا وأميركا.
 
ويستخدم ممثلو هذه الحركات بفاعلية التقنية الحديثة ووسائلها الإعلامية في التأثير والاتصال على نحو يبشر بمهارة قيادية وتقنية تؤهلهم لقيادة المجتمعات والدول.
 
فالمجتمعات تبحث بحرقة عن أصالتها وهويتها، ولا يكفي القول إن الفقر والبطالة والتهميش هي الأسباب الوحيدة المحركة للبعث الديني، بل إن الدين والثقافة سيظل لهما وزنهما في التنمية.
 
إن الحكومات والمؤسسات الأهلية تجد في الدين مورداً كبيراً لو استثمر بشكل صحيح لخفض جزءاً كبيراً من أعباء الناس الاقتصادية والاجتماعية، وتستطيع الحكومات لو أرادت أن تحول المتدينين من أعداء لمجتمعهم وبلادهم إلى أعمدة مهمة في الاستقرار والإنتاج.
 
إعادة تنظيم العلاقة والصراع حول الدين
"
تسعى السلطة في الوطن العربي إلى تحويل الحركات الإسلامية إلى حركات سياسية علمانية، وتحويل المؤسسات الدينية إلى واحدة من مؤسسات الدولة بعيدا عن التأثير السياسي والجماهيري للحركات الإسلامية

"
المشهد القادم الذي تسعى السلطة في الوطن العربي إلى صياغته وفرضه على الحركة الإسلامية هو أن تتحول إلى حركة سياسية علمانية، وتتحول المؤسسة الدينية إلى واحدة من مؤسسات الدولة أو المجتمع بعيدا عن التأثير السياسي والجماهيري للحركات الإسلامية.
 
لكن المشكلة أن الحكومات لا تتخذ وسائل وأدوات تخدم هذا الهدف، فهي تركت المساجد والعمل الديني في حالة فوضى وانهيار، فلا هي أصلحت الوضع أو أعادت تأسيسه وتنظيمه ولا هي تركت المجتمع الأهلي يديره بطريقته، بل إن المساجد في مرحلة سابقة على الدولة كانت أهم مركز علمي واجتماعي ينظم حياة الناس ويوفر التعليم، كما في الأزهر والزيتونة والأموي.
 
المساجد اليوم في الأردن تزيد على الأربعة آلاف مسجد، وهو ضعف عددها عام 1991، ولم يزد القائمون على عمل المساجد بنفس نسبة الزيادة في عددها.
 
والمجتمع يشهد حالة من التدين والإقبال على المساجد تفوق أي مرحلة سابقة، ويقتضي ذلك بالتأكيد استيعاب هذه الحالة في مؤسسة مرجعية علمية ودينية تتولى عمليات التثقيف والتوعية بمنهجية تحمي من الفوضى والتطرف، وتلبي ما يستجد من قضايا يومية وحياتية معقدة تحتاج إلى فقه ومعالجة تشريعية متجددة.
 
المسائل الأكثر أهمية في عمل المساجد مسكوت عنها فيما يبدو، وما يظهر في وسائل الإعلام هو شغل بقضايا أخرى أقل أهمية.
 
الدولة -وليست الحكومة- بالمفهوم الصحيح الذي يشمل السلطات والمؤسسات جميعها بحاجة إلى أن تجيب على أسئلة أساسية تنظم وتحدد السياسات العامة المطلوب تحقيقها في المساجد، مثل تحديد الولاية على المساجد وتنظيم عملها وإدارتها، والمرجعية العلمية في اختيار العاملين على المساجد، وإجازتهم، والمحتوى العلمي والمناهج التي يجب استيفاؤها في المساجد وتوفيرها لجميع الناس، والإفتاء، والتعليم الديني المسجدي وغير المدرسي.
 
وكما بدأ التعليم عفويا وبدائيا ثم تطور إلى مدارس منظمة تحكمها مناهج ومؤسسات وأنظمة وتشريعات.. وكما تطور الطب من حالة شعبية إلى عيادات ومستشفيات تنظمها جامعات ونقابات ووزارات.. وكما تطورت المهن، فإن العمل المسجدي يحتاج على وجه السرعة إلى إعادة تنظيم ليتحول إلى مؤسسة تقدم المعرفة الصحيحة بالدين وفق مناهج منضبطة وقابلة للقياس والتطوير. ويبدو أن ثمة حاجة إلى عودة مؤسسات المذاهب الفقهية ونشرها وتطويرها.
________
كاتب أردني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة