تاريخ مسكوت عنه   
الأحد 1431/12/15 هـ - الموافق 21/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 18:18 (مكة المكرمة)، 15:18 (غرينتش)
زياد منى


المشكلة
ا
لبدايات
حزب الكتائب والحركة الصهيونية
خلاصة

يطيب للبعض من أهل السياسة العرب، وغير العرب، إلقاء اللوم على الفلسطينيين وتحميلهم مسؤولية كوارث الإقليم جميعها. وقد علّمنا بعض العرب في المدارس ضمن المنهاج الدراسي الدعاية المبتذلة أن الفلسطينيين باعوا بلادهم وانتقلوا إلى بلاد "الغير" كي يسيطروا عليها ومن ثم يبيعونها من جديد.

لكن الآن يتضح جليًا من الذي يبيع فلسطين، وبلاد العرب جميعها، وثرواتها وشعوبها، أي الأرض ومن عليها، مقابل الاحتفاظ بعروش قصبية. كما نرى كيف تختار تلك العروش من يمثل الفلسطينيين وتقف إلى جانب العدوان الصهيوني المستمر علينا.

من هذا المنظور فإننا لا نستغرب إطلاقًا تصريح النائب سامي الجميل الذي يسوغ فيه تعامل حزب الكتائب مع العدو الصهيوني، من منطلق التهمة إياها بحق الشعب الفلسطيني المظلوم.

"
اتضح جليا من الذي يبيع فلسطين، وبلاد العرب جميعها، وثرواتها وشعوبها، أي الأرض ومن عليها، مقابل الاحتفاظ بعروش قصبية
"
ما كنا نود الخوض في موضوع مقالنا هذا بسبب حساسيته الشديدة، ولكن بما أن هناك من يظن أنه يمتلك أحقية حصرية في كتابة التاريخ، ويظن كذلك أن الشعب الفلسطيني وقضية فلسطين، قضية العرب الأولى، مطية للفكر الطائفي العنصري البغيض والكريه، فسنوجز بعض الحقائق ذات العلاقة، ونعد بالمزيد إن دعت الحاجة إلى ذلك.

قبل ذلك ورغم اعتراضنا على منطلق السيد النائب في تسويغ علاقة حزب الكتائب مع العدو إلا أننا نرى إيجابية واحدة فيه هي أنه لم ينظر إليها من منظور إيجابي بل عدها من باب "التحالف مع الشيطان" في وجه "الشيطان الأكبر" الفلسطيني، وليس كما يفعل عرب كثر هذه الأيام حيث يرون في الكيان الصهيوني العنصري حليفًا لعروشهم لمحاربة إخوتهم في الدين.

المشكلة
لكن هل بدأ تعاون حزب الكتائب اللبنانية مع العدو أثناء الحرب الأهلية؟! الإجابة: لا، وإليكم الوثائق والأدلة التاريخية التي أخذناها من مؤلفات متخصصة اعتمدت على محفوظات "الوكالة اليهودية" و"المنظمة الصهيونية العالمية".

عندما تمكن العدو الصهيوني من تحقيق ما ظن أنه الانتصار النهائي على الأمة العربية على نحو عام، وتحديدًا على الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني بعد استسلامها الكامل لشروطه في عام 1974 بتبني "برنامج النقاط العشر" أو "البرنامج المرحلي"، وتوج لاحقا بحفلة عائلية للغاية حضرها الرئيس كلنتون وزوجه وابنته، ألغى فيها المجتمعون، الذين سيحاسبهم شعبنا قريبًا على الجريمة التي ارتكبوها بحق أمتنا المناضلة المغلوبة على أمرها، ووسط تهليل عربان أميركا وإسرائيل، بنودًا من الميثاق الوطني الفلسطيني الذي دفع شعبنا أنهرا من الدماء والدموع والآلام من أجله، والذي استحال بعد ذلك الميثاق اللاوطني اللافلسطيني، ظن بعض البحاثة الصهاينة وأصدقائهم أنهم يمكنهم الكشف عن بعض جوانب الصراع ودور بعض العربان فيه.

البدايات
المعلومات في هذا المقال دومًا بحسب مراجعنا، فإن بداية العلاقات بين قوى مذهبية في لبنان على نحو عام، وشخصيات دينية مارونية تحديدًا تعود إلى عام 1920 حيث قام أحد قياديي الوكالة اليهودية في فلسطين بتوقيع اتفاقية صداقة مع هيئة (غير رسمية) من موارنة لبنان عدوا أنفسهم فينيقيين وليس عربًا. كما عبر ذلك التوق للتحالف عن نفسه في توقيع اتفاقية سرية في عام 1946 بين أطراف دينية مارونية والوكالة اليهودية.

كما شاركت مجموعة من الشخصيات اللبنانية في توطيد التحالف بين الطرفين ومنهم رئيس الجمهورية إميل إدة وألفريد نقاش والبطرك أنطوان عريضة ورئيس أساقفة بيروت المطران أغناطيوس مبارك. فعلى سبيل المثال تنقل الوثائق عن إميل إدة قوله «على لبنان المسيحي وفلسطين اليهودية أن يسعيا إلى توفير الحماية بطريق إقامة وحدة سياسية وعسكرية وثيقة».

ولم تقتصر محاولات التحالف هذا على رجال الكنيسة بل امتدت لتضم رجال الثقافة حيث ينقل عن الشاعر شارك قرم طرحه بنود ميثاق رابطة مع الحركة الصهيونية تحت اسم "الجمعية اللبنانية الفلسطينية".

"
قام أحد قياديي الوكالة اليهودية في فلسطين بتوقيع اتفاقية صداقة مع هيئة (غير رسمية) من موارنة لبنان, كما عبر ذلك التوق للتحالف عن نفسه في توقيع اتفاقية سرية في عام 1946 بين أطراف دينية مارونية والوكالة اليهودية
"
وفي عام 1946 أضفى كل من برنارد جوزيف نيابة عن حاييم وايزمان وجوزف عوض نيابة عن أنطوان عريضة صفة رسمية على التحالف بتوقيع المعاهدة المارونية الصهيونية. بل إن أنطوان عريضة تبادل عام 1947 الرسائل مع دافيد بن غوريون أكد فيها الطرفان الاحترام المتبادل بينهما.

أما أغناطيوس مبارك فقد عبّر عن رأيه بصراحة لا تقبل أي تأويل حين كتب، على ما نقل عنه، تأكيده التناقض بين اليهود والمسيحيين من جهة والعرب المسلمين من جهة أخرى "المتخلفين البعيدين من التقدم"، وأن لبنان "يطالب بالحرية لليهود في فلسطين كما يتوق إلى حريته واستقلاله الخاص: وهو نص نشرته جريدة "الديار" اللبنانية مما أثار عاصفة احتجاج في لبنان ودفع النواب الموارنة إلى استنكار تلك الدعوة والمطالبة بطرد أغناطيوس مبارك من البلاد. الأمر انتهى بمبادرة البطرك الماروني إلى نفي أغناطيوس مبارك إلى أحد الأديرة وإعفائه من كافة مناصبه.

كما أن رئيس الجمهورية اللبنانية بشارة الخوري نفسه رفض تلك المحاولات وعمل بعد انتخابه عام 1943 على اتباع سياسة تعاون حذرة مع العالمين العربي والإسلامي. ومع بداية تلك الحركة أفل نجم القوى اللبنانية المتصهينة.

وقيادة الكنيسة المارونية أو أغلبيتها المؤثرة لم تكن موافقة على سياسات أنطوان عريضة. فعلى سبيل المثال وقف بيير عوض وهو أحد مساعدي أنطوان عريضة ضد الاتفاقات والاتصالات وكان شديد العداء للصهيونية.

حزب الكتائب والحركة الصهيونية
بدأت الاتصالات الأولى بين حزب الكتائب اللبنانية والحركة الصهيونية في ربيع عام 1948 على نحو "غير رسمي" في الولايات المتحدة حيث اجتمع الأب جوزيف عوض إلى كل من إلياهو بن حورين وسولاميت شفارتس من مجلس الطوارئ الأميركي الصهيوني حيث قدم الأخير معونة مالية للطرف الأول لزيارة لبنان تدوم شهرًا للدعوة إلى منع لبنان من المشاركة في الحرب.

وقد قدم جوزيف عوض تقريرًا عن زيارته ولقاءاته مع قيادات "مسيحية" لبنانية منهم بيير الجميل الذي نقل عنه قوله إن سوق الجيش اللبناني إلى الحدود مع فلسطين يشكل فرصة ذهبية لانتفاضة "مسيحية" في بيروت.

عقب هذه الزيارة بدأت صحف مثل "الهدى" ودور نشر مثل "المطبعة الفينيقية" بنشر كتب ومقالات وكراريس تدعم قضية النزعة الانفصالية اللبنانية، أصحاب الجذور الفينيقية التي تمتد إلى ثلاثة آلاف عام، بدعم من مجلس الطوارئ الصهيوني الأميركي.

من ناحية أخرى اجتمع إميل إدة وابنه بيير إدة في باريس إلى أحد مسؤولي وزارة الخارجية الإسرائيلية لبحث "انتفاضة بيروتية". لكن معلومات الاستخبارات الصهيونية كانت مختلفة تمامًا حيث أبدت الرأي بأن مسيحيي لبنان لا يبدون أي مبالاة تجاه هكذا انتفاضة، مما يجرد أولئك "القادة" من أي صفة تمثيلية حقيقية للمسيحيين عامة وللموارنة خاصة، علمًا بأنهم كانوا يطالبون بدخول القوات الصهيونية إلى جنوبي لبنان، وصولاً إلى صيدا وحتى إلى ما بعدها.

"
عندما قامت المؤسسات الصهيونية بتقدير قدرات حزب الكتائب الانتخابية، وصلت إلى قناعة بأنه لن يتمكن من إنجاح ثلاثة أو أربعة نواب في البرلمان. لذا رفضت التوصية بتقديم مبلغ كبير للحزب
"
اللقاءات الكتائبية الصهيونية جعلت موشيه شاريت يكتب: إنها (الكتائب) جديرة باهتمامنا.. (لأنها تريد) إخراج لبنان من الدائرة العربية وتقريبه من إسرائيل تثلج الصدر وتفتح الباب أمام عملية إعادة تحالفات بعيدة المدى في مجمل بنية الشرق الأوسط.

وللتأكد من ذلك على المرء الراغب في الاستزادة مراجعة أعداد صحيفة حزب الكتائب "العمل" العائدة إلى إلياس ربابي في تلك الفترة ومقالاتها الداعية إلى التعاون مع إسرائيل.

بل إن حزب الكتائب طلب مساعدات مالية من إسرائيل لدعم حملته الانتخابية، وبحثت الدوائر الإسرائيلية المختصة في الموضوع حيث اقترح تقديم دعم مالي له يراوح مقداره بين 35000 و100000 دولار. لكن الدوائر الصهيونية كانت على غير قناعة بمقدرات الكتائب وغيرها من القوى لأن: كل شخصية سياسية عربية تقول خلف الأبواب المغلقة ما لا تجرؤ على إعلانه على الملأ.

عندما قامت المؤسسات الصهيونية بتقدير قدرات حزب الكتائب الانتخابية الذي كان يبالغ كثيرًا في عدد أعضائه، وصلت إلى قناعة بأنه لن يتمكن من إنجاح ثلاثة أو أربعة نواب في البرلمان. لذا رفضت التوصية بتقديم مبلغ كبير للحزب ومنحه بدلاً من ذلك منحة صغيرة تعبر عن حسن النية تجاهه.

من المعروف أن مؤسس حزب الكتائب اللبنانية، بيير الجميل، أخفق في الفوز بمقعد نيابي في تلك الدورة، وإلياس ربابي، صاحب جريدة "العمل" لسان حال الحزب، لم يتمكن حتى من ترشيح نفسه، هذا رغم أن بعض الدوائر الصهيونية حاولت تأكيد فوز كتائبيين ومناصرين لهم، دومًا حسب الوثائق الصهيونية، بخمسة مقاعد نيابية.

مع ذلك لم تجد القيادة الصهيونية أي حاجة إلى تقديم أكثر من ألفي دولار أميركي مساعدة لحزب الكتائب "حسم منها مبلغ 500 دولار كلفة سفر إلياس ربابي إلى باريس لأخذها"، سلمها يهوشوا بالمون للأخير مع أن الاتفاق الأولي كان تسلمهم مبلغ عشرة آلاف دولار. أما رد المؤسسة الصهيونية على احتجاجات قيادة حزب الكتائب فكان: لقد قدمنا لهم أكثر من قيمتهم!

ردة فعل كل من بيير الجميل وإلياس ربابي كانت «قدر مأساوي من التدمير والانزعاج والأسى، بل وحتى المهانة.. ». لكن في الوقت نفسه كانت التعليمات التي تسلمها الأب جوزيف عوض من إلياس ربابي: إبلاغ الأصدقاء "الصهاينة" بنيويورك بأننا ورغم استيائنا "نحن الكتائبيين" العميق، نعلن أن قدرنا يحتم علينا العمل سويًا..".

خلاصة
نود الآن التأكيد أن ما لدينا من وثائق منشورة تتجاوز ما أوردناه هنا بأضعاف، ولكننا قررنا قصر مقالنا على التذكير ببعض الحقائق التاريخية ونقطة في بحر تاريخ مسكوت عنه. لذلك فإن أي محاولة لتحميل الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره مسؤولية نمو فكر انعزالي طائفي ستصطدم بحائط حقائق تاريخية لن نبقيها عندها "مسكوتا عنها".

إن الخطر الحقيقي الذي يتهدد مسيحيي الشرق، أصل البلاد وعمودها الفقري، لا يأتي عبر الانفصال والانعزال، بل في الاندماج والتفاعل مع المحيط الثقافي، مع المحافظة الضرورية على الخصوصيات.

فما أبشع هذا العالم لو كان كله لونا واحدا، وما أقبح الطبيعة لو كانت من صنف واحد. نقول هذا ونشدد على استنكارنا العميق وإدانتنا غير المشروطة للاعتداءات الإجرامية بحق أبناء وطننا من مختلف الطوائف المسيحية والمسلمة وغيرها.

"
لا نقبل بتحميل أي طائفة ما حدث في فلسطين، وإنما ندين الفكر الطائفي المذهبي العنصري الضيق الذي قاد بلادنا في كثير من الأحيان إلى كوارث وطنية
"
أخيرًا وجب تأكيد أن أصوات هذه القوى الانعزالية الطائفية وأفعالها غير المشرفة لم تقتصر على الطائفة المارونية فقط، بل امتدت لتضم كل الطوائف والمذاهب، بل وحتى طائفة بأكملها، والقوائم والمعلومات والأبحاث المنشورة بغير اللغة العربية تجعل الجبين يندى من هكذا تواطؤ "عربي" على فلسطين وأهلها.

لا نقبل بتحميل أي طائفة ما حدث في فلسطين، وإنما ندين الفكر الطائفي المذهبي العنصري الضيق الذي قاد بلادنا في كثير من الأحيان إلى كوارث وطنية.

لقد شارك "قادة" عرب، من مختلف الطوائف والمذاهب في صنع كارثة فلسطين، وها هم يساهمون اليوم في توطيد دعائم الكيان الصهيوني على حساب مصالح أمتنا، وما أشبه اليوم بالأمس. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة