المشهد الشرق أوسطي على أعتاب العقد الجديد   
الخميس 1431/2/13 هـ - الموافق 28/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
غازي دحمان


العرب ومراكمة سنوات الضياع
إسرائيل قوة غاربة
إيران قوة متراجعة
تركيا قوة صاعدة

على مدار الجزء الأكبر من مساحة العقد المنصرم شكل الشرق الأوسط الحدث الأبرز على مسرح السياسة الدولية، وقد انخرطت جميع قواه في تفاعلات صراعية وتعاونية، على المستويين الإقليمي والدولي، أفضت إلى حدوث متغيرات مهمة في مؤشرات القوة والضعف لديها، كان من نتيجتها تشكل مشهد شرق أوسطي يبدو مفارقا -بعض الشيء- عما كان في بداية القرن الحالي.

وفضلا عن كونه يؤسس لمرحلة جديدة ومغايرة، ترتب لمتغيرات جيوبوليتيكية وجيوسياسية مؤلمة وحادة، بدأت نذرها تظهر في التخوم الشرق أوسطية، اليمن والسودان على وجه التحديد، فكيف بدت صورة القوى المشكلة للمشهد الشرق أوسطي في بداية العقد الجديد، وما شكل التطورات التي قد تستقر عليها في السنوات القادمة من العقد الجديد؟

العرب ومراكمة سنوات الضياع
تشير معظم التقارير التي تناولت الوضع في المنطقة إلى فقدان العالم العربي لأي مؤشرات قوة تؤهله لتغيير مكانته المتدنية في تراتبيات القوة في المشهد الشرق أوسطي، فقد راكم العرب -كيانات ونظما- من أسباب الفشل ما قد يشكل عائقا أمام أي محاولة للنهوض.

ومن أبرز مظاهر الفشل، عجز العرب عن مواجهة أغلب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية التي واجهتهم، فتركت حتى استفحلت وتفاقمت على نحو بات يتعذر حلها، وربما يستحيل، ولا يعود هذا إلى قصور في إدراك ووعي حل المشكلات، بقدر ما يعود إلى الكيفية والآليات التي يجري من خلالها التعامل مع هذه المشكلات.

"
يدخل العرب في العقد الجديد بمشكلات متراكمة ومرشحة للتعقيد أكثر فأكثر، مما يشير إلى أن المستقبل العربي سيظل ضبابيا تتواصل فيه الحروب والصراعات في المنطقة لتؤكد أنها السمة الأبرز لها
"
وقد شهد العقد الماضي فشل الدولة العربية في توحيد مجتمعاتها الداخلية وبناء وحدات وطنية تتوافر على الحد الأدنى من التماسك وعدم القابلية للتفتت والانقسام.

وتضافرت عناصر الفشل جميعها وساهمت في تحويل العالم العربي إلى شبه ساحة شاغرة، تغري وتجذب أولئك الساعين إلى ملء الفراغ، وقد ساعد في تعظيم هذه الإشكالية، تفرغ العرب في العقد المنصرم لقضايا هامشية ومفتعلة، ولم يتحركوا لحل قضاياهم الإستراتيجية، بل عمدوا إلى ترسيخ سياسة المحاور فيما بينهم من دون أن يعززوا أو يطوروا مكانتهم في تلك المحاور.

إضافة لذلك، خطا النظام العربي خطوات جادة نحو الانصهار في نظام آخر، ويجري هذا الانصهار بقرارات فردية من الدول العربية التي اختارت أولا الانفكاك عنه والدخول في علاقات ثنائية مع تكتلات دولية وإقليمية أخرى، ثم هي تختار الآن المشاركة فعليا في بناء نظام إقليمي غير عربي.

ويمكن إجمال أهم مؤشرات الضعف العربي في ما يلي:
- عدم استكمال بناء الدولة الوطنية وإمكانية تعرضها للاندثار في أكثر من مكان.
- عدم امتلاك العرب لمشروع سياسي اقتصادي اجتماعي واضح.
- التمزق بين فضاءات متعددة (الأوروبي – الأفريقي - التركي).
- عدم الرغبة في تطوير النظام الإقليمي العربي.

وهكذا يدخل العرب في العقد الجديد بمشكلات متراكمة ومرشحة للتعقيد أكثر فأكثر، مما يشير إلى أن المستقبل العربي سيظل ضبابيا تتواصل فيه الحروب والصراعات في المنطقة لتؤكد أنها السمة الأبرز لها، مما يعني أن نهوض المنطقة من كبوتها مشروع مؤجل.

إسرائيل قوة غاربة
تجلت قوة إسرائيل، منذ نشأتها من خلال قدرة قادتها، وخاصة من يصفونهم في أدبياتهم بـ(الآباء المؤسسون) على صوغ توليفة من أساطير دينية وأفكار قومية لإدارة الحراك السياسي، وجعل المجتمع الإسرائيلي مستعدا للسير خلف مؤسسته الحاكمة وتحقيق أهدافها، وقد تعزز ذلك من خلال قدرة إسرائيل بالحصول على الدعم الدولي المطلق (وخاصة من الدول الكبرى)، وكذلك قدرتها على ردع خصومها بقوة، وساهم كل ذلك في تحقيق قدر من الاستقرار كان من نتيجته تحول إسرائيل إلى قطب جاذب للطاقات اليهودية في العالم والتي أسهمت بدور مهم في تعزيز قدرات إسرائيل ومكانتها.

وما زاد من قوة إسرائيل، وخاصة في العقد الأخير من القرن الماضي، هجومها الإستراتيجي على المنطقة، من خلال تقديم نفسها كطرف راغب بالسلام والاندماج في محيطها الإقليمي، وذلك عبر طرحها للمشروع الشرق أوسطي، الذي أعطاها زخما كبيرا أسهم في توسيع خياراتها الإستراتيجية، كما أضاف لها قوة دفع دبلوماسي حققت من خلالها فتوحاتها الكبرى في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

التحديات التي تواجهها إسرائيل في بداية العقد الحالي تتمثل بفقدانها لأغلب تلك المزايا، إما بسبب متغيرات إستراتيجية أفقدتها قدرتها الردعية، وحولتها من مطلقة إلى نسبية، وذلك لقيام خصومها بتطوير إستراتيجيات موازية، أو بسبب إصرارها على استخدام القوة المفرطة في مواجهة خصومها، لتلافي الضعف الواضح في قدراتها، الأمر الذي حولها إلى دولة خارجة عن القانون، وجعل من تأييدها أمرأ خارجا عن نطاق الأخلاق والقيم الإنسانية.

"
إسرائيل باتت مربكة ومحشورة، في الوضع المعقد والمتداخل الذي تعيشه، وهو ما سينعكس حكما على قدرتها وإمكانية تحسين وضعها في تراتبية القوة الإقليمية، ومن المرشح تحول هذه الأمور إلى نوع من الإستاتيكو من شأنه تشكيل أخطار وجودية على إسرائيل
"
غير أن أخطر التحديات التي تواجهها إسرائيل في المرحلة المقبلة تتمثل بضعف النخبة السياسية فيها، وكذلك الافتقار إلى القدرة على ابتداع الأفكار ذات البعد الإستراتيجي والتي جعلت إسرائيل في مرحلة سابقة بمثابة ضرورة للقوى العظمى، على العكس من ذلك، فإن إسرائيل تختار العيش في غيتو كبير وتتعرض بشكل متزايد لهجرة معاكسة تضعها أمام تحدي إمكانية تحولها إلى دولة لكل يهود العالم أو دولة يهودية على ما تريد النخب فيها.

ويكشف استطلاع للرأي أجراه (معهد رافي سميث) معطيات مذهلة عن المجتمع الإسرائيلي، فمع دخول العام 2010، يشير 69% من المستطلعة أراؤهم بأن مجتمعهم بات أقل تراصا، كما يعتقد 47% منهم أن إسرائيل أصبحت أشد عنصرية، وأن 82% وضعوا أنفسهم في الجانب الأيمن من الخريطة السياسية، وعن مستوى الثقة في القيادة ومؤسسات الدولة فهو ضعيف عند 67% منهم، وقال 57% إنهم أقل تفاؤلا بشأن الدولة.

وعلى ما سبق فإن نقاط الضعف الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل تتمثل في الآتي:

- تراجع قدرات إسرائيل الردعية، وقدرة خصومها على تحقيق قدر من التوازن.
- عدم قدرة قادتها على القيام بمبادرات إستراتيجية فاعلة، وتجمد الفكر السياسي.
- انتهاء إسرائيل كنموذج جاذب للهجرة.
- تواجه إسرائيل في المرحلة القادمة تحديا يتعلق بتآكل شرعيتها وصدقيتها ومكانتها في العالم كدولة استعمارية عنصرية ودينية وعدوانية.
- مواجهة الخطر الديموغرافي، الذي بات من أهم التحديات التي تعترضها، في سعيها للحفاظ على وضعها كدولة يهودية.

ويستنتج من ذلك أن إسرائيل في كل هذه الأمور باتت مربكة ومحشورة، في هذا الوضع المعقد والمتداخل، وهو ما سينعكس حكما على قدرتها وإمكانية تحسين وضعها في تراتبية القوة الإقليمية، ومن المرشح تحول هذه الأمور، مع تقدم العقد الحالي، إلى نوع من الإستاتيكو من شأنه تشكيل أخطار وجودية على إسرائيل.

إيران قوة متراجعة
جسدت قدرة إيران منذ قيامها بالثورة الإسلامية عام 1979 انعكاسا لقوتها الداخلية، ذلك نتيجة لتماسك النظام والمجتمع الإيراني، وتعبيرا عن قدرة نظام الجمهورية الإسلامية جعل المجتمع يتبنى مقولاته ويؤمن بها، ويبدي استعداده الدائم للتضحية في سبيلها، وبنفس القدر، شكل ذلك إشكالية أمام الإستراتيجيات التي وضعتها الأطراف المعادية للنظام من أجل إحداث خرق في الجبهة الداخلية.

ولكن، بقدر ما شكل هذا المعطى عاملا مساعدا لنظام الجمهورية الإسلامية في تطبيق تصورها للسياسة الداخلية وإدارة ملفات العلاقات الخارجية، سيشكل في مرحلة لاحقة أحد أهم إشكاليات الدولة الإيرانية الحديثة، ذلك أن المجتمع الإيراني أو على الأقل الجزء المديني الذي تعرض لنفحات العولمة والحداثة، سيرفض قضية تأجيل طموحاته الذاتية في الرفاهية والديمقراطية، بحجة إعطاء النظام فرصة لتحقيق أهدافه، التي ما انفك يرفع سقفها لتلامس حدود المعقول، وخاصة في الملف النووي، وقضية التدخلات الخارجية.

وللمراقب هنا أن يلاحظ بهذا الخصوص أن التعبير عن القومية الإيرانية في تحركات المعارضة يشير إلى نزعات انعزالية ضاقت ذرعا بالطموح الإقليمي للنظام، وخصوصا في ظل انكماش اقتصادي تزيد من أزمته العقوبات المفروضة من الخارج.

"
إيران بحمولتها الثقيلة من المعوقات والتحديات، ستبدو مرتبكة في خطاها باتجاه سنوات العقد القادم، ولا سيما أن الإسلام السياسي الذي أنجب ولاية الفقيه يبدو في أزمة وأنه لن يعمر كثيرا
"
ولاشك أن إيران، التي تختزل الآن في ملفها النووي، قد تكتشف في مرحلة متقدمة من العقد الحالي، أن هذا الملف شكل أكبر سقطاتها الإستراتيجية، وأنه قد لا يختلف عن واقعة حرب النجوم إلتي أدخل إليها الاتحاد السوفياتي عنوة، وخرج منها بواقع جيوإستراتيجي مختلف أطلق عليه مسمى الجمهوريات السوفياتية السابقة، وذلك لانعدام توفر الحامل الاقتصادي والاجتماعي لهذا المشروع.

ويتفق الخبراء في المنطقة على أن إيران -وبعد الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان- ضيعت فرصة إستراتيجية مهمة، تمثلت بعدم قدرتها على صياغة رؤية واضحة لما تريده وتستطيع فعله، كما أن سلوكها السياسي المتناقض بين إعلانها ممانعة الإستراتيجيات الأميركية في المنطقة، ومساعدتها على تهديد الأمن والاستقرار في دول الجوار، قد أفقد الثقة في سياساتها.

ومما سبق يمكن إجمال نقاط الضعف الإستراتيجية لإيران -وهي تدخل العقد الجديد- في الآتي:

- تطرف صانع القرار في التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية.
- عدم قدرة إيران على الانفتاح على المحيط العربي من موقع المصالح المتبادلة بدلا من موقع تصدير الثورة.
- عدم القدرة على تطوير إستراتيجيات حقيقية، دبلوماسية وعسكرية، للتعامل مع التحديات الخارجية.
- تصورها المبسط للمواجهة القادمة مع الولايات المتحدة الأميركية.

وهكذا فإن إيران -وبهذه الحمولة الثقيلة من المعوقات- ستبدو مرتبكة في خطاها باتجاه سنوات العقد القادم، ولا سيما أن الإسلام السياسي الذي أنجب ولاية الفقيه يبدو في أزمة وأنه لن يعمر كثيرا.

تركيا قوة صاعدة
استطاعت تركيا في العقد الماضي تحقيق إعادة تموضع ناجحة لتوجهاتها وسياساتها، كما أنها استطاعت الاستفادة، بقدر أكثر نجاعة من مزاياها الجيوبوليتيكية، التي طالما أهدرتها على عتبات الاتحاد الأوروبي، فبعد خروجها من قفص تأييد الولايات المتحدة المطلق، عملت أنقرة على تأكيد مكانتها كلاعب قوي ومستقل في قلب منطقة شاسعة تمتد من الشرق الأوسط إلى البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى.

وتقوم تركيا بهجوم دبلوماسي في كافة الاتجاهات، مستفيدة بذكاء شديد من أوضاع خارجية تتسم بفراغ القوة كما هو حاصل في الفضاء العربي، وباختلال موازين إقليمية وصراعات إستراتيجية في أقاليم الشرق الأوسط، وهي كلها أوضاع جاذبة ومشجعة تشرع الأبواب أمام هذا الهجوم الدبلوماسي التركي.

إضافة لذلك تسعى تركيا إلى التأكيد أنها قوة استقرار مصممة على نشر السلام والأمن في كل مكان، وهي لذلك تعرض التوسط في الصراعات الإقليمية المستمرة منذ زمن بعيد.

هذا الدور الناشط والمتوسع لتركيا، ما كان له أن ينطلق بقوة لولا وجود عناصر ثلاثة متكاملة: أولها موقع ديناميكي وحيوي، ثانيها رأي عام واع ومتفاعل مع الدولة في إطار تراث ديمقراطي يعتبر متقدما ومتجذرا، وثالثها سياسة خارجية براغماتية، مما يساهم في تعظيم إمكانات تركيا وتوظيفها في خدمة الدور الناشط والفاعل.

"
الدور الناشط والمتوسع لتركيا، ما كان له أن ينطلق بقوة لولا وجود عناصر ثلاثة متكاملة: أولها موقع ديناميكي وحيوي، ثانيها رأي عام واع ومتفاعل، وثالثها سياسة خارجية براغماتية، مما يساهم في تعظيم إمكانات تركيا وتوظيفها في خدمة الدور الناشط والفاعل
"
ليس الصعود التركي في سماء الشرق الأوسط مجرد طفرة عابرة، فهو يمتلك المقومات الإستراتيجية القادرة على تعويمه وتطويره، وذلك بالنظر إلى:

- امتلاك تركيا مشروعا إستراتيجيا واضحا.
- ارتكاز المشروع التركي على حوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية متينة.
- قدرتها على التأثير في محيطها وتحقيق نمط تواصل فعال.

وفي الخلاصة فإن المشهد الشرق أوسطي، والذي ينطوي على ثلاث قوى متذبذبة القوة (العرب – إسرائيل – إيران)، وقوة صاعدة (تركيا)، وأخرى راحلة (الولايات المتحدة الأميركية)، لا شك أنه سيشهد في العقد القادم تطورات مهمة كنتيجة لاستمرار تفاعلات التعاون والصراع بين تلك القوى، ولكن الواضح أن تركيا سيكون لها دور مميز في إخراج الشكل النهائي للمشهد الشرق أوسطي، والتأثير في توجهاته في المرحلة المقبلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة