فتح بين عباس ودحلان والقضية التائهة   
الاثنين 1/6/1435 هـ - الموافق 31/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:26 (مكة المكرمة)، 14:26 (غرينتش)
ياسر الزعاترة



هل حقا استمع بعض من خرجوا يحرقون صور محمد دحلان في رام الله للحوار الذي امتد لساعتين ونصف على قناة دريم2، أم اكتفوا بالاستجابة لدعوات الحشد ضده من قبل بعض القادة في فتح، مع أن خروج عدد قليل من الناس في الزفة التي كان جزء منها بهدف دعم "صمود" محمود عباس في المفاوضات يؤكد حجم التيه الذي يشعر به عناصر فتح في المعركة بين الرجلين.


دعك هنا من المناوشات التي حصلت بين الفريقين في قطاع غزة، وحيث أغلب القلوب مع دحلان، لكن بعضها يخفي ذلك خوفا على الراتب.

ربما يأتي اليوم الذي يتصالح فيه الرجلان (دحلان وعباس)، ففي السياسة لا شيء مستغرب، وفي فتح وفي القضية الفلسطينية تحديدا كل شيء جائز، لأن العامل الخارجي في تحديد مساراتها كان دائما أكثر قوة وتأثيرا من عامل الداخل، إن كان الخارج هنا عربيا أم إقليميا أم دوليا، أم إسرائيليا، لا سيما أن الكيان الصهيوني كان دائما يعيد تشكيل هرمية الفصائل الفلسطينية عبر الاعتقال والاغتيال، ولا نريد الحديث عن العمالة والإسقاط، لأن ذلك سيدخلنا في تخرصات لا مبرر لها، ولا نحبها من الأصل.

في ظني أن على كل من هو معني بالوضع الفلسطيني من شباب فتح ومن سائر الفلسطينيين في الداخل والخارج أن يستمع جيدا إلى الخطاب الذي ألقاه عباس، وكال خلاله الاتهامات لمحمد دحلان، ثم يستمع بعد ذلك للمقابلة الطويلة المشار إليها مع محمد دحلان، وقبل ذلك وبعده يتذكر أن أحدا منهما لم يقل كل ما عنده حول حقيقة ما جرى ويجري.

على كل من هو معني بالوضع الفلسطيني من شباب فتح ومن سائر الفلسطينيين أن يستمع جيدا إلى خطاب عباس، ثم يستمع بعد ذلك لمقابلة دحلان، وقبل ذلك وبعده يتذكر أن أحدا منهما لم يقل كل ما عنده حول ما جرى ويجري

ولا تسأل هنا عن المعلومة التي ختم بها دحلان لقاءه حين قال إنه يملك ملفا من "18 تيرابايتا عن فساد عباس وأولاده، وفيه وثائق بتوقيعه وتوقيعات أولاده"، ولم يشأ الإفصاح عما فيه، والأرجح أنه لن يفصح إلا إذا بلغ الأمر مرحلة اللاعودة، لكن حديثه عن الملف المذكور -إن كان موجودا، ودعك من المبالغة الشديدة في الحجم- إنما يعني أننا إزاء لعبة ابتزاز، فإما اللقاء والمصالحة، وإما المضي في برنامج الفضائح والابتزاز!

لنضع ذلك جانبا، ونتحدث عن الاتهامات المتبادلة التي أعلنها الطرفان، والتي تتلخص في الجانب الأول -أعني من عباس- باتهامات ضمنية شبه مباشرة لدحلان باغتيال عرفات (نبيل شعث كان أكثر وضوحا حين قال إنه هو الذي أدخل علبة دواء مسمومة لعرفات رحمه الله)، وقبل ذلك في مسلسل التآمر عليه قبل اغتياله، وكذلك اغتيال سبعة من عناصر وقيادات فتح، أو التآمر مع الصهاينة لاغتيال الشهيد والقائد الحمساوي الكبير صلاح شحادة، ووجود مخبرين له ضد حزب الله في لبنان، وضد حماس في سيناء، وفوق ذلك كله اتهامات الفساد، والأرقام التي تحدث عنها عباس.

في المقابل، كانت الاتهامات التي كالها دحلان تتعلق بشكل أساسي بالفساد المالي للرئيس وأبنائه، وتتعلق بأموال صندوق الاستثمار الفلسطيني (1462 مليون دولار)، ميزانية الرئاسة السرية، قصور عباس وطائراته، الأموال التي يهربها إلى خارج فلسطين، علاقة أبنائه بالجانبين السياسي والمالي (أفاض فيها دحلان، وقال إن حديثه عنها هو الذي خرّب علاقته بعباس)، سيطرتهم على منظمة التحرير.

وليس أقل أهمية من ذلك اتهامات مقابلة بالتواطؤ في قضية اغتيال عرفات عبر أسئلة تتعلق باغتيال طبيب فلسطيني كان يتردد على عرفات، وأحد المرافقين المقربين، وفوق ذلك تآمر عباس على عرفات ومفاوضاته مع شارون، ومفاوضاته أيضا مع عرفات لإخضاعه عبر توني بلير.

ولعل السؤال الأهم -الذي ينبغي أن يطرحه كل فتحاوي شريف على نفسه بعد سماع كل تلك الاتهامات- هو كيف اتفق أن كلا الرجلين ما زال يدعي أنه الوفي لإرث عرفات، الأول عباس الذي فُرض على الراحل بقوة أميركية إسرائيلية، والذي كان يوصف من قبله بأنه "كرزاي فلسطين"، وأضاف إليه دحلان وصفا آخر كان متداولا -بحسب قوله- في تونس "رئيس الوكالة اليهودية".

والثاني دحلان الذي يعلم الجميع أنه قاد انقلابا عسكريا عليه في قطاع غزة، ثم فُرض عليه أيضا
-كما عباس- بسطوة القوة الأميركية والإسرائيلية (كان الثالث الذي فُرض للمالية هو سلام فياض).

ثم وهو الأهم كيف اتفق الطرفان على عرفات، بل كيف اتفقا على تغييب فكرة أنه اغتيل بالسم في البدايات (دحلان كان يقول إنه مات موتا طبيعيا)، فيما غيّب عباس الأمر في دهاليز التحقيقات، من دون أن يقول لنا في نهاية المطاف كيف أدخل السم إلى عرفات، بل ليكل التحقيق إلى الشخص الذي ينبغي أن يسأل -كمسؤول أمني- عن كيفية إدخاله، أعني توفيق الطيراوي، وفي النهاية تحالف الطرفان ورتبا تشكيلة اللجنة المركزية الجديدة لحركة فتح بما يشبه التقاسم بينهما.

مشكلة فتح التاريخية تتلخص في روحية القبيلة التي تحكمها، وهي التي تدفع عناصرها إلى منح الولاء لأي قائد ينصّب، حتى لو علم الجميع بأنه لا يأتي بناء على حراك داخلي فقط، بل بناء على وضع خارجي

هل يعتقد عناصر فتح -والحالة هذه- أن أحدا من الرجلين كان وفيا لعرفات، فضلا عن الوفاء لإرثه في المزاوجة بين التفاوض والمقاومة؟ ستكون الإجابة مختلفة هنا، بين أكثرية عناصر التنظيم في قطاع غزة الذين يدينون بالولاء لدحلان، وبين الأكثرية في الضفة الذين يدينون بالولاء لعباس، مع أنهم هم أنفسهم من كانوا يرددون أيام عرفات مقولة "كرزاي فلسطين".

تلك هي مشكلة حركة فتح التاريخية التي تتلخص في روحية القبيلة التي تحكمها، وشعار "من يتزوج أمي، أقول له يا عمي"، بتفصيح المثل، وهي التي تدفع عناصرها إلى منح الولاء لأي قائد ينصّب، حتى لو علم الجميع بأنه لا يأتي بناء على حراك داخلي فقط، بل بناء على وضع خارجي (عربي ودولي) بشكل أوضح (في هذا السياق قال دحلان إنه حين خُيّر عرفات بين عباس وقريع لمنصب رئيس الوزراء طلب منه (من دحلان) الذهاب إلى عمر سليمان ليسأله أيهما يفضل؟ فقبل بكليهما، فكان أن دفع دحلان باتجاه عباس، ولا ندري صحة الرواية، (مع قناعتنا بأن مرجعية عرفات على الدوام كانت في القاهرة).

السؤال الثاني الذي ينبغي أن يطرحه عناصر فتح على أنفسهم يتعلق بتلك التهم، ومدى صحتها، والأهم كيف تفاهم الرجلان طوال الوقت، وهما يعرفان عن بعضهما كل ذلك؟ ولماذا لم يبدأ الخصام بينهما إلا بعد تعرض دحلان لنجلي عباس، والأهم إلا حين شعر الأخير بأن دحلان رأس آخر يمكن أن ينافسه، ويمكن أن يلوح له به الإسرائيليون بين الحين والآخر، وهو ما حصل حتى بعد الفراق كما حصل حين أرسل نتنياهو مبعوثه (إسحق مولخو) إلى دبي ليلتقي دحلان مرات عدة (لم يتحدث دحلان عن هذا الأمر في لقاء دريم2، وكان ذلك مقصودا بكل تأكيد).

في سياق تراشق التهم طرح دحلان سؤالا صحيحا بالفعل، هو: ماذا قال عباس لدحلان حين أخبره بأن صلاح شحادة سيقتل بعد دقيقتين، لماذا لم يعتبره خائنا؟ أليس ذلك سؤالا صحيحا، ولماذا سكت عنه إذا كان يعتقد أنه قاتل عرفات، أو متهم بذلك في أقل تقدير، ولماذا سكت عن اغتياله السبعة إياهم، أو عن فساده المالي؟ والأمر نفسه ينطبق على دحلان في أسئلة الفساد المالي ومقتل الطبيب الفلسطيني والمرافق.. إلى غير ذلك مما ساقه من وقائع؟

في الجانب السياسي لا يقل الأمر سوءا، فقد صدق دحلان بقوله إن عباس لا يملك برنامجا سوى "ابقوا كما أنتم"، وهو قول يلخص بالفعل ما يجري، أي أنه يعرف ما يرفض، لكنه لا يعرف ما ينبغي عليه أن يفعل، في حين يعلم الجميع أن دحلان لا يختلف كثيرا عنه، وما علمناه من اللقاء هو أن دحلان كان موافقا في كامب ديفد صيف عام 2000 على وثيقة كلينتون (هذه نقطة إدانة كبيرة)، بينما رفضها عباس، وجرى إقناع عرفات برفضها، بينما يرى دحلان أن عباس لا يستطيع أن يحصل على نصفها الآن.

الحل هو في تحالف فلسطيني من الداخل والخارج تتصدره حماس والجهاد وحركة فتح الجديدة الثائرة ضد القوم إياهم، تحالف عنوانه مواجهة التفاوض والتفريط، وانتخاب قيادة للداخل والخارج (وليس للسلطة)

وهذا لا شك ضرب من الهراء لا يختلف عمن يلوم العرب لأنهم لم يقبلوا بقرار التقسيم، مع أنهم لو قبلوه لما تغير السيناريو التالي قيد أنملة، لأن الصهاينة لم يقبلوه أصلا، وكانت خطتهم ماضية في سبيلها.

هل يملك دحلان برنامجا مقابلا لبرنامج عباس؟ مؤكد أنه لا يملك، فهو أيضا ضد المقاومة المسلحة، بل ضد المقاومة الشعبية الحقيقية الشاملة أيضا، والنتيجة أن كليهما يتعاركان على جثة تتمثل في ذلك "الاختراع العبقري المسمى سلطة فلسطينية"، بحسب تعبير المحلل الصهيوني المعروف "عكيفا الدار".

من هنا، يمكن القول إن ما نخلص إليه من خطاب عباس ولقاء دحلان ومسلسل التراشق بينهما هو أن فتح تعيش حالة تيه حقيقي بعد تحولها من حركة تحرر إلى حزب سلطة تحت الاحتلال، وأخذت معها إلى حالة التيه القضية برمتها، خاصة في ظل الورطة التي وضعت فيها حماس نفسها بقبولها الدخول في انتخابات أوسلو، ومن ثم حشرها في قطاع غزة، واستباحة فرعها في الضفة.

لذلك نعود ونكرر أن الحل هو في تحالف فلسطيني من الداخل والخارج تتصدره حماس والجهاد وحركة فتح الجديدة الثائرة ضد القوم إياهم، تحالف عنوانه مواجهة التفاوض والتفريط، وانتخاب قيادة للداخل والخارج (وليس للسلطة)، وجعل الأخيرة مجرد سلطة إدارية، بينما تقود القيادة الشعب نحو انتفاضة شاملة شعارها دحر الاحتلال دون قيد أو شرط عن الأراضي المحتلة عام 1967، مع عودة اللاجئين كمقدمة لتفكيك المشروع الصهيوني، وإذا لم يحدث ذلك فسنظل بانتظار أن يأخذ الشعب مبادرته بتفجير الانتفاضة، وفرض وقائع جديدة على الجميع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة