العروبة ورياح العولمة   
الثلاثاء 1427/10/16 هـ - الموافق 7/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:35 (مكة المكرمة)، 12:35 (غرينتش)


تركي علي الربيعو

في إطار قراءته التشخيصية للخطاب القومي العربي، عاب محمد عابد الجابري على الخطاب القومي فشله وفقره النظري، ولكن هذا الفشل من وجهة نظره "لا يعني فساد المضمون أو الأهداف أو التطلعات التي يبشر بها ذلك الخطاب، بل يعني عدم قدرة العقل المنتج لذلك الخطاب على أن يجعل منه بناء نظريا متماسكا يفسر الواقع ويقدم الإمكانات النظرية المطابقة لتغييره".

ويضيف الجابري "بعبارة أخرى إن فشل الخطاب معناه عدم قدرته على التحول إلى أيديولوجيا علمية: أيديولوجيا تعتمد تحليل الواقع من أجل تغييره" (الخطاب العربي المعاصر/ص131).

"
فشل المشروع النهضوي العربي وبالتالي فشل المشروع القومي العربي كفرع من فروعه، لا يعني استقالة العقل وتنحية فعل الإرادة، وكذلك لا يعني العجز عن الهجرة من عروبة اقترنت بالاستبداد إلى عروبة أكثر انفتاحا وديمقراطية
"
والنتيجة التي يخلص إليها هي أن الخطاب القومي خطاب إشكالي ما ورائي: إشكالي بمعنى أنه يطرح مشاكل لا حل لها، أو لا تتوفر -لا ذاتيا ولا موضوعيا- إمكانية تقديم حل حقيقي لها، وما ورائي بمعنى أنه خطاب في "الممكنات الذهنية" أي في ما بعد الواقع العربي الراهن.

من هنا نفسر عجز الخطاب القومي العربي عن تشييد نظرية قومية تفسر الواقع العربي تفسيرا علميا وترسم الطريق إلى تغييره.

إن عجز الخطاب القومي العربي عن تشييد نظرية قومية لا يعني فساد العروبة كأيديولوجيا قومية، ولا يعني أن الأيديولوجيا العربية القومية كما نعتها عبد الله العروي باتت في خبر كان، وأن المطلوب هو إعلان وفاة العروبة أو "وداع العروبة" كما يشهد على ذلك الكتاب الذي أصدره حازم صاغية مع نهاية الألفية الماضية وبداية الألفية الجديدة (وداع العروبة، 1999).

إن فشل المشروع النهضوي العربي وبالتالي فشل المشروع القومي العربي كفرع من فروعه، لا يعني استقالة العقل وتنحية فعل الإرادة، وكذلك لا يعني العجز عن الهجرة من عروبة اقترنت بالاستبداد إلى عروبة أكثر انفتاحا وديمقراطية.

فالنقد والمراجعة وكذلك القراءة التشخيصية التي تبحث في نقاط قوة وضعف الخطاب القومي، لا تعني بحال من الأحوال أنها أصبحت بمثابة توطئة لإعلان موت العروبة، وبالتالي إعلان موت الخطاب القومي في المشرق العربي كما يفعل حازم صاغية في كتابه الجديد "قوميو المشرق العربي، 2000" الذي سنعود إليه بعد قليل.

في كتابه "المشروع النهضوي العربي، 1996" الذي ستصدر له أكثر من طبعة لاحقة، وفي معرض تقويمه للحالة العربية، كتب الجابري يقول "قررت القيام بمحاولة استجلاء للأمر وعزمت على اعتماد طريقة الشك المنهجي الديكارتي، فمسحت الطاولة مسحا، وقررت التحرر من جميع السلطات، أيديولوجية كانت أو عاطفية أو لغوية أو غيرها، وأخذت أقلب النظر في ما تبقى لدي بعد أن مسحت كل شيء، وما تبقى عندي هو عبارة (المستقبل العربي) لا غير.. أخذت أبحث في هذه العبارة عن موطئ قدم للشك.. وما هي إلا لحظة كلمح البصر حتى بدأت تتراءى لي كومة كثيفة من الضباب تلف هذه العبارة".

وسرعان ما تدفع هذه الكومة الكثيفة من الضباب بالجابري إلى حالة من استقالة العقل، ثم إلى حالة جديدة غير مسبوقة يصفها الجابري بالخاطر الشيطاني الذي يدفعه إلى تمني الموت للذين تسببوا في فشل المشروع النهضوي العربي من الزعماء العرب.

يقول الجابري "تنفست الصعداء عند هذا الخاطر الشيطاني، وكدت أبتسم فرحا لولا أن هاتفا هتف في أذني قائلا: إن لجوءك إلى عامل الموت في الاستشراف يعني انتهاء السياسة ويعني إقصاء الإرادة الإنسانية، إرادة التغيير".

من هنا مكمن رهان الجابري، الرهان على إرادة المستقبل، الإرادة التي حملتها الأجيال العربية المتعاقبة ودفعتها إلى تقديم مزيد من التضحيات واستطاعت من خلالها تحقيق هويتها ووجودها، لغة وثقافة وتراثا ومشاعر وطموحات، يجب أن تبعث من جديد في عقولنا وقلوبنا وفي سلوكياتنا كما يتمنى الجابري.

في الحقيقة، سعيت من خلال عرضي للحالة التي مر بها الجابري، إلى تأكيد أمرين، الأول أن هذه الحالة تمثل قاسما مشتركا عند معظم المثقفين العرب الذين يشتكون بمرارة من وطأة الواقع العربي.

والثاني أن الكومة الكثيفة من الضباب، يجب ألا تدفع إلى استقالة العقل والوقوع في اللاأدرية التي أشاعها منتصف هذا القرن شاعرنا المهجري إيليا أبو ماضي من خلال قصيدته الشهيرة "لست أدري".

من يقرأ كتابي حازم صاغية وأقصد "وداع العروبة 1999، قوميو المشرق العربي 2000" يجد أنهما وجهان لحقيقة واحدة، خاصة وأنهما يظهران بمثابة نتيجة لعقد من الزمان قضاه حازم في الاشتغال على قضية العروبة، وذلك منذ صدور كتابه "العرب بين الحجر والذرة، 1992".

كان "وداع العروبة" بمثابة بيان ينعى فيه صاغية موت العروبة، وكان هذا البيان بمثابة نتيجة لما سمّاها الجابري بالكومة الكثيفة من الضباب التي تطبع معظم صفحات الكتاب ونتيجة لأيديولوجيا الهزيمة والإحباط المبثوثة في معظم صفحات الكتاب، وفي حناياه.

"
الإرادة التي حملتها الأجيال العربية المتعاقبة ودفعتها إلى تقديم مزيد من التضحيات واستطاعت من خلالها تحقيق هويتها ووجودها، لغة وثقافة وتراثا ومشاعر وطموحات، يجب أن تبعث من جديد في عقولنا وقلوبنا وفي سلوكياتنا
"
وصاغية يجيد فن الغزل على منوال الكارثة القومية جيدا، فالكارثة نهائية وشاملة في خطابه، ولا مخرج إلا بالالتحاق بقطار العولمة، فمن شأن "الطبيعة الحالية للرأسمالية أن ترفع القدرات الشرائية والمهارات التعليمية لسكان الكوكب، على عكس ما كانت الحال عليه في عهد الرأسمالية الكولونيالية".

يلح صاغية على وداع العروبة، فالعروبة قامت على "وهم أيديولوجي منتفخ لا يتورع عن الاستبداد بقصد الضم والتكبير" وآن الأوان للتحرر من هذا الوهم الأيديولوجي المنتفخ الذي أدى إلى تفسخ العروبة وإلى موتها، إذ أصبحت جثة هامدة، ومن وجهة نظر صاغية أن العاقل من لا يتكتم على موتاه.

ويضيف "لقد ماتت الدعوة الوحدوية فعلا، والمطلوب هو وداع الميت والاعتراف الصريح بموته" خاصة أن هذه الرغبة الوحدوية عند العرب لا تزيد على كونها، كما يرى، رغبة طفولية ساذجة وسابقة على الوعي وتحتاج إلى أطباء التحليل النفسي ليكشفوا عنها.

باسم واقعية ساذجة ومفرطة في تشاؤمها، يدعونا صاغية إلى الاعتراف بأنه من المستحيل في الزمن الراهن "بناء مشروع سياسي وحدوي" خاصة أن "العدو المشترك" لم يعد هو العدو (في إشارة إلى الدولة الصهيونية) وهذا ما يفسر الخواء الذي غدت تنطوي عليه لفظة التحرير أو ما تبقى منها على حد تعبير صاغية.

وصاغية يرد هنا على وجهة النظر التي ترى أن العدو الخارجي شكل مهمازا، أيقظ عند العرب ضرورة وحدتهم القومية للتصدي للتحديات باسم عقلانية مفرطة هي الأخرى.

وهو يدعو إلى الاعتراف بواقع التجزئة، والاعتراف بقوة وخيارات شمشون التي من شأنها أن تبيدنا عدة مرات، كما يذكرنا صاغية في كتيبه المسمى "دفاعا عن السلام، دار النهار، 1997".

ويأتي ذلك في محاولة مستميتة منه لإقناع العرب بتغيير مجرى الصراع، فلم تعد وحدة الآمال والآلام تجمع العرب، فلكل قُطر نفسية خاصة على حد تعبير صاغية، ولم يعد التونسي يفهم على الخليجي بحيث صار لكل بلد لغته المحكية التي تقطع مع ما عداها.

والانفصال الثقافي بات حقيقيا كما يرى صاغية، ولم يعد من مبرر للحديث عن وحدة العرب، لأن الحديث هذا يندرج في إطار عنجهية قوموية تجاوزها الزمن (والتعبير لصاغية أيضا).

كانت الدعوة إلى "وداع العروبة" قد فسرت على أنها دعوة إلى الانخراط في عصر العولمة، وأنها دعوة أيديولوجية سطحية بدورها تستعير معظم دوافع التعبير عن نفسها من أيديولوجيا الإحباط والهزيمة، وتبرر نفسها باسم عقلانية هي ليست من العقل في شيء.

ولكن صاغية لم يصغ إلى ذلك، فقد كان بيانه من أجل "وداع العروبة" يحتاج إلى بيان آخر هو بمثابة بطاقة نعي يودع فيها قادة الفكر القومي في المشرق العربي ويصفي حسابات معهم.

وفي هذا السياق جاء كتابه الجديد "قوميو المشرق العربي، 2000" الذي يحركه حنين جارف إلى "أول العروبة" ذلك الكتاب الذي أصدره حازم صاغية 1993.

من "أول العروبة" إلى "قوميو المشرق العربي" ثمة نزعة جارفة بادية للعيان، تتحكم في خطاب صاغية، وتدفعه إلى محاكمة قادة الفكر القومي في المشرق العربي، ويظهر هذا جليا في محاكمته لميشيل عفلق (لا أدري إن كان قد ارتاح لتدمير قبره من قبل قوات الاحتلال الأميركية) ولأنطوان سعادة.

إنه لا يكتفي بالقراءة التشخيصية لخطابهما، بل يحاكمهما من خلال موقفهما من العنصرية واللاسامية؟ وهنا يكشف لنا صاغية عن مدخل جديد في قراءته لنصوصهما وسيرتهما ودورهما. إنه يركز على مسيحيتهما.

"
الكومة الكثيفة من الضباب التي تحجب المستقبل العربي يجب ألا تدفع إلى استقالة العقل والوقوع في اللاأدرية التي أشاعها منتصف هذا القرن شاعرنا المهجري إيليا أبو ماضي
"
ومن وجهة نظره أن هذا هو أفضل المداخل في تقويمهما، لأن ميشيل عفلق بقي أقلويا مهجوسا بأقليته، متوترا داخليا في رغبته في التخلص منها والاندماج في الجماعة، وقد انعكس هذا في تصوراته الأيديولوجية المنتفخة عن عروبة شاعرية وارتجالية.

الشيء نفسه ينطبق على مسيح القومية السورية على حد تعبيره، أي أنطوان سعادة الذي ينعته بأبشع الأوصاف، مع أن صاغية كان قد أقام الدنيا ولم يقعدها على الجابري عندما أشار إلى مسيحية جورج طرابيشي.

الكتاب برمته في أحكامه على قادة الفكر القومي، يقودنا إلى القول بضرورة وداع قادة الفكر القومي وإعلان وفاتهم، بهذا يتكامل هذا الكتاب مع وداع العروبة ويكمله، لا بل إنه يعطيها شحنة زائدة.

إن صاغية لا يهتم بإرادة المستقبل التي يراهن عليها الجابري، ويراها تندرج في ضرب من اللاعقلانية، لأن العقلانية الوحيدة عنده هي القبول بالتجزئة وتوديع العروبة والاندراج في النظام العالمي الجديد.

فهذا هو خيارنا الوحيد وما عداه وهم عروبي منتفخ ومؤدلج، على حد تعبيره، لا تزال بعض المراكز مثل مركز دراسات الوحدة العربية تقول به وتهجس به كما يرى صاغية. إنها أيديولوجيا الهزيمة المتسترة وراء عقلانية انهزامية، فهل من تحد؟

ذلك هو الرهان الذي يراهن به كثيرون ممن لا يزالون يبشرون بمستقبل للعرب وبقدرتهم الكبيرة على الممانعة وهزيمة المحتل.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة