بين باراك أوباما وجورج دبليو بوش   
الأحد 1431/1/4 هـ - الموافق 20/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)
منير شفيق



مع اقتراب مرور سنة على باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية لا يستطيع أحد أن يسجّل في مصلحته إيفاءً بوعوده التغييرية، ولا حتى ببعضها القليل.

فإذا لم يستطع أوباما طوال عام كامل إغلاق سجن غوانتانامو وهو أمر يجب أن يكون من حيث المبدأ عملاً روتينياً عادياً. ولعل هذا ما جعله يضع إغلاق هذا السجن على رأس أولوياته. ولكنه فشل في تحقيق ذلك خلال العام 2009. الأمر الذي يدّل على سوء تقدير للموقف من حيث حسابات المعوّقات التي تحول دون إغلاقه في عام.

"
لم يستطع أوباما طوال عام كامل إغلاق سجن غوانتانامو وهو أمر يجب أن يكون من حيث المبدأ عملاً روتينياً عادياً, وفشل أيضا في أن يمرّر مشروعه الخاص بالضمان الصحي, أما في الأزمة المالية فلم يحقق أكثر من وقف التدهور
"
بيد أن الأهم فقد فشل خلال عام أيضاً في أن يمرّر مشروعه الخاص بالضمان الصحي. وقد أثبتت الوقائع أنه أخطأ حتى في حساب موقف بعض أعضاء حزبه نفسه مما جعله يتعثر حتى الآن في أروقة الكونغرس. علماً أن تغييرات ومساومات كثيرة أُدخلت على المشروع الأصلي ومع ذلك ما زال ينتظر الفرج.

أما في موضوع الخروج من الأزمة المالية الهائلة التي ورثها من سلفه بوش وهذا ورثها بدوره من عهديّ كلينتون الذي أطلق العنان للاقتصاد الورقي الرقمي بعيداً عن أساسه الاقتصاد الحقيقي، فلم يحقق أكثر من وقف التدهور عبر ضخ مئات البلايين من الدولارات في شرايين البنوك والشركات الرأسمالية العولمية المنهارة. وهذه في الحقيقة، تصل إلى آلاف البلايين مسحوبة من حساب دافع الضرائب ومن الثروات المنهوبة من الخارج. ولكن الأكثر تأثيراً في سمعته الداخلية أتى من استفحال البطالة وتعدّيها لسقف الـ10%.

ولهذا اختتم العام 2009 مع استطلاعات تشير إلى هبوط تأييد الرأي العام الأميركي له إلى الـ50% وربما إلى أقل من ذلك.

عندما جاء أوباما إلى الرئاسة الأميركية حاملاً وعود التغيير فسّر الكثيرون أنه سيغيّر جوهرياً في السياسات التي اتبّعها سلفه جورج دبليو بوش سيئ الصيت والذِكْر. ولكن أوباما سار على خطاه، عملياً، مع اختلاف باستخدام لغة الخطاب فقط وليس محتوى الممارسة.

الذين ما زالوا يؤكدون أن تغييراً حدث يستندون إلى إستراتيجية بوش التي مارسها لثلاث سنوات بعد 11/9/2001. أي على التحديد إستراتيجية "الضربة الاستباقية" أو "الحرب الوقائية"، أو الاستفراد بالقرار الدولي، أو سياسة "التحالف مع الراغبين" التي تعني إدارة الظهر لحلف الأطلسي (ناتو).

على أن إدارة بوش نفسها ومنذ عهدها الثاني تراجعت عملياً عن تلك السياسة بعد مسلسل الإخفاقات التي مُنيت بها، أو بعد مسلسل المآزق التي أدخلت أميركا في أتونها ولا سيما في العراق وأفغانستان.

السيد بوش الابن في سنواته الأربع الثانية، عاد إلى إبراز دور حلف الأطلسي وراح يُحسِّن علاقاته بأوروبا. ولم يعد يتحدث عن نظام عالمي أحادي القطبية وجعل يبذل جهوداً أضعاف ما فعل أوباما لتحقيق تسوية على أساس "حلّ الدولتين" في فلسطين وخصوصاً في السنتين الأخيرتين بعد مؤتمر أنابوليس.

أما على المستوى العراقي فإدارة بوش هي التي عقدت الاتفاق الأمني وحدّدت موعد الانسحاب. وهو ما لم يزد عليه، أو ينقص منه، أوباما وإدارته شيئاً.

"
في أفغانستان تقدّم أوباما منذ الشهرين الأوّليْن لإدارته على التصعيد العسكري في أفغانستان مرسلاً أربعين ألف جندي, وها هو ذا الآن مع نهاية سنته الأولى يدفع بثلاثين ألف جندي إضافي
"
وفي أفغانستان تقدّم أوباما منذ الشهرين الأوّليْن لإدارته على التصعيد العسكري في أفغانستان مرسلاً أربعين ألف جندي وقد دفع به إلى حرب حاسمة لتصفية الطالبان في هلمند تمهيداً لإنهاء الحرب. وها هو ذا الآن مع نهاية سنته الأولى يدفع بثلاثين ألف جندي إضافي ويضغط على حلفائه في الناتو لإرسال عشرة آلاف جندي إضافي لتجنب الهزيمة العسكرية.

ومن هنا فإن أوباما على مستوى أفغانستان صعّد عن سياسات بوش العسكرية وكان أكثر منه "حربجية".

لم تستطع إدارة بوش حتى نهاية عهدها أن تفتح حرباً جديدة في باكستان تصل إلى مستوى حرب داخلية بين الجيش الباكستاني وبدعم عسكري أميركي عبر الطيران، ضد قبائل البشتون الباكستانية المسّماة "طالبان باكستان". فها هنا تفوّق أوباما على بوش في عسكرة السياسة عبر الممارسة، ودعك من خطابَيْه اللذين وجههما إلى العالم الإسلامي من تركيا ومصر. فيا حبذا لو يُسْتَمَع إليهما اليوم بعد مرور سنة على عهد أوباما.

أما على المستوى الفلسطيني فلا أحد يستطيع أن يلحظ تغييراً في موقف أوباما وإدارته عن موقف بوش وإدارته. فقد جعل هدف إستراتيجيته من التسوية هو "حل الدولتين" وهو الحل الذي أعلنه بوش بالتفاهم مع شارون، (حل تصفوي بامتياز)، إلى جانب انتزاع اعتراف فلسطيني وعربي وعالمي باعتبار "إسرائيل" دولة يهودية بمعنى لليهود فقط.

وقد سجل البعض تغييراً واحداً في إطلاق عملية التسوية هو شرط أوباما ميتشل أن يوقف الاستيطان كلياً من أجل البدء بالمفاوضات، إلى جانب تغيير في التماهي مع الموقف الصهيوني زاد على تماهي إدارة بوش وهو الاشتراط بإطلاق تطبيع عربي في الآن نفسه، ومبتدئاً من السعودية ثم عدّله على أن يتم تدريجاً بعد بدء المفاوضات.

ومع ذلك أبى أوباما إلاّ أن يُسقط عن سياساته أي تغيير عن سياسة بوش عندما قبِل بإطلاق المفاوضات مع استمرار الاستيطان في القدس ووقفه جزئياً لمدة عشرة أشهر في الضفة. ثم توّج هذا التراجع من خلال مشروع قرار طلبت هيلاري كلينتون من الرباعية تبنّيه. وهو إطلاق المفاوضات وفقاً لتقييد الاستيطان في الضفة الغربية (مشروع نتنياهو)، ومعه اعتراف الرباعية "بإسرائيل دولة يهودية". وهو ما لم تفعله إدارة بوش في الضغط على الرباعية لإعلان اعتبار دولة إسرائيل يهودية (لليهود فقط). أي انتزاع الاعتراف الأوروبي والروسي والأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة بيهودية دولة الكيان الصهيوني.

من هنا لا يستطيع أحد أن يسجّل تغييراً واحداً أحدثه أوباما على سياسات بوش في عهده الثاني والذي أحدث فيه بوش نفسه تغييراً عن سياساته في السنوات الثلاث الأخيرة من عهده الأول.

"
لا يستطيع أحد أن يسجّل تغييراً واحداً أحدثه أوباما على سياسات بوش في عهده الثاني والذي أحدث فيه بوش نفسه تغييراً عن سياساته في السنوات الثلاث الأخيرة من عهده الأول
"
أمام هذه الحقائق التي تؤكد أن أوباما في سنته الأولى لم يحدث تغييراً في سياسة بوش، ولا سيما في سنتيه الأخيرتين. ولكن مع ذلك سيذهب البعض إلى موضوع إلغاء مشروع القاعدة الصاروخية الرادارية المضادة للصواريخ التي كانت إدارة بوش تزمع على وضعها في بولندا والتشيك.

أولاً: كانت هنالك تصريحات كثيرة من قِبل إدارة بوش في عهدها الثاني أو في أواخره حول إمكان إلغاء هذا المشروع. وقد دارت مفاوضات روسية أميركية لهذا الغرض. وكان الاختلاف مع روسيا على الثمن المقابل كما يبدو.

ثانياً: لقد وجد باراك أوباما نفسه في المأزق أو المأزق مع هبوط شعبيته في استطلاعات الرأي العام وتأزم وضعه العسكري في أفغانستان، إلى جانب ارتباك موقفه في موضوع البرنامج النووي الإيراني بسبب الاقتراح الإيراني لحل الإشكال من خلال تبادل اليورانيوم المخصّب 5% أو أقل، بيورانيوم مخصّب بحدود 20% ليستخدم لأغراض علمية.

الأمر الذي دفعه إلى التخلي عن مشروع القاعدتين المذكورتين في بولندا والتشيك (مع الإعداد لمشروع بديل)، مقابل المساعدة الروسية في الملف النووي الإيراني. وهو ما عكسَهُ التوبيخ الذي شاركت فيه روسيا حول المنشأة النووية التي أعلنت عنها إيران قرب قم. كما عكسته المساعدة الروسية الأوسع في تقديم تسهيلات لمرور العتاد والمؤن عبر أراضيها إلى أفغانستان. هذا وكانت إدارة بوش قد مهّدت لهذه الصفقة.

أما سياسة التفرّد فإن إدارة أوباما راحت تمارسها طوال العام في أفغانستان وباكستان وفلسطين. ولم تشرك معها أحداً في هذه القضايا الساخنة عدا في موضوع الملف النووي الإيراني أي التشارك مع الـ5+1. وهو ما كانت إدارة بوش قد أرسته كذلك.

المشكلة في الذين استعجلوا في الترحيب بوعود أوباما في التغيير، أو استبشروا بخطاباته الموجهّة إلى العالم الإسلامي بالرغم مما تضمنته من سموم، ولا سيما في الموضوع الفلسطيني، أنهم، مع الاندهاش من وصوله إلى الرئاسة الأميركية، والإعجاب بقدرته الخطابية، نسوا أن ثمة نظاماً رأسمالياً إمبريالياً عالمياً في أميركا، وأن ثمة مؤسّسات لا يستطيع فرد مهما بلغت شعبيته أن يعاندها قيد أنملة خصوصاً في المسائل الأساسيّة.

ثم نسوا أن باراك أوباما ما كان له أن يصبح عضواً في مجلس الشيوخ أو أن يُرشّح إلى الرئاسة إلاّ بعد التأكد بأنه "إبن بار" لذلك النظام وتلك المؤسّسات، وبأنه لا يستطيع أن يشذ بأكثر مما هو مسموح به. ناهيك عن ما يكون قد احتواه ملفه في المخابرات والحزب الديمقراطي، من مآخذ ومستمسكات تبدأ بالتراكم من المدرسة الابتدائية حتى الموافقة على ترشيحه.

"
الخير غير قابل الوجود في دولة رأسمالية إمبريالية نهّابّة لثروات الشعوب وقواعدها العسكرية تغطي كل مفاصل الكرة الأرضية وقد أصبح نظامها أكبر مُسْهِم في سخونة المناخ واستنزاف الطبيعة
"
ولهذا حتى لو افترضنا أن أوباما سيحدث تغييراً لما كان إلاّ التغيير الذي تريده المؤسّسة بجناحها الذي جاء به ودعمه. أما مواهب أوباما الشخصية والخطابية في تلك اللحظة من زمن النظام الأميركي فليست أكثر من مقبّلات أو محسّنات في اللعبة الانتخابية ومحاولة الخروج من المأزق. ومن ثم فإن التغيير لا يمكن أن يكون إلاّ ضمن الجوهر نفسه من حيث الأهداف العليا للإستراتيجية التي سيتبناها الرئيس ولو شارك هو في صوغها. فلماذا الترحيب؟

أما المدهش في الذين استعجلوا في الترحيب بأوباما ووعوده التغييرية فكونهم يعرفون ما تقدّم حول المعادلة الأميركية في اختيار الرؤساء ورسم السياسة. ولكنهم آثروا تغليب أمانيّهم على تلك المعرفة. فقد وجدوها مناسبة لإنقاذ موقفهم في التورّط في دعم سياسات بوش أو الانحناء أمام عاصفتها. وذلك ليقولوا إن أميركا حين تخطئ تصحّح نفسها بنفسها فالخير فيها لا محالة.

والخير هنا غير قابل الوجود في دولة رأسمالية إمبريالية نهّابّة لثروات الشعوب وقواعدها العسكرية تغطي كل مفاصل الكرة الأرضية وقد أصبح نظامها أكبر مُسْهِم في سخونة المناخ واستنزاف الطبيعة: الخطر الأكبر على الحياة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة