ربيع إنفلونزا الطيور   
الأربعاء 1426/12/19 هـ - الموافق 18/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:11 (مكة المكرمة)، 11:11 (غرينتش)
وحيد مفضل

- المرض بين تهويل وتهوين
- الآثار الاقتصادية والإنسانية
- إنفلونزا الطيور والدول العربية
- التاميفلو والعناية الإلهية

يبدو أن البشرية قد فقدت جزءا كبير من حالة الوئام التي كانت تنعم بها منذ أمد مع الطبيعة، كما يبدو أن زمن الرغد البيئي الذي كنا نغط فيه لعقود طويلة قد ولى ربما بلا رجعة.

على الأقل هذا ما يوحي به توالي ظهور الزلازل والعواصف والفيضانات والانهيارات الأرضية وغيرها من الأخطار والكوارث الطبيعية، وتداعيها في الآونة الأخيرة على جميع شعوب الأرض.

لكن معاني المعاناة وأنماط المآسي المتداعية علينا لا تقف للأسف عند هذا الحد، فهناك ما هو أسوأ وأقسى، هناك مثلاً خطر الأمراض والأوبئة الغامضة.

فخلال السنوات القليلة الماضية تفشى في أنحاء متفرقة من العالم عدد كبير من الأوبئة الغامضة على شاكلة حمى الأيبولا والضنك وجنون البقر وإنفلونزا الطيور.

ومن بين جميع هذه الأوبئة، تبقى إنفلونزا الطيور الأكثر خطورة والأكثر تهديداً للمجتمع العالمي، على الأقل من واقع تاريخها القاتم ضد المجتمعات البشرية.

وفي الحقيقة فإن الأرضية والمساحة التي أخذ هذا المرض في اكتسابها لاسيما في الفترة الأخيرة، إضافة إلى انتقاله من آسيا إلى أوروبا واقترابه مؤخراً من أراضينا، كل هذا يستدعي محاولة تقييم الموقف وإلقاء الضوء على بعض جوانبه، لعل هذا ينفعنا ولعل أن يكون فيه ما يفيد.

"
البعض استقبل التكهنات المتزايدة بشأن إمكانية تحول المرض إلى وباء عالمي فتاك بقدر من الجدية وصلت إلى حد التهويل، في حين استقبله آخرون بشيء من اللامبالاة بلغت حد الاستخفاف والتهوين
"

المرض بين تهويل وتهوين
أثارت إنفلونزا الطيور منذ عودتها للظهور أواخر عام 2003 حالة من الجدل والبلبلة المشحونة بالقلق والحيرة، فالبعض استقبل التكهنات المتزايدة بشأن إمكانية تحول المرض إلى وباء عالمي فتاك، بإيجابية وبقدر من الجدية وصلت في بعض الأحيان إلى حد التهويل، في حين استقبل آخرون الأمر بشيء من اللامبالاة وعدم الاكتراث، بلغت في بعض الأحوال حد الاستخفاف والتهوين.

وإذا نظرنا إلى المبررات التي ساقت البعض للذعر وربما التهويل من حقيقة الأمر، سوف نجد أنها كثيرة ولا تخلو من مرجعية.

ومن أهمها:
- السجل القاسي والتاريخ القاتم لهذا المرض وللأوبئة بصفة عامة ضد البشرية، إذ أن إحصائيات منظمة الصحة العلمية تشير إلى أن فيروس الإنفلونزا اعتاد التفشي كوباء من ثلاث إلي أربع مرات كل قرن.

ففي القرن الماضي، على سبيل المثال، تفشى المرض بصورة وبائية ثلاث مرات، كان أقساها وباء 1918 المعروف باسم "الإنفلونزا الإسبانية"، وقد أدى في النهاية إلى وفاة أكثر من 40 مليون شخص عبر العالم، وتبين مؤخراً أن الفيروس المسبب لهذا الوباء، نشأ أساسا في الطيور أيضا، ثم حدث له تطور مفاجئ فصار مُعدياً للإنسان.

- عدم تمكن المجتمع العلمي من إيجاد دواء فعال للمرض حتى الآن، إذ أن الفيروس المسبب دائم التجدد والنشاط، مما يعني صعوبة إيجاد علاج حاسم للقضاء عليه، وكل ما هو متاح حالياً خياران لا ثالث لهما.

الأول عقار من نوعية "التاميفلو"، لكن عمله يقتصر على مقاومة الفيروس والتخفيف من آثاره، دون القضاء عليه.

أما الثاني فهو لقاح واق من المرض، لكن عمله يقتصر على وقف فيروس بعينه دون غيره، مما يعني أن حظ البشرية العاثر قد يقودها إلى ظهور فيروس آخر مختلف، يتطلب التعامل معه وتحضير لقاحات مضادة له شهوراً طويلة.

- ارتفاع نسبة الوفيات البشرية ضمن الإصابات الحادثة، إذ بلغت في بعض الأحوال أكثر من 70%، مما يعني أن نسبة النجاة من هذا المرض ضئيلة نسبياً.

يضاف إلى هذا ما هو معروف عن سرعة انتقال فيروس الإنفلونزا بين البشر، وهي حقيقة تدعم فكرة إمكانية انفلات المرض وتفشيه بين الناس.

- اقتراب موسم الشتاء والربيع وهي مواسم هجرة الطيور وانتقالها من الشمال إلى الجنوب عبر مسارات متعددة ومعروفة، مما يعني تزايد إمكانية انتشار المرض سواء كان عن طريق انتقال العدوى للطيور المستوطنة أو كان ذلك عن طريق زيادة فرصة الاحتكاك المباشر بأحد الطيور المصابة وانتقال المرض بالتالي لمصابين جدد في مناطق جديدة.

مقابل كل هذه المبررات يعتمد الفريق المقابل في تبسيطه وتهوينه للأمر على أكثر من حجة وسبب، مما يمكن إيجازه بصفة عامة، فيما يلي:

- المرض بوصفه قضية علمية طبية حديثة ما زال محل بحث وما زال يكتنفه الغموض، وبالتالي لا يمكن حسم توقعات معينة أو التأكيد على حدوث سيناريوهات مسبقة بشأن مستقبله أو تأثيراته على البشرية.

- حدوث إصابة بالمرض أمر صعب للغاية، ولا يتم إلا بالاحتكاك المباشر مع طائر مصاب، كما أن حدوث طفرة جينية وتحول الفيروس لنسخة بشرية، أمر نادر هو الآخر، ويتطلب وقتاً طويلاً لحدوثه.

- عدد الإصابات الحادثة منذ ظهور المرض قبل عدة سنوات لم يزد عن بضعة وسبعين حالة فقط، وهو رقم لا يتناسب أبداً مع حجم الضجة والهلع الحادثين، أو مع الإمكانيات والأموال المسخرة لمقاومته.

- هناك من الكيانات الاقتصادية من له مصلحة في إثارة الموقف وتأجيج حالة القلق الحادثة، وذلك بغرض تحقيق مكاسب عاجلة طائلة، ومن تلك الكيانات بعض شركات الأدوية والأجهزة الطبية، وتجار لحوم المواشي والخنازير، وغيرهم من المنتفعين.

"
قدر البنك الدولي أن تفشي وباء إنفلونزا الطيور لمدة عام بين البشر يمكن أن يكلف الدول الصناعية الكبرى حوالي 550 مليار دولار، كما قدرت خسائر الدول الآسيوية في نفس الفترة بنحو 300 مليار
"

الآثار الاقتصادية والإنسانية
إضافة إلى مشاعر الهلع والفزع الحادثين، خلف هذا المرض أيضاً على المستوى العالمي جملة من التداعيات والآثار السيئة على أكثر من قطاع وصناعة، إذ هلك على المستوى الإنساني حتى الآن أكثر من 80 فرداً كنتيجة مباشرة للإصابة بالمرض.

وإذا كان هذا الرقم يبدو الآن هينا، فالنتائج ستكون وخيمة إذا ما أفلح المرض في التحول إلى وباء عالمي، كالذي تحذر منه منظمة الصحة العالمية مما يجعل الوفيات قد تصل إلى أكثر من سبعة ملايين، وذلك بسبب افتقاد نسبة كبيرة من المصابين للمناعة ولوسائل العلاج، بل إن جهات أخرى لم تستبعد أن يقفز هذا الرقم إلى 150 مليون ضحية!.

أما عن آثار المرض على الاقتصاد العالمي، فليس هناك حاجة للتأكيد على أن صناعة الدواجن بصفة عامة تعتبر من أكبر الخاسرين، إذ تسبب المرض في إعدام حوالي 150 مليونا من الطيور والدواجن، كما تسبب في جملة من الخسائر غير المباشرة، ومن ذلك انخفاض أسعار الدواجن، وإغلاق أو إفلاس عدد كبير من مزارع الدواجن وتربية الطيور، وتسريح آلاف مؤلفة من العاملين والقائمين على هذه المزارع وبقية الأنشطة المرتبطة بها.

هناك اقتصاديات أخرى تأثرت سلبا بالمرض أيضاً، وإن لم يكن بالطبع بنفس الدرجة، فلا يمكن إنكار أن صناعة السياحة وحركة النقل الجوي وأسعار الأسهم في الدول الآسيوية الموبوءة قد تقلص نشاطها نوعاً ما وذلك بسبب الخوف من المرض وعدم وضوح الرؤية بخصوصه.

لا يمكن أيضاً التغاضي عن الأموال التي تم إنفاقها أو تخصيصها لمكافحة المرض أو للاستعداد له سواء في الدول المصابة أو في الدول الأخرى التي تتوجس دخوله إليها.

فالبنك الدولي مثلاً وافق منذ أيام على تخصيص ما يقرب من 1.5 مليار دولار كفاتورة مسبقة لمقاومة انتشار محتمل للمرض.

إذا كانت الخسارة بهذه الفداحة والمرض ما زال في طفولته ولم يبلغ ربيع عمره بعد، ترى كيف سيكون حجم الخسارة الناتجة إذا ما هلت علينا طلائع الوباء؟.

المؤسسات المالية الدولية لم تترك الأمر للاحتمالات، فقد قدر البنك الدولي مثلا أن تفشى وباء إنفلونزا الطيور لمدة عام بين البشر يمكن أن يكلف الدول الصناعية الكبرى حوالي 550 مليار دولار، في حين قدر بنك التنمية الآسيوي خسائر الدول الآسيوية خلال نفس الفترة بنحو 300 مليار دولار. أرقام رهيبة وتستدعي بالفعل بعض الذعر وكل القلق!.

"
انخفاض جودة الأنظمة الصحية وضعف الإجراءات وعدم جدية المراقبة في معظم الدول العربية فضلاً عن انتشار الفقر وقلة الوعي، يجعل احتمال اقتحام هذا الوباء لأي منها أمرا قائما بقوة
"

إنفلونزا الطيور والدول العربية
ظهر الوباء في تركيا المجاورة واقترب بذلك خطوة أخرى من حدود العرب وأفريقيا، لتزداد بالتالي فرصة تعرض دول المنطقة بأسرها لخطر انتشار المرض. وتبدو المنطقة العربية على وجه الخصوص مهددة بالمرض الآن أكثر من أي وقت مضى.

غير أنه لا يمكن تعميم التشاؤم أو قتامة الموقف على جميع دول المنطقة، فنظريا هناك دول معينة وهي تحديدا العراق وسوريا والسودان ومصر والجزائر والمغرب تؤهلها ظروفها الجغرافية والسياسية والإدارية إلى أن تكون محطاً للمرض وربما مسرحاً له، مقابل دول أخرى تبدو احتمالات تفشي المرض فيها ضئيلة ومستبعدة بعض الشيء.

نستند في تقييمنا هذا على عدة عوامل منها الظروف الخاصة التي تقع تحتها بعض هذه البلاد، مثل الاحتلال وتراجع أولويات الرعاية الصحية وشئون البيئة كما في حالة العراق، وتزايد القلاقل الداخلية ونقص سبل المراقبة والإمكانيات كما في حالة السودان، والتماس مع الدول المصابة كما في حالة سوريا.

تضاف إلى هذا محددات أخرى عامة تتصف بها جميع الدول المرشحة مثل ثرائها بالأراضي الرطبة والمسطحات المائية المستقبلة للطيور المهاجرة، ووقوعها ضمن مسارات هجرة الطيور، ونمط معيشة الأشخاص لاسيما في القرى والأرياف، وهو يعتمد في الأساس على جوار الطيور الداجنة والعيش جنبا إلى جنب معها في المنازل والديار.

وإذا أضفنا إلى هذا انخفاض جودة الأنظمة الصحية وضعف الإجراءات وعدم جدية المراقبة في معظم تلك الدول، فضلاً عن انتشار الفقر وقلة الوعي، يصبح إذن احتمال اقتحام الوباء لأي منها أمرا قائما بقوة وغير مستبعد على الإطلاق.

والمتابع لنوعية القرارات والاستعدادات الخاصة بهذا المرض في المنطقة عموما يمكنه الخروج بملاحظتين أساسيتين حول طريقة تعامل الحكومات والإدارات العربية المعنية مع مخاطر الوباء.

الملحوظة الأولى هي أن التعامل مع الموقف يتم حتى اللحظة من منطلق الثبات، وأحيانا بطريقة الصمت والتجاهل.

ففي الوقت الذي شهدت فيه الساحة الدولية تحركات عديدة من كافة الجهات، ومن ذلك قيام وزير الصحة الأميركي مثلا بجولة آسيوية لمراجعة الموقف وتشديد الجهود، وعقد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أكثر من اجتماع لمناقشة خطورة المرض وتنسيق الإجراءات، وغير ذلك من أفعال الحركة والاهتمام، لم نسمع في المقابل عن اجتماع واحد لوزراء الخارجية العرب أو وزراء الزراعة أو الصحة العرب لبحث خطورة الأمر مثلاً أو تنسيق الجهود المشتركة، وتبادل المعلومات.

الملحوظة الثانية هي اعتماد معظم هذه الحكومات على أسلوب الرصد والمراقبة فقط كإستراتيجية لمكافحة المرض دون أن يكون هناك اهتمام بتوفير الإمكانيات الفنية أو استعداد لمرحلة ما بعد اندلاع الوباء.

ففي حين اكتفت معظم الإدارات العربية المعنية باتخاذ بعض الإجراءات الوقائية الاعتيادية من نوعية حظر استيراد الدجاج والطيور من الدول الموبوءة، وتشديد إجراءات الحجر الصحي والزراعي، ونشر عدد من المتخصصين لمراقبة الطيور الوافدة، لم نسمع أن حكومة واحدة سوى السعودية ودولة أو دولتين خليجيتين أخريين أعدت خطة طوارئ واضحة أو سنت إدارة متخصصة للتعامل مع الأزمة.

كما لم تسع غالبية دول المنطقة إلى تدبير كميات مناسبة أو كافية من اللقاحات والأمصال المضادة لاستخدامها حين الحاجة، أسوة بما حدث في دول كثيرة أعلنت منذ فترة حالة الاستنفار بين كافة أجهزتها ومسئوليها.

"
الأدوية المتاحة واللقاحات المخزنة في غالبية الدول لن يمكنها الإيفاء بالاحتياجات المطلوبة، وبالتالي فكل من الغني والفقير في أغلب الظن سيكون أمام ذلك الخطر سواء
"
التاميفلو والعناية الإلهية!
تشير المعطيات إلى أن المرض ربما يكون قد وصل إلى مرحلة فارقة حالياً، فإما أن ينقلب إلى وباء، وإما أن نتمكن من إخماده أو القضاء عليه نهائياً، لكن ذلك يتوقف في المقام الأول على جدية الاستعدادات والاحتياطات المبذولة سواء كان هذا على المستوى العالمي أو على المستويين الإقليمي والمحلي.

كما يتوقف على درجة تكاتف المجتمع الدولي ومدى مساعدة الدول الغنية للدول الفقيرة، فهناك دول لاسيما في أفريقيا لا تملك الخبرة ولا المال، وهناك دول لا تستطيع تدبير كميات اللقاحات الواقية والعقارات المطلوبة.

ويتوقف الأمر أيضاً على عنصر هام ليس لنا يد فيه، وهو سرعة تطور فيروس المرض، ومدى قدرته على صنع نسخة جديدة تمكنه من الانتقال بين البشر.

أعتقد أن المجتمع العالمي يحتاج لبعض الحظ أو التوفيق أكثر مما يحتاج لعبوات "التاميفلو" أو غيرها، وعلينا في هذه الحالة أن نرجو نطلب العناية الإلهية ورحمة الخالق، أكثر من طلبنا للأدوية والإمكانيات.

فالوباء، أي وباء، ينتشر عادة كالنار في الهشيم، مما يعني صعوبة نجاة كثيرين منه، كما يعني أن الأدوية المتاحة واللقاحات المخزنة في غالبية الدول لن يمكنها الإيفاء بالاحتياجات المطلوبة، وبالتالي فالغني والفقير في أغلب الظن سيكونان أمام ذلك الخطر سواء.

وقبل طلب هذه العناية وقبل التطلع إلى رحمة الخالق، يجب علينا أولاً لاسيما في المنطقة العربية أن نساعد أنفسنا، باتخاذ وضع الاستعداد، وباعتماد الشفافية سبيلاًً لمعالجة الأمور، نساعدها بالتعامل مع الموقف لا من منطلق الثبات أو الصمت كما هو معتاد، بل من الحركة والديناميكية كما هو مفروض.

كل ما هو مطلوب أن تتواكب أفعالنا وليس أقوالنا مع الخطر المحتمل، فيا ترى هل نفعل؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة