العلاقات الروسية الإيرانية ودرس اليمن   
السبت 1436/7/13 هـ - الموافق 2/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:30 (مكة المكرمة)، 12:30 (غرينتش)
عامر راشد


علاقات في الميزان
علاقات متطورة ولكن
الدرس اليمني

يثير تطابق المواقف السياسية بين موسكو وطهران حول غالبية الملفات الساخنة في المنطقة تساؤلات إزاء طبيعة العلاقات الروسية-الإيرانية، والمثال الأقرب موقف موسكو إزاء تطورات الأزمة اليمنية، فما تفسير هذا التطابق ومستوى العلاقات بين البلدين؟ وإلى أين تسير هذه العلاقات؟

أضفت المواجهة المحتدمة بين روسيا والغرب جراء تداعيات الأزمة الأوكرانية، أهمية خاصة للعلاقات مع إيران بالنسبة لروسيا، وكانت هذه العلاقات قد شهدت تطورا كبيرا منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، واستغلت موسكو القطيعة بين إيران والدول الغربية لتعزيز وتوسيع تعاونها مع طهران في شتى المجالات. لكن تتباين التقديرات في المستوى الذي وصل إليه هذا التعاون، وقابليته للاستمرار بالوتيرة ذاتها مستقبلا.

يرى الكرملين أن بناء شبكة علاقات قوية مع إيران يخدم سياسات موسكو في الميزان الجيوستراتيجي الروسي لحفظ التوازن بمنطقة آسيا الوسطى، في موازاة الانفتاح التركي على دول المنطقة بدعم من أميركا والغرب

وشكل وصول قطار "الربيع العربي" إلى سوريا بوابة لتقارب كبير في المواقف السياسية الروسية-الإيرانية تجاه المنطقة، تجلى في اتخاذ موسكو وطهران مواقف متشددة في دعم نظام الرئيس بشار الأسد، باعتبار أن المعركة الجارية في سوريا تستهدف المصالح العليا للبلدين، وفق تقدير رُوّج له في تصريحات رسمية وتحليلات خبراء وازنين ومقربين من مركز صنع القرار في موسكو وطهران، ومفاده "أن سعي الغرب وحلفائه لإسقاط أهم حليف لروسيا وإيران في المنطقة مقدمة لاستهدافهما مباشرة..".

علاقات في الميزان
فضلا عما سبق، يرى الكرملين أن بناء شبكة علاقات قوية مع إيران يخدم سياسات موسكو في الميزان الجيوستراتيجي الروسي لحفظ التوازن في منطقة آسيا الوسطى، في موازاة الانفتاح التركي على دول المنطقة بدعم من الولايات المتحدة والغرب. ومن هذه الزاوية يمكن فهم معارضة روسيا لأي عمل عسكري ضد إيران، أو تشديد العقوبات الاقتصادية عليها بحيث يمكن أن تؤدي إلى زعزعة نظام الحكم والاستقرار فيها.

وتعول روسيا على أن العلاقات المتطورة مع إيران تخفف من مخاوف انهيار منظومة الأمن في بحر قزوين، وهذا يمثل أحد الهواجس التي تخشاها موسكو، فانهيار منظومة أمن بحر قزوين سيفتح الأبواب أمام موجات من اللاجئين، وانتشار تجارة غير مشروعة للأسلحة وتهريب المخدرات، وهذا من شأنه أن يلحق ضررا كبيرا بأمن روسيا واستقرارها المجتمعي. يشار هنا إلى أن هناك وفيات تقدر بمئات الألوف سنويا في روسيا والبلدان المجاورة لها في الجنوب بسبب الإدمان على المخدرات، والمصدر الرئيسي لها أفغانستان عبر دول آسيا الوسطى.

وبطبيعة الحال يدرك الكرملين تنامي الثقل الإقليمي لإيران بعد حربي أفغانستان والعراق، وإمساكها بأوراق قوية في أربعة ملفات عربية: العراق وسوريا واليمن ولبنان، بالإضافة إلى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي من خلال علاقاتها مع قوى فلسطينية رئيسية. ومما يشجع روسيا على الذهاب بعيدا في علاقاتها مع إيران، الافتقار إلى مشروع عربي موحد قادر على الوقوف في وجه النفوذ الإيراني، ويشكل ثقلا إقليميا مؤثرا.

وفي الميزان أيضا الفوائد الاقتصادية التي تجنيها روسيا من التعاون مع إيران، لاسيما في ظل العقوبات الغربية التي فرضت العام الماضي على موسكو إثر ضمها شبه جزيرة القرم.

علاقات متطورة ولكن
غير أن موانع كثيرة تحول دون ارتقاء العلاقة بين موسكو وطهران إلى مستوى تحالف إستراتيجي، وستكون إيران مهتمة بإعادة بناء علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على ضوء متغير التوقيع على اتفاق إطار لحل أزمة الملف النووي الإيراني، وترجيح التوصل إلى اتفاق دائم قبل نهاية يونيو/حزيران القادم.

من المتوقع أن يؤدي رفع العقوبات عن إيران إلى نتائج سلبية على صعيد المصالح المتبادلة والتعاون التجاري بين البلدين، لاسيما في قطاع النفط، إذ إن عودة إيران إلى الإنتاج النفطي بسقف مرتفع سيؤدي إلى إغراق السوق بالمزيد من فائض العرض
من بين الموانع عدم ثقة روسيا بأن إيران لن توسع طموحاتها الإقليمية بما سيضر بالمصالح الروسية، وفي كواليس مجموعة "5+1" أبدت روسيا تشددا -لا يقل عن التشدد الأميركي والأوروبي الغربي- في وضع ضمانات تحول دون امتلاك إيران سلاحا نوويا، لأن روسيا لا تريد بلدا نوويا على حدودها الجنوبية.

كما أن حاجة روسيا إلى علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية الفاعلة، وأولوياتها في التحالفات الدولية، تعيق تطوير العلاقات بين موسكو وطهران أكثر مما هي عليه، فعلى سبيل المثال لا تدعم روسيا انضمام إيران إلى "منظمة شنغهاي للتعاون" لأن الصين وكزاخستان تعارضان ذلك، والعلاقة مع هذين البلدين أهم بكثير من العلاقة مع إيران بالنسبة لروسيا.

وبتقدير الخبراء، يتوقع أن يؤدي رفع العقوبات عن إيران إلى نتائج سلبية على صعيد المصالح المتبادلة والتعاون التجاري بين البلدين، لاسيما في قطاع النفط، إذ إن عودة إيران إلى الإنتاج النفطي بسقف مرتفع سيغرق السوق بالمزيد من فائض العرض، وبالتالي سيؤثر سلبا على الأسعار مدة عام على الأقل، وهذا سيفاقم من المشاكل الصعبة التي يعاني منها الاقتصاد الروسي بفعل تراجع أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية والمالية.

وفي مجالات التعاون الأخرى يؤكد خبراء في العاصمة الروسية أن حاجة إيران إلى التعاون مع روسيا ستتقلص لتقتصر بشكل رئيسي على قطاع الطاقة النووية السلمية والطاقة الكهربائية وسكك الحديد، إلى جانب التعاون العسكري. وستضطر روسيا لخوض منافسة حادة مع الدول الأوروبية في السوق الإيرانية، مما سيعطي لطهران هامش مناورة أكبر لتوسيع علاقاتها التجارية والاقتصادية، وسيقابل ذلك غالبا أن تعيد النظر في جوانب محورية من سياساتها الخارجية.

هناك أيضا عوامل داخلية روسية تلعب دورا سلبيا في إمكانية تطوير العلاقات الروسية-الإيرانية إلى مستوى تحالف إستراتيجي، لكن يجري تجاهلها حتى الآن، فحسب خبراء في الوضع الداخلي الروسي، من شأن الدعم الذي تقدمه روسيا لإيران أن يضر -على المستوى البعيد- بعلاقاتها مع مواطنيها المسلمين، إذ إن غالبيتهم الساحقة من السنة.

وتؤكد مجموعة العوامل السابقة أن أقصى ما يمكن أن تكون عليه العلاقات بين روسيا وإيران علاقات تعاون يمليها تقاطع المصالح إذا صح التعبير، ولا يمكن أن تتحول إلى تحالف إستراتيجي. غير أن مفهوم تقاطع المصالح في القاموس السياسي لموسكو وطهران، وتطبيقاته على الأرض في المدى المنظور، أنتج سياسات ومواقف ملتبسة ومتقلبة إزاء ملفات المنطقة.

الدرس اليمني
تطورات الأزمة اليمنية منذ سبتمبر/أيلول الماضي، قدمت مثالا حيا على التباس سياسات موسكو -من وجهة نظر العديد من البلدان العربية- حيال بعض ملفات المنطقة بما يخدم المواقف الإيرانية بشكل مباشر، حيث امتنعت عن إدانة تمدد الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة صنعاء وانقلابهم على الرئيس هادي، وظلت تؤكد في خطابها على تأييدها لتسوية سياسية من خلال جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة، بينما كان الحوثيون يواصلون توسيع نطاق سيطرتهم بالقوة المسلحة.

أقصى ما يمكن أن تكون عليه العلاقات بين روسيا وإيران علاقات تعاون يمليها تقاطع المصالح، ولا يمكن أن تتحول إلى تحالف إستراتيجي، غير أن مفهوم تقاطع المصالح وتطبيقاته على الأرض، أنتج سياسات ومواقف ملتبسة ومتقلبة إزاء ملفات المنطقة
وسارعت موسكو إلى اتخاذ موقف متشدد ضد "عاصفة الحزم" في اليمن، وعارضت إصدار قرار قوي من مجلس الأمن الدولي ضد الحوثيين وأتباع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، قبل أن تدخل تغيرا دراماتيكيا على موقفها، بتراجعها عن التلويح باستخدام حق النقض (فيتو) ضد مشروع قرار عربي، والاكتفاء بالامتناع عن التصويت، علما بأن القرار جاء تحت البند السابع مما أزعج إيران وأثار حفيظتها.

وتكمن أهمية هذا التغير في أن موسكو أجرت حسابات وجدت فيها أنه ليس من مصلحتها تعطيل القرار، في خروج عن النماذج التي قدمت منذ عام 2011 وبرز فيها شبه تطابق في المواقف الروسية والإيرانية، وهو ما يؤكد أن تقاطع المصالح بين موسكو وطهران يقابله بالضرورة تقاطع مصالح عربية روسية، إذا ما أديرت على النحو المطلوب ستحدث المزيد من التغير في توجهات موسكو في غير ملف من أزمات المنطقة، مثلما وقع في الملف اليمني.

ويثبت من خلال عملية حسابية بسيطة أن المصالح بين روسيا والبلدان العربية أكبر وأوسع بكثير من المصالح بين روسيا وإيران، وباستبعاد إمكانية قيام تحالف بين موسكو وطهران، يمكن للعرب أن يغيروا في الأولويات والمواقف الروسية بتظهير المصالح المشتركة وتوظيفها، بشرط أن يكون هناك مشروع عربي متبلور وموحد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة