تقويم تجربتي المفاوضات والانتفاضة   
الأربعاء 1425/10/5 هـ - الموافق 17/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:57 (مكة المكرمة)، 12:57 (غرينتش)
 
 
مع مرور أربع سنوات على انتفاضة الأقصى راح يتجدد كل ما قيل عن تجربة اتفاق أوسلو في المفاوضات وما انتهت إليه من فشل في كامب ديفد(2) وطابا عام 2000، وذلك إلى جانب تقويم تجربة الأربع سنوات الماضية.
 
وهنا يلحظ أن ثمة اتجاهاً يجنح دائماً إلى وضع اللوم على الطرف الفلسطيني والعربي مهما كان موقفه، ومهما فعل فيما يتضمن هذا الجنوح إعفاء الطرفين الأميركي والإسرائيلي من المسؤولية.
 
وإذا تكرّم وألقى عليهما من مسؤولية فيكون ذلك أقرب إلى رفع العتب مقابل التركيز على الأخطاء الفلسطينية والعربية. وهو بهذا لا يعدم من تغطية نهجه هذا من خلال الحديث عن ضرورة "النقد الذاتي"، والحاجة إلى تصحيح أخطائنا، والخلاص من سلبياتنا، وإصلاح حالنا. لكن هذه الذرائع تفقد أهميتها وصدقيتها إن كانت مخالفة للوقائع والحقيقة.

فعلى سبيل المثال، يصر البعض على أن المسؤول الأول عن فشل محادثات كامب ديفد(2) وطابا كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وأنه كان من الأفضل لو وافق على ما طرح على الفلسطينيين في تلك المفاوضات.
 
"
ثمة اتجاه يجنح دائماً إلى وضع اللوم على الطرف الفلسطيني والعربي مهما كان موقفه، ويعفي الطرفين الأميركي والإسرائيلي مهما كانت مسؤوليتهما
"
لكن الوقائع والحقائق لا تدعم تلك المقولة. فالذي يقرأ مقابلة محمود عباس(أبو مازن) مع أسرة جريدة " الرأي" الأردنية في 27/9/2004 يخرج بنتيجة مختلفة عما ذهب إليه ذلك البعض.
 
فأبو مازن يؤكد أن ما طرح من جانب باراك وكلينتون ما كان من الممكن القبول به لا في حينه ولا الآن, ولا في المستقبل. لماذا؟ لأنه مجرد أن قبلت الاستيطان الحالي فأنت تمزق الضفة الغربية لأربعة أقسام رغم أن الاستيطان الحالي يشكل فقط(1.7%) من أرض الضفة الغربية" وأضاف أن "مواقع الاستيطان تقع على أحواض وآبار المياه الجوفية الفلسطينية.
 
ثم يصف المواقف الإسرائيلية عن موضوع اللاجئين حين تتذرع بأن ما أخذ من أراضيهم وأملاكهم تم بقرار حكومي. وهذا ما فعله هتلر فهل كانت قراراته صائبة؟ أما في موضوع القدس فبدأ الاسرائيليون طرح حكم ذاتي وغيره، إلى أن وصلوا إلى المسجد الأقصى فكان موقفهم "فوق لكم وتحت لنا" وطلبوا أن يكون لهم في "فوق" كوخ صغير يصلي فيه ثلاثة يهود.
 
فقلنا لهم (الكلام لمحمود عباس) إن هذا العدد سيتحول السبت الثاني أو الثالث إلى ثلاثة آلاف، وطالبوا بالإضافة إلى حائط المبكى (70) مترا بالحائط الغربي (480 مترا) واعتبر أن مقترحات كلنتون حول اللاجئين لا تحل المشكلة ثم وصف نهاية كامب ديفيد(2) قائلاً أبلغني كلينتون كما أبلغ أبو عمار أنه بصدد إصدار بيان ولكنه تعهد لنا بأن لا يحمل المسؤولية لأحد بفشل كامب ديفد ، ثم لاحقا ذكر ياسر عرفات. لكن بصراحة أن ياسر عرفات كان أكثر مرونة مني في كامب ديفد لكن لم يعرضوا شيئا جدياً.

أما بالنسبة إلى فشل حكومته(محمود عباس) فيرجعه إلى "أولا إسرائيل لم تقدم شيئا، والأميركان تلكؤوا، والفلسطينيون ضربوني" ثم يقطع بالقول إن شارون لا يريد سلاماً.
 
وأخيرا تبقى نقطة مهمة في المقابلة المذكورة وهي قول محمود عباس: وبالمناسبة طلب مني الطرف الأميركي أن لا أنسى ذكر أن "إسرائيل دولة يهودية" في خطابي إلى قمة العقبة فرفضت ذلك. ولعله، يلمح هنا إلى تصريح ياسر عرفات الذي أعلن فيه أن إسرائيل دولة لليهود.

وبكلمة، فالمقصود مما تقدم هو إحراج الذين يجنحون دائما إلى تحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية، أو شطرها الأكبر، ولا يرون أن المشكل في أساسه يعود إلى السياسات الإسرائيلية وإلى التماهي الأميركي وتلك السياسات، ابتداء من فشل مفاوضات كامب ديفد، وطابا مروراً بفشل حكومة محمود عباس وصولاً إلى يومنا هذا.

وخلاصته أن من يدقق جيداً بحقيقة المشروع الصهيوني والسياسات الإسرائيلية المعبرة عنه يتأكد أن الموافقة على ما يطرح في المفاوضات أو يقال خارجها مجرد محطة تنازلات ولن توصل أبدا إلى نهاية الطريق. لأن السقف الإسرائيلي المعلن الذي لا يستطيع أي طرف فلسطيني أو عربي أن يقبل به ليس السقف الحقيقي على الرغم من حوله، لأن السقف الحقيقي هو أخذ المسجد الأقصى كله: هدمه وبناء الهيكل مكانه.

وإن الأمر كذلك بالنسبة إلى الأرض واللاجئين، فما في جعبة المشروع الصهيوني حقيقة هو التهجير بالنسبة إلى عرب الـ48 كما إلى فلسطينيي الضفة والقطاع. ومن يتصور غير ذلك يتجاهل أو لا يعرف حقيقة المشروع الصهيوني وسياسة الدولة الإسرائيلية.

فما يطرح في المفاوضات وفي العلن ثمة ما هو تحته وبعده، بل أنكى منه دائما. هذه الحقيقة هي التي لم تسمح بتطبيق أي قرار من قرارات هيئة الأمم المتحدة. وهي السبب الأول وراء فشل المفاوضات التي انطلقت من مؤتمر مدريد أو اتفاق أوسلو.
 
"
من يدقق جيداً بحقيقة المشروع الصهيوني والسياسات الإسرائيلية المعبرة عنه يتأكد أن الموافقة على ما يطرح في المفاوضات مجرد محطة تنازلات ولن توصل أبدا إلى نهاية الطريق
"
وهذا الفشل لا يمكن إرجاعه إلى ما تدعيه إسرائيل ومناصروها من ذرائع. والدليل ما وقع من اتفاقات منذ المعاهدة المصرية–الإسرائيلية ومن بعدها مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو ومعاهدة وادي عربة.
 
وهذه كلها ووجهت بمعارضات واسعة، وقد تمت لأنها من جهة أخرى لم تمس جوهر المشكلة كما يعبر عنها المشروع الصهيوني والسياسات الإسرائيلية: الحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية والهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.

على أن هذه الحقيقة متجاهلة من قبل كل الذين جعلوا من المفاوضات "إستراتيجية" لهم بمن فيهم ياسر عرفات ومحمود عباس وأغلب الموقف الرسمي العربي، فضلا عن كثيرين ممن راحوا يقومون نتائج انتفاضة الأقصى بعد أربع سنوات. وبالطبع كان هذا موقفهم منذ اندلاعها لأنها بعد أربع سنوات.
 
وبالطبع كان هذا موقفهم منذ اندلاعها لأنها طرحت "إستراتيجية" لدحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات واستنفاذ القدس غير تلك الإستراتيجية، فلسطينيا وعربيا وإسلاميا وعالميا.

ويكفي المقارنة بين ما كشفته على لسان محمود عباس مفاوضات كامب ديفد، وطابا، وما عبرت عنه خطة شارون بالانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته إلى جانب 40% من الضفة الغربية وإزالة بضع مستوطنات منها.

صحيح أن خطة شارون المذكورة تحمل مخاطر شديدة إذا ما تحقق له تنفيذها وفرضها على أرض الواقع أي فرض هدنة وإجراءات أمنية فلسطينية والعودة إلى حصر الإستراتيجية الفلسطينية والعربية في المفاوضات، وما يمكن أن يقوم به الراعي الأميركي أو تقدمه الرباعية أي التخلي عن إستراتيجية الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي طويل الأمد، مع ضرورة توفير تضامن عربي وإسلامي وما أمكن من حشد عالمي رسمي وشعبي ضاغط على الاحتلال والمستوطنات.

لكن خطة شارون تعبر من جانب آخر عن فشل إستراتيجيته التي جاء بها منذ تولي السلطة ونفذها الجيش وهي القضاء على الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي والمجيء بقيادة بديلة.
 
وهذه شهادة على نجاح إستراتيجية الانتفاضة. فالانشغال بمخاطر تلك الخطة يجب ألا يطمس ما يحمله من سمات هزيمة لإستراتيجية شارون التي سبقتها.
 
ولذلك يخطئ كل من يقول إن تجربة الأربع سنوات الماضية لم تفعل شيئا غير ما وقع من ضحايا (شهداء وجرحى) ومن دمار وخراب أو من تقطيع أوصال ونهب للأرض والمياه (الجدار والمستوطنات).

ثم إلى جانب إفشال الإستراتيجية الأساسية (الأخطر) وهي إخضاع الشعب الفلسطيني وفرض الحل الإسرائيلي عليه وعلى العرب والمسلمين والعالم، حققت الانتفاضة انجازاً كبيراً بعيد المدى على ثلاثة مستويات.
 
المستوى الأول: ما تحقق من كسب للرأي العام العالمي وتأكيد على عدالة القضية الفلسطينية في نظره. والثاني: انفضاح السياسات الإسرائيلية إلى حد اتهامها بارتكاب جرائم حرب أو اعتبار الدولة العبرية أخطر تهديد للأمن والسلام في العالم كما عبر عن ذلك الاستفتاء الأوروبي الشهير.
 
والثالث: إعادة تحشيد غالبية الجمعية العامة في الأمم المتحدة لمصلحة الشعب الفلسطيني وجوداً ونضالاً وقضية.

أما من جهة ثالثة فليحدن جيداً بما حل وتعمق من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية داخل إسرائيل نفسها، وما يحدث الآن من تصدعات داخل حزب ليكود والمعادلة التنافسية الداخلية.
 
ولهذا يجب ألا يطفي على الصورة القول إن الناخب الإسرائيلي اتجه إلى دعم التطرف واليمين بسبب الانتفاضة والمقاومة.

بداية إن كل حديث عن يسار ويمين أو اعتدال وتطرف بالنسبة إلى القوى السياسية الإسرائيلية يجب أن يستهل بتصنيف حزب العمل في طليعة اليمين والتطرف وإلا أصبح تاريخ إسرائيل وسطيا واعتدالا؟
 
"
الانتفاضة هي الإستراتيجية الكفيلة بهدم الجدار ودحر الاحتلال أو المجيء بخطة ثانية لانسحاب أحادي الجانب إلى ما وراء خطوط هدنة 1949/1950 شريطة أن تدعم بتضامن عربي وإسلامي
"
فالتطرف الأقصى هو من طبيعة المشروع الصهيوني منذ مؤتمر بازل 1898 حتى اليوم، ومن هنا كان مزاج الناخب الإسرائيلي يتنقل بين تطرف وتطرف أكثر منه أو أقسى منه. فمنذ 1977 تداول ليكود والعمل دفة السلطة.
 
وبديهي القول: عندما يكون هنالك من هو أكثر تطرفا من شارون لا يجعل منه معتدلا أو وسطا، وبالمناسبة جاءت مفاوضات أوسلو بحكومة نتانياهو كما جاءت الانتفاضة بحكومة شارون.
 
ومن ثم لا يمكن تحميل الانتفاضة والمقاومة مسؤولية التطرف الإسرائيلي والذين يتهمون عسكرة الانتفاضة بإسقاط بيريز لحساب نتانياهو ثم باراك، فهذه إشكالية لا تساعد في الوصول إلى تقويم صحيح سواء أكان لتجربة المفاوضات أم لتجربة الأربع سنوات الماضية.

ولهذا فالتقويم الصحيح لتجربة إستراتيجية الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي يسمح بالاستنتاج أنها الإستراتيجية الكفيلة بهدم الجدار ودحر الاحتلال أو المجيء بخطة ثانية لانسحاب أحادي الجانب إلى ما وراء خطوط هدنة 1949/1950، لكن شريطة أن تدعم بتضامن عربي وإسلامي أفضل من مرحلة الأربع سنوات الماضية فيما الرأي العام العالمي مهيئا ومستعدا للتضامن أكثر.
 
ففتح المواجهة ضد الجدار الذي صدر بلا شرعيته قراران من محكمة العدل الدولية ومن الجمعية العامة سيجعل الموقف الإسرائيلي الأميركي في أضعف نقاطه. 
ــــــــــ
كاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة