فرصة أخيرة للعرب مع السياسة   
الأحد 24/9/1433 هـ - الموافق 12/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)
عبدالعزيز الحيص

 

السياسة.. ضعفٌ مزمن
في المشاركة الشعبية
الشفافية وحق الحصول على المعلومة
عهد ثقافي جديد

قبل فترة اعتذرت إحدى وسائل الإعلام الشهيرة عن وضعها لصور جثث جماعية لأطفال العراق في التسعينات، ظنّا منها أنها لأطفال مذبحة الحولة في سوريا في 2012. وكأبن لهذه المنطقة العربية، لا أجد فرقاً كبيراً في الصور، فكلها متشابهة.. متشابهة في مأساتها وفي الأسباب التي أدت إليها.

وهكذا هو الأمر عادة، فكلما تردّدت مصيبة وجدّت أزمة في بلداننا، تذكرت أننا قوم فشلنا فشلا بالغاً في السياسة. ولذلك فإن رفع الوعي، بما فيه الوعي بالسياسة، هو من رسالات إنسان هذه المنطقة، وما لم يتم ذلك، سيستمر استغفال الإنسان والتلاعب به كل مرة، وستظل المصائب تتصيده بين كل فترة وأخرى.

السياسة.. ضعفٌ مزمن
السياسة فن وعلم طبيعي، من المفترض التعامل معها وإعطاؤها حقها من الجهد كأي شيء آخر، وكما تتعامل معها بقية شعوب الأرض منذ أزمان طويلة. لكن مشكلة العرب أنهم شيطنوا السياسة، وارتابوا منها، وابتعدوا عنها جهلاً حيناً وعمدا في حين آخر.

إننا أمة لها تاريخ من ناحية وجوه حضارية متعددة، لكن حين يأتي الآمر للسياسة نبدو وكأننا بلا تاريخ. لم يوجد لدينا تاريخ وفكر سياسي يمارس التمرحل والنضج، ولذا لم توجد لنا طوال تاريخنا دولة بالمعنى المتكامل. وحتى كلمة دولة حين ولدت لدينا لم تكن تعني تلك السلطة المؤسسية المستقرة، وإنما كانت تعني "الغلبة"، أي دَولة فلان على فلان.

نحن أمة لها تاريخ, لكن حين يأتي الآمر للسياسة نبدو وكأننا بلا تاريخ, لم يوجد لدينا تاريخ وفكر سياسي يمارس التمرحل والنضج، ولذا لم توجد لنا طوال تاريخنا دولة بالمعنى المتكامل

وحتى تجربة الخلافة الراشدة التي يعوّل عليها الفكر السياسي الإسلامي كثيرا، لم تقدم تجربة يمكن لنا استخلاص دستور محدد منها، فآلية انتقال السلطة تنوعت في هذه التجربة، وهذا ما جعل محمد الأحمري يصف التجربة الراشدية بأنها في حقيقتها كانت محاولات متنوعة للبحث عن الرشد.

لكن مرحلة وتجارب البحث عن الرشد وتطوير الفكر السياسي والإداري تجمدت وتوقفت، وأصبح الاستبداد بالسلطة هو الأصل، والعملية المضادة لذلك لأجل خلع السلطة ونسف شرعيتها أصل مجاور.

ولذا اعتادت السلطة بذلك على استخدام القوة المفرطة للرد وحماية نفسها، في عملية مربكة ومستديمة امتدت طوال تاريخنا. ولم تجاوز السياسة كمفهوم منطقتها التي ولدت فيها أول مرة، أي فقط كعمارة بلدان، وحراسة رعية، وتقدير أموال.. فتبقى بذلك مجرّدة من بعدها وفنّها السياسي المطلوب.

وبعد ولادة الدولة العربية الحديثة، تم في الغالب رفض تجديد الآليات المدنية والسياسية، ويعود ذلك إلى علّة أولية وهي رغبة الاستبداد في إعادة إنتاج ذات الوضع القائم الذي يستفيد منه. بالإضافة إلى عجز ثقافي ومفهومي تخلل الثقافة العربية، فالمفاهيم الجديدة كالمدنية والديمقراطية والمواطنة لم يتم احتضانها ثقافياً، ولا يزال جدل الممانعة نشطاً حولها حتى اليوم.

وضعف الوعي السياسي هو من نقلنا إلى مرحلة "شيطنة" السياسة وشيطنة مفاهيمها. وأعقبنا ذلك كره السياسة والتباعد عنها، حين أصبحت العرب تردد مع الإمام محمد عبده "أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس..".

ورغم كثرة التسييس والوعي الشعبي الواسع بالمشاكل ذات الأبعاد السياسية، إلا أن ذلك لم يكن متولدا عن معرفة وفهم بقدر ما كان حضوراً انطباعيا يأتي كردود فعل على المشاكل والأزمات.

ولذا فإن حل الأزمة العربية في السياسة لم يكن يكمن في تبدل النخب والأيديولوجيات التي تحكم، بقدر ما يتمثل في الحاجة إلى اختراق معرفي للسياسة وتطبيقاتها المدنية، والحرص والتشديد على التطبيق العملي لها. وهي مسألة تتعزز صعوبتها حين ندرك كيف أن التاريخ العربي والإسلامي ضعيف من ناحية الفكر السياسي علماً وممارسة وتنظيماً.

يذكر الجابري أن فقه "الأيديولوجيا السلطانية" بقي سائداً وثابتا في الفكر الإسلامي، ولم تتم مجابهته وتحديه لا في شكله القديم ولا شكله المعاصر.

ومع الفشل السياسي، فإن أي ظاهرة طبيعية مثل الطائفة والقبيلة والإثنية ستتحول تلقائياً إلى مشكلة وأزمة. ترتفع لدينا اليوم أصوات الاحتراب الطائفي، بينما الفشل ليس فيها بقدر ما هو فشل في السياسة. لقد تعايشت الطوائف تاريخيا في جسد الأمة الإسلامية، لكن وجوه الاستعمار القديمة والجديدة، ووجوه الاستبداد الداخلي، رفضت إلا أن تجد في الطائفية أداة سيطرة لها على الشعوب. ولذا في المدخل إلى صنع هذه المشاكل والمدخل إلى حلها هو سياسي بامتياز.

إن الترسبات التاريخية الممتدة، وتسيّد التشريع للأمر الواقع، قد أثر على البنية المعرفية بطريقة حرمتنا من تحويل السياسة من موضوع ساخن وصاخب ومنفلت إلى موضوع معرفي هادئ وعقلاني. وهناك ملامح سياسية ظل يفتقدها المشهد السياسي العربي على الدوام، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقف المقال مع ملمحين مهمين منها: المشاركة السياسية، والشفافية وحق الحصول على معلومات.

في المشاركة الشعبية
لقد مرت على العرب مشاريع نهضوية متنوعة من محمد علي إلى خير الدين التونسي إلى جمال عبد الناصر. لكن ورغم أن هذه المشاريع حاولت أن تحمل طموحات الأمة، إلا أنها افتقرت إلى أساس مهم وهو: المشاركة الشعبية. وبذلك أصبحت هذه المشاريع، بطريقة أو بأخرى، وجهاً من وجوه الاستبداد، بغض النظر عن النتائج التي حقّقتها على الأرض، والتي كان بعضها إيجابياً.

المشاركة الشعبية وانفتاح البنية السلطوية للتفاعل والتغير هي جوهر التحول المعاصر في العالم العربي، فهي تمثل انقلاباً جذرياً على أزمنة من الاستبعاد عاشها الفرد

واليوم، من أثّر وضحّى بنفسه وقاد تحركات الربيع العربي، هو الإنسان العادي والمواطن الفرد قبل أي أحد آخر، ولذا فليس لأي معادلة سياسية أن تستثني هذا الإنسان وقدرته وأهميته. وحين ثارت مصر، كان من دلائل نجاح وجمالية وأهمية ثورة مصر، استمرار الاحتجاج والرفض المستمر لتدخل المجلس العسكري والقوى السياسية واستئثارها بنصيب من السلطة، فهو في النهاية لن يكون سوى نصيب مستلب من الناس وحظوظهم في المشاركة.

إن المشاركة الشعبية وانفتاح البنية السلطوية للتفاعل والتغير هي جوهر هذا التحول المعاصر في العالم العربي، فهي تمثل انقلاباً جذرياً على أزمنة من الاستبعاد عاشها الفرد، ليس من قبل السلطة فقط، بل من دوائر الثقافة والقبيلة ومشيخة الدين والإعلام وغيرها من تلك الكيانات التي لم تنجح في تأسيس نفسها على الفرد.

وقد سبق الوصف لأزمان سبقت هذا الربيع العربي بأن الكيانات الجماعية لدى العرب عادة ما تكون كيانات غير فاعلة، بينما يكون من السهل عليهم أن ينجحوا ويبدعوا فرادى. وهذا عائد إلى ضعف الثقافة السياسية والإدارية.

ليست المشاركة بعامل من الممكن تجاوزه وتجاهله. هذا جوهر الممارسة السياسية، وذلك بغض النظر عن نجاح أو فشل المسار التنموي والسياسي في البلد، ذلك لأن المستبعد في الحالتين، يقف في العزلة وعلى الضد، كما سيفتقد لأسس مهمة بسبب غياب المشاركة، من ضمنها كرامته والتزامه الأخلاقي.

ويبقى لنا في مسألة الاستبعاد أن نعرف أن هذا الغياب أو التغييب عن المشاركة والتفاعل ليس منهجاً مقصوداً فقط، وإنما هو أيضاً دلالة على انعدام الحالة السياسية العربية. أي أنه يصعب الحديث عن مشاركة، في حالة وجود إفلاس في رأس المال السياسي.

الشفافية وحق الحصول على المعلومة
لم تعد مسألة السلطة اليوم مسألة "مغالبة" من ينتصر فيها يصبح أهلاً لحيازة البلاد والعباد, لايزال الكثير اليوم ينظر إلى السلطة عبر هذا المفهوم، الذي يستحضر حين ذكره القتل والدماء والتصفية وكل أنواع الصراع التي ليس لها ضابط.. وفي هذا دلالة على أن الكثير لم يتعرّفوا جيداً على واقعهم الحالي، الذي تتجلّى فيه قوة المعلومة والشفافية والضغط الشعبي وتحصيل الحقوق.

لقد استيقظ الحاكم العربي اليوم على طوفان من المعلومة والمعرفة جعلته يتعرّف وجه الشعب جيداً. كان الحاكم في السابق يحسب أنه مصدر المعلومة وأساسها، كما كان يرى أن السائد الذي رسمه إعلامه وأجهزته وإداراته هو السائد الصحيح والمستمر, لكن هذا كله اختلف حين أتت ثورة التقنية التي نجحت في إيصال الانطباعات السائدة بوضوح، وساهمت في إعطاء صوت، وتقديم مساحة للحس الناقد لدى كل من افتقد هذا سابقاً.

إن من مميزات المعرفة والانفتاح المعلوماتي أنها تضيق على الاستبداد والفساد. هناك نخب استبدت عن طريق المعرفة، وحين أصبح الزمان زمان معرفة اختنقت بها. فلم يعد الناس، كما السابق، يتابعونها كمصدر المعلومة وصاحبها. ففي زمان الإنترنت، تغيرت المعادلة، وأصبح الناس يساهمون بتوسع في تشكيل المعرفة. وقد كان معروفا مسبقاً في علم الاجتماع كيف أن المفاهيم والأعراف والحقائق تتشكل اجتماعياً، لكن الإنترنت ساهم في أخذ هذا الأمر إلى مراحل أبعد وأكثر وضوحاً.

لقد رأى فوكو وغيره ممن مارسوا تفكيك أساليب الهيمنة الحديثة كيف أن المعرفة هي إحدى أهم أدوات الهيمنة. لقد كتب فوكو عن "المعرفة والسلطة"، كما كتب الكواكبي عن "العلم والاستبداد"، وفي هذا تدليل على أن احتكار المعلومة والمعرفة أخطر من احتكار أي شيء آخر.

إن الفساد لا ينخر في بلد فيه حق للمعرفة، وفي غياب الشفافية تكون البلدان عرضة للشائعات والأمراض الاجتماعية والسياسية مع كل هبة ريح. ونلاحظ كيف أن الشائعات محدودة في البلدان المتقدمة سياسياً بسبب مستوى الشفافية الذي يحررها من كثير من عوامل الارتباك.

المعرفة اليوم أصبحت رأس مال متوفرا بسهولة في كل مكان، وأصبح التحدي الجديد هو استخلاصاتنا من هذه المعرفة، وكيفية توظيفها واستخدامها في سبيل عالم أفضل

وبما أن المعرفة اليوم أصبحت رأس مال متوفرا بسهولة في كل مكان، أصبح التحدي الجديد هو استخلاصاتنا من هذه المعرفة، وكيفية توظيفها واستخدامها في سبيل عالم أفضل. وفي الطريق إلى ذلك، لابد من إدراك أن الحق في المعلومة حق ديمقراطي أصيل. فليست الديمقراطية مسألة حكم الشعب فقط، وإنما هي منظومة واسعة من الآليات والتطبيقات التي تعمل في سبيل الحياة الكريمة والحد من الفساد. ومن ذلك مسائل الشفافية وحرية المعلومات.

وقد احتلت اليمن مؤخراً المركز الأول عربياً في تطبيق مبدأ حق الحصول على معلومات. وبعد إقرار اليمن والأردن لهذا القانون، ربما سنراه قريبا في المغرب ومصر. ورغم بعض التعقيدات والتقييدات التي ستواجه هذا القانون، إلا أنه يفتح نافذة في هذا المسار، ومنها إمكانية محاكمة الجهات الحكومية التي تتستر وتمتنع عن تقديم المعلومة. وعلى العرب التمسك جيدا بهذه المعطيات التي أنتجتها حالة الربيع العربي، حتى مع كونهم في بدايات تطبيقها. ففي أميركا، بلغ عدد الطلبات المقدمة عبر هذا القانون إلى مليونين ونصف المليون طلب خلال عام واحد.

عهد ثقافي جديد
إن الفرد العربي كما نراه اليوم، قد ينجح في إسقاط الاستبداد كما نجح في إسقاط الاستعمار في أزمان سابقة، لكن الأمر الأهم هو مسألة نجاحه في بناء الدولة الحديثة. إن هذا التحول العربي الذي يحدث اليوم ليس مكانه فقط في محطات الأخبار ومتابعة الأحداث المتلاحقة. بل مكانه الحقيقي كثرة التنظير، والنقاش الثقافي المتجدد، الذي يصقل القدرة على الفهم، ويُعقب الوعي المنتج القادر على حشد الدعم والإرادة الشعبية خلف مواطن الحلول.

يقول جورج أورويل في مقاله (السياسة واللغة الإنجليزية) "في عصرنا، لا يوجد شيء اسمه الابتعاد عن السياسة، فكل القضايا سياسية". والمواطن العربي الذي اعتاد القول إنه يود الابتعاد عن السياسة، من الممكن القول له إنك تستطيع الابتعاد عنها، لكن لا تتوقع أنها بدورها ستبتعد عنك. لذا من الأفضل أن تهتم بها، حتى تهتم بك!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة