ما الذي تريده الولايات المتحدة من العالم؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/وليد سيف

ما تريده الولايات المتحدة من العالم يكمن في طبيعة النظام الأميركي نفسه بصفة عامة، والمرحلة الجديدة التي وصلت إليها أميركا في امتدادها الإمبراطوري، فضلا عن طبيعة الإدارة الحالية ومرجعياتها الفكرية والسياسية والاقتصادية معا.


نظرية هنتنغتون لم تكن مجرد استقراء بريء لحركة التاريخ بل إستراتيجية مدروسة لإخفاء العوامل والشروط الموضوعية لحركات الاحتجاج والمناهضة في جنوب العالم ولا سيما في العالم الإسلامي
ومن المعلوم أن القرن المنصرم قد شهد صعود الولايات المتحدة وانتقال مركز قيادة العالم الغربي الرأسمالي إليها، ولا سيما بعد الحربين العالميتين وانهيار الإمبراطوريات الاستعمارية الكلاسيكية، لتحل مكانها مرحلة التوسع الإمبريالي الأميركي. إلا أنه كان على الولايات المتحدة أن تواجه القطب الثاني المتمثل في الاتحاد السوفياتي في إطار ما اصطلح عليه الحرب الباردة، وأن ترسم إستراتيجياتها الإمبريالية في الحدود التي يسمح بها توازن الرعب النووي ونظام القطبين.

وبدا لحين أن العالم منقسم إلى كتلتين: الكتلة الشرقية الاشتراكية ومركزها الاتحاد السوفياتي السابق، والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، ولكل منهما امتداداته وأطرافه التي تقسم ما يسمى العالم الثالث. واتخذ الصراع في الحرب الباردة بين القطبين أشكالاً سياسية واقتصادية، فضلاً عن حروب محدودة محلية بالوكالة. وفي هذه الأجواء نمت حركة الثورة العالمية ذات الطابع اليساري المعارض للنفوذ الأميركي الإمبريالي عبر العالم.

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة زال الرادع الإنساني للتوسع الإمبراطوري الأميركي، وانحسرت حركات المعارضة الثورية اليسارية، وأفضى ذلك إلى جملة من التغيرات الجذرية في المشهد السياسي الدولي وآفاقه المستقبلية.
إذ اختفى الخط العمودي -كما كان يبدو- الذي كان يقسم العالم إلى مركز شرقي دولي اشتراكي ومركز غربي رأسمالي. وبرز حد أفقي عوضاً عن ذلك، وهو الحد الذي يقسم شمال العالم الرأسمالي الغني المتقدم الذي تحتله بصفة خاصة الحضارة الغربية الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة، وجنوب العالم المتخلف الذي يمثل الأطراف التابعة الملحقة بالغرب، وتمثله حضارات شرقية من أبرزها الحضارة العربية الإسلامية.

وإذا كانت الهيمنة الإمبريالية الغربية بزعامة الولايات المتحدة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي قد خلقت الظروف البنيوية للحركات الثورية والسياسية المناهضة للهيمنة الإمبريالية الأميركية بدعم سوفياتي، فإن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن ليؤدي إلى زوال العوامل البنيوية لمناهضة الهيمنة الأميركية والغربية. بل إن دواعي الحركات المعادية للولايات المتحدة تزداد حدة وقوة ووضوحا مع تصاعد الهيمنة الأميركية في ظل نظام القطب الواحد، لكنها هذه المرة لن تكون حركات مدعومة من مركز دولي، كما كانت عليه الحال أيام الاتحاد السوفياتي، ولن يكون من السهل عليها أن تجد حماية ودعما من أية دولة من الدول التابعة بحكم عجزها عن مواجهة التبعات المترتبة على مثل هذا الدعم في مواجهة القوة الأميركية الطاغية.

وعليه، فقد كان المتوقع أن تأخذ حركات الاحتجاج والمناهضة أشكالا جديدة وأن تستند إلى مرجعيات عقدية (أيديولوجية) جديدة غير المرجعية اليسارية التي أخفقت في المواجهة السابقة أثناء الحرب الباردة. صحيح أن الاتحاد السوفياتي السابق كان يوفر الدعم العملي للحركات السياسية والثورية المعادية للهيمنة الأميركية، ولكنه كان يمارس عليها في الوقت نفسه عملية ضبط محسوب، لتتحرك في إطار إستراتيجياته وبما لا يؤدي إلى الإخلال بالعلاقات الدولية وشروط اللعبة السياسية.

والآن، ومع غياب الاتحاد السوفياتي وانتهاء نظام القطبين، فإن حركات المناهضة للهيمنة الأميركية لن تجد لها مركزاً دولياً ولا حيزاً قومياً أو قُطرياً تنطلق منه، وتحتمي داخل حدوده وتحت مظلته، ولن تجد لها ضابطاً يرسم لها الحدود التي يمكن أن تتحرك فيها. وعليه فلن يكون لها وجه واضح ماثل متحيز في المكان ومتجسد في نظام. هنا بالضبط، برزت نظرية صراع الحضارات في الولايات المتحدة.

وأعتقد بقوة أن هذه النظرية التي أطلقها مؤلف كتاب صراع الحضارات صمويل هنتنغتون لم تكن مجرد استقراء بريء لحركة التاريخ أو نبوءة علمية يمكن أن تثبت صحتها أو بطلانها، بل كانت جزءاً من إستراتيجية مدروسة، أو يمكن وصفها بأنها نبوءة وضعت برسم التنفيذ، والغاية منها إخفاء العوامل البنيوية والشروط المادية الموضوعية لحركات الاحتجاج والمناهضة في جنوب العالم، ولا سيما في العالم الإسلامي، وتمويهها بقناع ثقافي خالص.

ولسان الحال أن هذه الحركات إنما ترفض الغرب لأسباب المغايرة الثقافية والحضارية، فهي حركات معادية للحداثة الغربية والتقدم وأنماط الحياة الغربية وثقافة الغرب الديمقراطية الليبرالية، وتنقم على الغرب ازدهاره وتقدمه، بل تعادي الجذور الدينية للغرب.


هدف الولايات المتحدة الإستراتيجي الأول بعد انتهاء نظام القطبين هو خلق الإمبراطورية الأميركية العالمية المطلقة والحيلولة دون قيام أقطاب دولية أخرى في طور التشكل كأوروبا والصين
وهذه النظرية تسلب حركة المناهضة والاجتماع مسوغاتها الأخلاقية، وتخفي حقيقة العوامل البنيوية للصراع المتعلقة بالعلاقة بين المركز المهيمن والأطراف التابعة، بين الغالب والمغلوب، بين المركز الإمبريالي الذي ينهب ثروات العالم والشعوب المستعبدة المضطهدة المسلوبة. وبذلك يستوي الجلاد والضحية في المحاكمة الأخلاقية في أحسن الأحوال، فنحن نكرههم لأسباب المغايرة الثقافية الخالصة، وهم يرفضوننا لأسباب مماثلة.

وعلينا أن نتذكر هنا أن السؤال الذي جرى تداوله في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو: لماذا يكرهوننا؟ وقد ركزت الإجابة على الجوانب ذات الطابع الثقافي الحضاري.. تقدم الغرب، وازدهاره، وأسلوب معيشته، وديمقراطيته وحريات الليبرالية، في مقابل تخلف العالم الإسلامي وغياب الديمقراطية والحريات منه.

وعليه، يجري إخفاء دور العوامل الخارجية المتعلقة بالهيمنة الإمبريالية في إطلاق حركات الاجتماع والمعارضة، ويسند التخلف العربي والإسلامي إلى أسباب ذاتية ثقافية خالصة تتعلق بمعاداة الثقافة العربية الإسلامية للحداثة، مع الإيحاء بمسؤولية المرجع الديني الإسلامي عن تخلف العرب والمسلمين عن اللحاق بركب الحداثة والانفتاح والحريات الليبرالية والديمقراطية، فالاستبداد سمة متأصلة بالثقافة الشرقية.

ويجري هنا تجاهل الدور الذي لعبته القوى الاستعمارية والإمبريالية في دعم النظم الاستبدادية، ودور الهيمنة الغربية في إطلاق حركات الرفض والاحتجاج والمعارضة والعنف، إلى جانب دور الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل.

وفضلاً عن إخفاء العوامل البنيوية للصراع، فإن إسناده إلى عوامل المغايرة الثقافية والحضارية، يمكن الولايات المتحدة من حشد التأييد الغربي الأوروبي الذي يمكن أن يأخذ لنفسه مساراً آخر بعد انتهاء الحرب الباردة. وهنا نصل إلى متغير آخر شديد الأهمية في السياسة الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة.

إذ أن هدف الولايات المتحدة الإستراتيجي الأول بعد انتهاء نظام القطبين هو خلق الإمبراطورية الأميركية العالمية المطلقة، بعد زوال الروادع السابقة، وخلق الشروط الموضوعية لبقاء هذه الإمبراطورية بعد القرن الواحد والعشرين بلا منافس. وعليه، فلا بد من الحيلولة دون قيام أقطاب دولية أخرى بدا أنها في طور التشكل، ومنها أوروبا والصين بصفة خاصة.

ذلك أن انهيار المركز السوفياتي لم يؤد فقط إلى تحرير دول الكتلة الشرقية من النفوذ السوفياتي لتلتحق بركب الغرب الرأسمالي برئاسة الولايات المتحدة، وإنما كان من الطبيعي والمتوقع أن يحرر دول أوروبا الغربية والرأسمالية من النفوذ الأميركي المركزي.

إذ أن هذه الدول، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، كانت تطمح دائماً إلى تشكيل كتلة أوروبية متحررة من الزعامة الأميركية، بل منافسة لها أيضاً. ولكن ارتباطها بالولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة كان محكوما بالتهديد السوفياتي والكتلة الأوروبية الشرقية. أما وقد زال الاتحاد السوفياتي وتهديده، فإن ذلك يمهد لتنامي القوة الأوروبية بمعزل عن الولايات المتحدة، مما يمكن أن يتحول إلى قطب آخر.

وإذن فلا بد من أن تسارع الولايات المتحدة لخلق ظروف دولية تحول دون هذا الهدف الأوروبي قبل تحققه، وهذا يتطلب من الولايات المتحدة أن تسيطر بصورة مباشرة على مقدرات العالم الإستراتيجية وفي مقدمتها منابع النفط واحتياطياته في العالم، بعد أن بدا أن أوان تطوير بدائل لمصادر الطاقة هو مطلب بعيد التحقيق. وبذلك تضمن الولايات المتحدة لنفسها سبقاً هائلاً للتحكم بمصادر الطاقة لتغذية احتياجاتها، ومن ثم لتأمين تفوقها التقني والاقتصادي والعسكري، وللضغط على القوى الدولية الأخرى وفي مقدمتها أوروبا للحيلولة دون نموها إلى المستوى المنافس للولايات المتحدة على الصعد الاقتصادية والسياسية والعسكرية.


الفردوس الأرضي الأميركي هو دليل الفردوس السماوي الخاص بصانعي الفردوس الأرضي الذين أسندت لهم رسالة كونية لقيادة العالم وتوجيهه والسيطرة عليه
وأهم المناطق الإستراتيجية التي عملت الولايات المتحدة وتعمل على إحكام سيطرتها عليها هي المنطقة الواسعة التي تسمى أوراسيا Eurasia وتشمل آسيا الوسطى وبحر قزوين وأفغانستان والشرق الأوسط على الجملة، فضلاً عن أطراف أوروبا الشرقية، وقد نجحت في تحقيق هذا الهدف حتى الآن نجاحا فائقا كما هو واضح. والسيطرة على هذه المنطقة يمنح الولايات المتحدة القدرة على تحجيم الدور الأوروبي وتحجيم الصين في الوقت نفسه.

ما الذي تريده الولايات المتحدة من العالم؟ خلاصة القول في ضوء الإشارات السابقة أن غايتها تثبيت دعائم الإمبراطورية الأميركية العالمية المطلقة المنفردة، وضمان استمرارها عبر القرن الحادي والعشرين.

ولذلك فإن مصطلح العولمة في هذا السياق قد غدا مفهوما مضللا، فهو يخفي حقيقة المركز الإمبراطوري الممتد عبر العالم، ويوحي بأن العولمة مرحلة حتمية من مراحل التطور في التاريخ الإنساني تسهم فيه شعوب العالم، بدلا من الحديث عن إمبراطورية أميركية قد نشأت وتطورت وتمكنت نتيجة إستراتيجيات مدروسة تقف وراءها قوة دولية تمتلك من أدوات السيطرة والهيمنة ما لم يتح لإمبراطورية قبلها. وقد أتيح لهذه المرحلة الجديدة من مراحل بناء الإمبراطورية الأميركية إدارة تجمع على نحو فريد بين أيديولوجية أصولية شديدة التعصب على المستوى العقدي، وبين تمثيل مصالح مادية اقتصادية كبرى، فتوظف إحداها لصالح الأخرى.

وقد يبدو من الغريب لأول وهلة أن تجتمع المصالح المادية الهائلة مع الدوافع الدينية الأصولية، ولكن النظر في الجذور الثقافية للشعب الأميركي وتكوينه القديم، يزيل المفارقة. ذلك أن الولايات المتحدة قد تأسست روحياً على المفاهيم الدينية الروحية التي حملها المؤسسون المعروفون بالمتطهرين أو الطهوريين puritans البروتستانت المنسوبين إلى الكالفينية Calvinism. وجوهر هذا المرجع العقائدي أن النجاح الدنيوي المادي هو الذي شاءت السماء اصطفاءه لنعمة الخلاص الأخروي. ومن ثم يصبح الازدهار الدنيوي دليلا مسبقا على سمو الجذور الروحية وتفوقها على عقائد الآخرين. الفردوس الأرضي الأميركي إذن هو دليل الفردوس السماوي الذي يختص بصانعي الفردوس الأرضي، وهؤلاء قد أسندت لهم رسالة كونية لقيادة العالم وتوجيهه والسيطرة عليه.
__________________
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة