أبيي والانفصال.. أين الطريق؟   
الثلاثاء 1431/11/26 هـ - الموافق 2/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:38 (مكة المكرمة)، 12:38 (غرينتش)
منى عبد الفتاح


جدلية ملكية أبيي
التعايش السلمي في مهب الريح
محاولة الخروج من لعنة النفط
ورقة الشريكين غير الرابحة

هرع الخبراء المعنيون، في هذه الأيام القليلة المتبقية على استفتاء تقرير مصير جنوب السودان والاستفتاء الخاص بمنطقة أبيي المتنازع عليها، يستنطقون التاريخ لرسم خريطة واقعية قد تقترب من الحقيقة.

غير أن اللجوء إلى هذا التاريخ والقرب منه لا يشفع للنتيجة نسبة لقصور تاريخ منطقة أبيي في إكمال ما عجز عنه الحاضر، ولا يلهمها بالتالي صورة مكتملة تحل معضلة استعصى حلها على الجميع.

فمن نيفاشا إلى لجنة الخبراء بتفويضها الممنوح لها بموجب اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا الموقعة بين الحكومة السودانية والمتمردين الجنوبيين عام 2005م، إلى لاهاي إلى أديس أبابا، رضي البعض عن الاتفاق الأول ولم ينفذوه، وتراضوا على قرار تحكيم لاهاي ولم يتواضعوا على الالتزام به، وفشلوا أخيرا في تقريب وجهات النظر بخصوص المقترحات المقدمة في أديس أبابا ولم يتمكنوا، على أقل تقدير، من إصدار بيان مشترك يوضح حجم الجهود المبذولة، أو ما تم من اتفاق أو اختلاف حول منطقة أبيي الغنية بالنفط.

وبهذا، يعد الاختلاف بين الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) مؤشرا خطيرا على وجود معضلة رئيسة تقف في وجه الاستفتاء على انفصال جنوب السودان، والاستفتاء الموازي بشأن تقرير ضم أبيي إلى الشمال أو الجنوب في يناير/كانون الثاني 2011م، بموجب اتفاقية السلام الشامل، التي أنهت عقودا من الحرب الأهلية في السودان.

جدلية ملكية أبيي
"
رغم أن اتفاقية السلام الشامل أنهت أكثر من عقدين من الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه فإنها تركت قضية أبيي دون حسم مما يفتح باب التأويلات واسعا لحرب قادمة إن لم تحل قبل الاستفتاء القادم
"
ما لم ينتبه له العالم في معضلة أببي هو ظهور لاعبين آخرين غير الحكومة المركزية وحكومة الجنوب. ويتمثل هؤلاء اللاعبون في مواطني قبيلتي المسيرية الشمالية وقبيلة دينكا نقوك الجنوبية، وتداخلهما الذي لا ينفصم في هذه المنطقة المتنازع عليها.

لذا، كان هذا هو الوقت الذي تجدد فيه السؤال الجدلي التاريخي حول أحقية القبيلتين: هل وصل دينكا نقوك أولا أم المسيرية إلى منطقة أبيي؟ وهل أسبقية الوصول تحسم النزاع الدائر حول ملكية المنطقة؟ سؤالان يطرحهما مفكرون وسياسيون بعد فشل كل جولات المفاوضات، وآخرها مفاوضات أديس أبابا، التي تقدم ذكرها.

ورغم أن اتفاقية السلام الشامل أنهت أكثر من عقدين من الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه فإنها تركت قضية أبيي، وتحديد وترسيم حدود منطقة مشيخات دينكا نقوك التسع، دون حسم مما يفتح باب التأويلات واسعا لحرب قادمة إن لم تحل قبل الاستفتاء القادم.

وهناك روايتان مختلفتان، وفي الروايتين جدل كثير لا ينقطع، فالمسيرية يرون أنهم انتقلوا في مطلع القرن الثامن عشر بسبب الجفاف إلى بحر العرب واستقروا هناك، وأن المناطق الواقعة جنوب بحر العرب تابعة لهم منذ عدة قرون وأن دينكا نقوك قادمون جدد.

بينما يستند دينكا نقوك على رواية الرحالة براون، التي أشار إليها في مذكراته، وقال فيها إنه عندما زار المنطقة عام 1798م وجد مجموعة من الدينكا تسكن في المناطق المتاخمة لبحر العرب، ويدعمونها بقولهم إنهم في الأصل كانوا يسكنون على ضفاف نهر الزراف، ولكن بعد فيضان النهر وهجوم النوير على قبيلتهم قدموا إلى مناطق بحر العرب وسكنوها قبل المسيرية.

ولم يستطع الخبراء دحض أو دعم أي من الروايتين، لأن كل نقطة تصلح للبحث والاستقصاء. ولكن العقبة التي تقف في وجه هذه الاستقصاءات هو شح الوثائق، وعدم وجود خرائط تبين ملامح المنطقة في العام 1905م، وهو العام الذي شهد تعايشا سلميا بين دينكا نقوك والمسيرية ضمن للطرفين حق المرعى، وهو نفس العام الذي أحيلت فيه مشيخات دينكا نقوك التسع إلى إقليم كردفان.

ففي هذه المنطقة، التي تمازجت فيها القبائل والأعراق لقرون من الزمان، وتأخذ موقع الخاصرة من السودان في منطقة غير محددة جغرافيا، تتقاسم قبيلة دينكا نقوك وقبيلة المسيرية النشاطات الاقتصادية المختلفة والتي يغلب عليها الرعي.

كما تتشارك فيها إدارة شمالية جنوبية، قبل أن يتحدد مصيرها عند الاستفتاء في يناير/كانون الثاني 2011م، وإلى أي من الشمال أو الجنوب ستتبع المنطقة. ورغم أن عدم الاستقرار لازم المنطقة زمنا طويلا فإن حمى النفط المكتشف حديثا أججت أوار الاشتعال، فطفت قضية أبيي على السطح. ولم يشفع التمازج والتصاهر للطرفين أن اتقفا على التشارك في المصالح الاقتصادية، التي سيست مؤخرا.

فعدة قبائل أكبرها قبيلة المسيرية ذات الأصول العربية في منطقتي كردفان ودارفور من جهة وقبيلة دينكا نقوك أحد فروع قبيلة الدينكا التي تنتمي إلى الجنوب من جهة أخرى، تطالب كل منهما الأخرى بعدم تجاوز حدود الرعي والكسب المتعارف عليه أهليا إلى أن يتم التوصل إلى قرار نهائي يحسم القضية.

التعايش السلمي في مهب الريح
لقد كانت منطقة أبيي، التي لم يخل تاريخها من نزاع دام، كما أسلفنا، تمثل في الوقت نفسه نموذجا للتعايش السلمي والتنوع الإثني في فردوس الوحدة. وكان ذلك ما أجمع عليه المختصون، وراهنوا عليه، إبان التحكيم الدولي في القضية، معتمدين في ذلك على الصور المثالية للتعايش السلمي التاريخي بين الدينكا والمسيرية.

"
الخشية أن تمتد صراعات أبيي إلى إقليمي كردفان ودارفور غربا فيما يبدو من استقواء المسيرية بحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وأن تمتد كذلك جنوبا فيما هو باد من استقواء دينكا نقوك بالحركة الشعبية
"
ولكن بعد قرار التحكيم تم التركيز، من كل الجهات، على الجانب السياسي وإغفال جوانب التمازج الثقافي والاجتماعي وما يجمع بين الطرفين من نشاط اقتصادي متمثلا في الرعي، فضلا عن إقصاء الإدارة الأهلية وتبني النخب المثقفة من أبناء القبيلتين للقضية، أصبحت قضية الحقوق مغلفة سياسيا. وكل هذه الأسباب ساهمت في تعقيد عملية ترسيم الحدود وغياب فضيلة التسامي فوق خلافات الشريكين، بل تصعيد هذه الخلافات واستدعاء العنف إلى منطقة أبيي.

والخشية من أن تمتد صراعات أبيي إلى إقليمي كردفان ودارفور غربا فيما يبدو من استقواء المسيرية بحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وأن تمتد كذلك جنوبا فيما هو باد من استقواء دينكا نقوك بالحركة الشعبية، الحزب الشريك في الحكم المركزي، والحاكم لجنوب السودان.

ويحدث هذا رغم أن بروتوكول أبيي الموقع بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، في إطار اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، قد جاء في أهم مبادئه في الاتفاق حول أبيي: "إن أبيي تمثل جسرا بين الشمال والجنوب يربط مواطني شطري البلاد، وتعرف المنطقة على أنها منطقة زعامات دينكا نقوك التسع التي نزحت إلى كردفان عام 1905م".

كما نص على أنه "لدى توقيع اتفاقية السلام ستعطى أبيي وضعية إدارية خاصة، ويجري سكان أبيي اقتراعا منفصلا متزامنا مع إجراء استفتاء جنوب السودان يضمن لسكان أبيي خيارات محددة بصرف النظر عن نتائج استفتاء جنوب السودان.

والخيارات هي أن تحتفظ أبيي بوضعيتها الإدارية الخاصة في الشمال، وأن تكون أبيي جزءا من بحر الغزال". أما قرار تحكيم لاهاي فقد أقر بأن "لجنة خبراء ترسيم حدود منطقة أبيي السودانية المتنازع عليها بين الحكومة المركزية في الشمال وحركة التحرير الشعبية المعارضة في الجنوب، تجاوزوا تفويضهم في الحدود الشرقية والغربية للمنطقة، ولم تتجاوز اللجنة التفويض بشأن حدود أبيي الشمالية والجنوبية التي كانت مثار اختلاف بعدم رضا المؤتمر الوطني وقبائل المسيرية عليها". وزادت المحكمة إلى ذلك إقرارها بحقوق الرعي للقبائل في منطقة أبيي، بغض النظر عن نتيجة قرار التحكيم.

محاولة الخروج من لعنة النفط
هذه الحيثيات تعكس تباينا واضحا في الرؤى والأفكار، ففي حين يتحدث الرأي العام والإعلام عن ضرورة التعايش السلمي، الذي نسفه تصدير خلافات الشريكين إلى المنطقة، فإن كلتا القبيلتين تعرض تظلمها من الأخرى، فالمدعومة بموقف المؤتمر الوطني، كما في حالة المسيرية، والرافض لقرار التحكيم ما لم ترسم حدود 1956م، أو في حالة دينكا نقوك المدعومة بموقف الحركة الشعبية المؤيد للقرار، لا تملك أي منهما، في نهاية الأمر، مسألة تقرير مصيرها بمفردها.

غير أن هناك جانبا مضيئا ما زال متبقيا من إرث الإدارة الأهلية للمنطقة، وهو أن كلا الجانبين يدعوان، في الوقت نفسه، إلى ضرورة تمكين تلك الإدارة الأهلية، التي اتصفت في كثير من تاريخها بالحكمة، للعب دور رئيس في حل الأزمة والعودة إلى حدود 1956م، التي ضمنت لهم تعايشا سلميا فترة طويلة من الزمن رغم المنغصات من وقت إلى آخر، ولكن ظل هم سكان المنطقة الكبير على تنوعهم واختلاف قبائلهم هو تنميتها، قبل ظهور لعنة النفط وما جرته من أزمات تكاد تعصف بالمنطقة ومستقبل الاستفتاء المرتقب.

نعم إن النفط صار لعنة مؤكدة، وهذه اللعنة لم تقف عند حد تلميح وزير الدفاع السوداني عبد الرحيم محمد حسين في القاهرة بتأجيل الاستفتاء إلى حين حل مشكلة أبيي وترسيم الحدود، الذي في رأيه لن يتم في إطار دولتين منفصلتين وإنما يجب أن يكون في إطار الدولة الواحدة.

كما أن لعنة النفط كذلك لن تقف عند اقتراح باقان أموم، الأمين العام للحركة الشعبية، بضم أبيي للجنوب في إطار صفقة شاملة مع الشمال حول ترسيم الحدود والعلاقات الشمالية الجنوبية بعد استفتاء تقرير المصير في الجنوب.

وبنفس منطق عبد الرحيم محمد حسين الحريص على السلام مهما يكن، حسب قوله، "إن المهم ليس الاستفتاء ولكن الاستقرار والسلام"، فإن باقان أموم يرى بالمنطق عينه أن "الجنوب مستعد للتوصل إلى صفقة من أجل تأمين السلام في المستقبل".

ورقة الشريكين غير الرابحة
"
لا أحد يدري بعد ما إذا كانت منطقة أبيي الغنية بالنفط ستقتطع جزءا من ثروتها هذه في إطار إعطاء مساحة للتسوية السلمية لكي تبعد شبح الحرب, أم أن المنطقة برمتها ستحتاج فعلا إلى دعم أممي لحفظ السلام بها وفيما حولها
"
وإن كانت آليتا بروتوكول أبيي وقرار تحكيم لاهاي جاءتا صفقات سياسية واضحة ارتضى البعض نصفها واعترض آخرون على نصفها الآخر، فإن ورقة تأجيل الاستفتاء التي ألقاها وزير الدفاع في وجه الحركة الشعبية، ومن ثم تلقفها الأمين العام للحركة وقام بالرد العاجل عليها باقتراح آخر يحول التأجيل إلى عملية أكثر سرعة تتمثل في صفقة شاملة، إن تمت فستكون صفقة فريدة في تاريخ السودان السياسي، لم يسبقها غير بروتوكول أبيي وقرار تحكيم لاهاي.

ووفقاً لما بذله المفاوضون في اتفاقية نيفاشا، فإن قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك قد حصلتا على مكاسب اقتصادية كبيرة، أبرزها تخصيص جزء من عائدات البترول المنتج في أبيي، ثم إنشاء صندوق تنمية وإعادة بناء وتأهيل أبيي لمعالجة برامج الإغاثة وإعادة التوطين والاستقرار والدمج والتأهيل والبناء. لذا، بات مطلوبا من القبيلتين أن تتحسسا مواضع هذه المكاسب ومظانها قبل أن يقودهما أي من الشريكين إلى مهاوي فقدانها.

فلا أحد يدري بعد ما إذا كانت منطقة أبيي الغنية بالنفط ستقتطع جزءا من ثروتها هذه في إطار إعطاء مساحة للتسوية السلمية، لكي تبعد شبح الحرب دون فوز أو خسارة، أم أن المنطقة برمتها ستحتاج فعلا إلى دعم أممي لحفظ السلام بها وفيما حولها.

إذ إن الراجح فقط هو ما يحمله مقبل الأيام من مفاجآت، التي قد يكون من بينها تدخل مباشر من الأمم المتحدة، خاصة بعدما طالبت حكومة الجنوب بنشر قوات حفظ السلام العازلة على الحدود بين الشمال والجنوب، تحسبا لوقوع أعمال عنف مصاحبة لعملية الاستفتاء على تقرير المصير.

وإن صدق هذا التوقع وأتت القوات الأممية، فربما ستكون عامل سلام يجنب منطقة أبيي، انقلاب الشريكين على نفسهما، والدخول في حرب مفتوحة يتجرع بها شعبا الشمال والجنوب، على حد سواء، أصنافا إضافية من العذاب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة