الحقيقة حول مستقبل نفط بحر قزوين   
الاثنين 20/10/1426 هـ - الموافق 21/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 9:56 (مكة المكرمة)، 6:56 (غرينتش)

حسين عبد الله

- مشاكل النقل
- الإشكالات القانونية
- خلاصة

تقدر احتياطيات النفط المؤكدة فى منطقة بحر قزوين بما لا يزيد على 50 مليار برميل وهو ما يمكن مقارنته باحتياطيات أوروبا شاملة بحر الشمال (19 مليار) واحتياطيات الولايات المتحدة (30 مليار برميل)، وهى احتياطيات بدأت رحلة النضوب الطبيعي السريع.

وكانت التغطية الإعلامية قد امتلأت طوال عقد التسعينيات بعناوين مثيرة عما تحتويه المنطقة من احتياطيات تقدر بنحو 200 مليار برميل مما خلق انطباعا زائفا بأن المنطقة تعتبر بديلا أو منافسا خطيرا للخليج العربي. أما الآن فلم يعد هناك من يتكلم عن تلك الكمية، وإن كان من الممكن العثور على كميات أكبر في المستقبل.

كذلك تقدر احتياطيات بحر قزوين من الغاز الطبيعي بنحو 250 تريليون قدم مكعبة وهو ما يمكن مقارنته باحتياطيات أميركا الشمالية المقدرة بنحو 300 تريليون قدم مكعبة.

"
الإعلام امتلأ طوال التسعينيات بعناوين عما تحتويه منطقة بحر قزوين من احتياطيات تقدر بنحو 200 مليار برميل مما خلق انطباعا زائفا بأنها تعتبر بديلا عن الخليج العربي، أما الآن فلم يعد هناك من يتكلم عن تلك الكمية
"
مشاكل النقل
وكان بحر قزوين –قبل تفكك الاتحاد السوفياتي- تحده دولتان هما الاتحاد السوفياتي وإيران وتربطهما معاهدة وقعت عام 1940 وتعطى كلا منهما حقا حصريا لصيد الأسماك حتى 10 أميال بحرية.

أما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي فى ديسمبر/كانون الأول 1991 فقد تغير الوضع وأصبح البحر محدودا بخمس دول بعد استقلال كزاخستان وأذربيجان وتركمانستان.

ونظرا لافتقار الجمهوريات المستقلة للإمكانيات المالية والتقنية اللازمة لاستغلال الثروة النفطية في المنطقة فقد لجأت حكوماتها لدعوة الشركات العالمية للقيام بتلك المهمة.

وإذ تحيط اليابسة بالمنطقة من جميع الجهات، كما يفيض النفط المنتج عن احتياجاتها، فإن الجانب الأكبر من الإنتاج سوف يتجه للتصدير. ومن هنا صارت خطوط الأنابيب تمثل مشكلة رئيسية حيث لم تعد الخطوط القديمة، وهى من موروثات الاتحاد السوفياتي، تكفى لنقل الكميات المتوقعة، فضلا عن أن النقل عبر روسيا يواجه بعض الصعوبات باعتبارها دولة عبور.

وتختلف المصالح بالنسبة لقضية النقل، فمن منظور المستثمر القائم بأعمال التنقيب والإنتاج يحتل النقل أهمية ثانوية وإن كان يلزم حلها قبل الإنتاج، أما بالنسبة لدول العبور فإنها مشكلة جيوسياسية Geopolitical إذ ترتبط بالتواصل بين الحكومات حول المصالح.

وبالنسبة لتمويل خط الأنابيب فإنه يلزم أن يكون الخط مبررا اقتصاديا وأن يحقق عائدا مقبولا لجهات التمويل بما في ذلك علاوة خاصة مقابل المخاطر السياسية التي تسود المنطقة، ومنها النزاع حول ناغورنو- كاراباخ والنزاع الروسي الشيشاني والعلاقة غير المستقرة بين أذربيجان وجورجيا ثم التنافس الجيوسياسي العام الذي يضم من ناحية الولايات المتحدة وتركيا وأذربيجان وجورجيا بينما يضم من ناحية أخرى روسيا وإيران وأرمينيا.

وتحتل دول آسيا الوسطى موقفا وسطا وإن كان هذا الموقف قد تغير نتيجة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول وغزو الولايات المتحدة لأفغانستان.

وعلى طريق حل مشكلة النقل افتتح في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 خط الأنابيب الذي أقامه اتحاد شركات خط أنابيب بحر قزوين الذي كلف 2.6 مليار دولار ويبلغ طوله 1510 كيلومترات. وهو أول خط يخصص لتصدير نفط المنطقة من حقول كزاخستان عبر ميناء Novorossysk الروسي على البحر الأسود.

ويضخ بالخط في الوقت الحاضر نحو 560 ألف برميل يوميا (ب/ي) منها نحو 90 ألف ب/ي من نفط روسيا التي تمتلك 24% من أسهم الخط ويشاركها في الباقي شركات Chevron, ExxonMobil, BP, BG, Shell, and Eni .

وقد ثار الخلاف حول توسيع طاقة الخط إلى 1.34 مليون ب/ي بين الشركات الغربية وروسيا التي تطالب بتصحيح العيوب الجوهرية التي شابت العقد الأصلي، ولكن يبدو أن الخلاف قارب الحل باستجابة الشركات لنحو 95% من المطالب الروسية وبذلك يتوقع أن يتم التوسيع بحلول 2009 بتكلفة 1.6 مليار دولار.

وتتمثل التوسعة أساسا في إقامة 10 محطات لتقوية الضغط وزيادة عدد صهاريج التخزين بنحو 3.7 مليون برميل مع توسيع إمكانيات الشحن في ميناء التصدير.

كذلك شرع في أغسطس/آب 2002 عدد من شركات النفط العالمية بقيادة البريطانية للبترول BP بإقامة الخط الرئيسي الواصل بين ميناء باكو في أذربيجان وميناء جيهان التركي في البحر المتوسط عبر تبليسى في جورجيا، مارا بجبال القوقاز التي يبلغ ارتفاعها 2880 مترا.

ويبلغ طول الخط الذي يكلف 3.6 مليارات دولار نحو 1760 كيلومترا (موزعة بين أذربيجان 445 وجورجيا 245 وتركيا 1070) كما تبلغ طاقته القصوى مليون ب/ي.

وقد قام بافتتاح الخط في 25 مايو/أيار 2005 رؤساء أذربيجان وجورجيا وتركيا وذلك لملئه بنحو 10 ملايين برميل من نفط أذربيجان الخفيف (درجة كثافة 34)، ويتوقع أن يبدأ التصدير من الميناء التركي بنهاية العام الحالي 2005 بمعدل 150 ألف ب/ي بداية، ثم يرتفع إلى مليون ب/ي بحلول 2010.

ويتمتع الخط بخصائص بيئية تفوق مسارات البحر الأسود التي تعبر المضايق التركية الحساسة في البوسفور والدردنيل، وهو ما يحظى بدعم الولايات المتحدة لعدم مروره بالأراضي الروسية.

ويتوقع أن يتاح للشركات مالكة الخط نقل نفطها مقابل 3.30 دولارات للبرميل، أما غيرها ممن سيطلبون النقل عبره فتتم المحاسبة وفقا للعقود التي تبرم معهم.

وإذ تختلف مواصفات أنواع النفط التي ستضخ عبر الخط، فإن نظاما يجرى وضعه لتحديد الحد الأدنى لخواص ما يقبل نقله، وحجم ما يتسلمه أصحاب النفط من الخليط النفطي المنقول، بمعنى أن صاحب النفط الأقل نوعية يتسلم في نهاية الخط كمية أقل مما قام بضخه في بداية الخط.

وتجرى بمشاركة الصين إقامة خط أنابيب بقدرة 400 ألف ب/ي وتكلفة 3 مليارات دولار لنقل نفط كزاخستان إلى مجمع للبتروكيمياويات عند مدينة Dushanzi الصينية، ويتوقع أن تنتهي إقامته بنهاية 2005.

كذلك تعتزم كزاخستان والصين دراسة جدوى إقامة خط بطول 3000 كم لنقل الغاز إلى الصين، وذلك كبديل للخط الوحيد الذي تمتلكه الشركة الروسية Gazprom وتفرض عليه الشروط الروسية القاضية بألا يتجاوز غاز الجمهوريات التي استقلت نتيجة لتفكك الاتحاد السوفياتي الحدود السابقة لهذا الاتحاد.

وإذ تقوم الشركة الروسية، باعتبارها مشتر محتكر، بشراء نحو 7 مليارات متر مكعب سنويا من غاز كزاخستان لأغراض الاستهلاك المحلى في روسيا، فإن ما تدفعه بعد استيفاء أجور النقل والضرائب لا يمثل غير جزء ضئيل مما يمكن أن تحصل عليه كزاخستان لو أتيح لها خط بديل للخط الروسي.

وإذ تبلغ احتياطيات كزاخستان من الغاز نحو 100 تريليون قدم مكعب، فإنها تستهدف زيادة إنتاجها من نحو 20 Bcm عام 2005 إلى 80 عام 2015.

ومن جانبها تدرس دول البلقان الثلاث، بلغاريا ومقدونيا وألبانيا، عرض شركتها المشتركة AMBO إقامة خط أنابيب بطول 900 كم وبتكلفة 1.2 مليار دولار لنقل نفط بحر قزوين من Burgas على البحر الأسود إلى ميناء Vlore الألباني على بحر الأدرياتيك بطاقة 750 ألف ب/ي.

"
الشركات النفطية العالمية واجهت صعوبات كبيرة منها عدم وجود قوانين مستقرة وخضوعها لأنظمة ضرائب تعسفية بالإضافة لصعوبة التعامل مع أجهزة إدارية يشوبها الفساد، مما يهدد بانسحابها
"
الإشكالات القانونية

أما المشكلة الثانية الكبيرة التي تواجه استغلال النفط في بحر قزوين فهي التوصل لوضع إطار قانوني يشمل تحديد حقوق الملكية القانونية للاحتياطيات النفطية تحت قاع البحر سواء باتفاق شامل يجمع كل الدول المحيطة بالبحر أو باتفاقات ثنائية تبرم بالتفاوض.

وهنا ساد الخلاف بين أنصار التقسيم القطاعي للثروة البحرية بزعامة روسيا وبين أنصار الملكية والإدارة المشتركة في إطار تسوية إقليمية شاملة بزعامة إيران التي سيكون نصيبها ضئيلا وفق قواعد التقسيم.

كذلك يلزم وضع نظم قانونية في كل دولة لتنظيم العلاقات التجارية والضرائبية والبيئية التي تحكم استغلال تلك الثروات وتنظم العلاقة بين الدول وبين الشركات العالمية التي يسند إليها أمر التنقيب والإنتاج. ويأتي في النهاية وضع النظم القانونية التي تحكم عمليات مد الأنابيب لنقل الإنتاج وتسويقه عالميا.

وفى محاولة لوضع إطار تنظيمي يضم دول المنطقة اجتمعت الدول الخمس في طهران في فبراير/شباط 1992 حيث اقترحت إيران إنشاء منظمة بحر قزوين للتعاون، ثم عقد اجتماعان عام 1995 ولكن دون التوصل لاتفاق.

كذلك انضمت دول بحر قزوين إلى منظمة التعاون الاقتصادي ECO التي تضم 10 دول إسلامية غير عربية منها 6 من جمهوريات الكومنولث المستقلة CIS في وسط آسيا ثم إيران وأفغانستان وباكستان وتركيا، ولكن المنظمة لم تثبت قدرتها على توفير الآلية الفاعلة لحل قضايا الملكية والنقل والبيئة.

وكانت 51 دولة قد وافقت على ميثاق الطاقة الأوروبي European Energy Charter في ديسمبر/كانون الأول 1991 كما وافقت في ديسمبر 1994 على البروتوكول المرتبط به الخاص بكفاءة الطاقة والأبعاد البيئية. ولم تنضم إليه الولايات المتحدة وروسيا.

وتستهدف أحكام الميثاق تشجيع التعاون بين أعضائه فى مجال الطاقة ورفع كفاءة إنتاجها وتصنيعها ونقلها وتوزيعها واستخدامها وذلك بالإضافة إلى أهداف أخرى. ومع أن دول بحر قزوين عدا روسيا قد انضمت إلى الميثاق فإنها لم تستطع الاستفادة من أحكامه في حل مشاكلها القانونية فيما بينها.

وقد بدأ التقسيم القطاعي منذ 1998 يأخذ طريقه إلى التطبيق العملي بحكم الأمر الواقع، على أمل التوصل إلى تسوية شاملة في نهاية المطاف.

فقد وقعت روسيا وكزاخستان وأذربيجان اتفاقات ثنائية فيما بينها بشأن الوضع القانوني لاستغلال احتياطيات النفط والغاز في بحر قزوين على أساس اقتسام المناطق الساحلية باستخدام مبدأ الخط الوسيط Median line.

أما إيران التي كانت تساند فكرة الإدارة المشتركة للثروة المعدنية في بحر قزوين لمصلحة الدول الخمس المطلة عليه، فقد تراجعت عن اقتراحها لتفادي الاصطدام بروسيا التي تقر مبدأ التقسيم ولكنها تطالب بأن يكون نصيبها 20% كما تطالب أذربيجان بنفس النسبة وهو ما تعارضه الدول الثلاث الباقية.

وفى نوفمبر/تشرين الثاني 2001 وقعت كزاخستان وأذربيجان اللتان تدفقت عليهما الاستثمارات النفطية الدولية اتفاقا بتقسيم حدودهما الواقعة على بحر قزوين وكانت الدولتان قد وقعتا مع روسيا اتفاقا مماثلا.

بذلك تكون ثلاث من الدول الخمس قد قبلت تقسيم الحدود الساحلية مع ترك تركمانستان وإيران يعارضان ذلك المبدأ حيث أبدت إيران أن ذلك الأسلوب من شأنه عرقلة التوصل لنظام قانوني شامل للمنطقة.

وكانت بعض دول المنطقة قد منحت عقودا مغرية لشركات عالمية ولكن التجربة واجهت صعوبات كبيرة منها عدم وجود قوانين مستقرة وخضوعها لأنظمة ضرائب تعسفية بالإضافة لصعوبة التعامل مع أجهزة إدارية يشوبها الفساد، فهددت الشركات بالانسحاب.

وكمثال حديث، فقد حاولت الشركة الكندية PetroKazakhstan، بعد أن دب الخلاف بينها وبين حكومة كزاخستان، بيع ممتلكاتها النفطية للشركة الصينية CNPC مقابل 4.18 مليارات دولار، إلا أن الحكومة سارعت خلال أكتوبر/تشرين الأول 2005 باستصدار قانون يخولها حق التدخل في أي صفقة لبيع أصول يمتلكها الأجانب وتعتبرها الحكومة ذات طبيعة إستراتيجية، وربما استخدمت الحكومة هذا التشريع لعرقلة تلك الصفقة.

وكانت كزاخستان عقب استقلالها عن الاتحاد السوفياتي قد قدمت خلال التسعينيات من القرن الماضي شروطا مغرية لاجتذاب شركات النفط العالمية، غير أن اكتشاف النفط بكميات كبيرة، صار يشجع الحكومة على وضع تشريعات نفطية وبيئية لتقليص تلك الامتيازات.

وباستثناء إنتاج روسيا وإيران من النفط والغاز الطبيعي الذي يدخل ضمن أرقام الإنتاج الكلي لكل منهما، فإن إنتاج الدول الثلاث الباقية، وهى كزاخستان وأذربيجان وتركمانستان، لم يتجاوز في عام 2004 نحو 1.7 مليون ب/ي من النفط والمكثفات، صدر منها 1.1 مليون ب/ي واستهلك الباقي محليا.

الغاز الطبيعى

(الوحدة = مليار متر مكعب)

النفط والمكثفات

(الوحدة = ألف برميل يوميا)

الدولة

صادرات

إنتاج

صادرات

إنتاج

7.0

19.8

899

1176

كزاخستان

--

4.9

193

310

أذربيجان

42.0

59.0

29

197

تركمانستان

49.0

83.7

1121

1683

الجملة

أما بالنسبة للغاز الطبيعي فإن تركمانستان تعتبر المنتج الرئيسي بين الدول الثلاث إذ بلغ إنتاجها منه عام 2004 نحو 59 مليار متر مكعب bcm صدر منها نحو 36 إلى أوكرانيا ونحو 7 إلى روسيا. وكان السعر يحدد بنحو 58 دولارا لكل 1000 متر مكعب يدفع نصفه نقدا والنصف الباقي عينا، ثم عدل مع روسيا في أبريل/نيسان 2005 ومع أوكرانيا في يوليو/تموز بحيث خفض إلى 44 دولارا على أن يدفع بالكامل نقدا.

"
إذا كانت ثمة خدمة يمكن أن يقدمها نفط بحر قزوين لأعضاء أوبك فستتمثل في تخفيف الضغط العالمي عليهم، وخاصة دول الخليج، بتزويد الأسواق بإمدادات زائدة لا تبررها المصالح الحقيقية لتلك الدول
"
خلاصة

ويستخلص من الدراسات المتاحة أن صادرات بحر قزوين الإضافية قد لا تتجاوز 5 ملايين ب/ي على مدى المستقبل المنظور، وهو ما يكفى تقريبا لتعويض الانخفاض الذي سوف يطرأ على إنتاج بحر الشمال الذي يتوقع أن يبلغ ذروته عند 7.2 ملايين ب/ي ليأخذ بعد ذلك طريقه إلى النضوب فلا يتجاوز 4.5 ملايين ب/ي بحلول 2025.

وبالمثل توجد مناطق عديدة ومنها الولايات المتحدة مرشحة لبدء رحلة النضوب النهائي، في الوقت الذي يتوقع فيه أن يرتفع الطلب العالمي على النفط خلال ربع القرن المقبل بنحو 40 مليون ب/ي (من 85 إلى 125 مليون ب/ي)، وتشح الإمدادات النفطية على نحو ما أوضحنا في دراستنا بعنوان "أسعار النفط 00 إلى أين تتجه؟".

وإذا كان ثمة خدمة يمكن أن يقدمها نفط بحر قزوين لأعضاء أوبك فسوف تتمثل في تخفيف الضغط العالمي عليهم، وخاصة دول الخليج، لتزويد الأسواق بإمدادات زائدة لا تبررها المصالح الحقيقية لتلك الدول.
_________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة