صراع في الكونغرس الأميركي يحدد مصير العالم   
الاثنين 1426/5/6 هـ - الموافق 13/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:58 (مكة المكرمة)، 16:58 (غرينتش)

عماد فوزي شعيبي

يجري حاليا صراع مكثف في الكونغرس الأميركي حول عدد من القضايا قد تصبح -عمليا- مادة صراع سياسي للإعداد لمرحلة ما بعد الرئيس جورج بوش يرى المحافظون الجدد أنها لا تكفي لتمرير مشروعهم الأيديولوجي، ولهذا فإن ثالوث: ديك تشيني- كوندوليزا رايس- جورج شولتز يتحرك من أجل هذا الإعداد.

وقد يستغرب البعض الزج باسم جورج شولتز، الذي كان أحد أهم مسؤولي مرحلة سابقة، في هذا العمل اليومي للإعداد للمرحلة القادمة.

الواقع أن جورج شولتز هو عراب عملية تهيئة المسؤولين الحاليين كما كان في مرحلة بوش الابن ثم الأب، وهو عملياً الشخص الأكثر أهمية كمنسق بين المؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى والإدارة الحالية، ولهذا فإنه سُيناط به الإعداد للإدارة القادمة.

واللافت أن شولتز يعمل على خطين: الأول جمهوري والثاني رديف وهو ديمقراطي، من أجل ضمان مصالح تلك المؤسسات.

"
تجري حاليا معركة حول اعتماد قانون يعتبر أن استخدام الأسلحة النووية الصغيرة والتكتيكية أمر لا يخضع لقانون حظره وخطر استعماله إلا بموافقة الكونغرس
"
ولكن وعلى صعيد آخر، فإن الصراع في الكونغرس يكمل صورة الوضع الحالي، ويهيئ للمرحلة المقبلة.

فالمعروف أن من حق عضو الكونغرس أن يؤخر استصدار أي قرار من خلال استخدامه المفرط لحقه في الكلام، فهو يستطيع أن يطلب الكلام ويستمر به لمدة تتجاوز تسعة أشهر يعطل فيها أي حياة سياسية أو تشريعية فيه.

وإذا ما كانت نسبة التصويت على موضوع بعينه لا تتجاوز الـ51% فإن هذه الاستطاعة في الكلام، التي قد تعني أن يقرأ الكتاب المقدس بكامله (أحيانا)، وقد تصل بعضو الكونغرس إلى سنة مما يعطل كل عمل فتبدأ عندئذ المساومات.

الجمهوريون حاولوا قبل نحو أسبوعين استصدار قرار قانون يعطل حق مجلس الشيوخ بهذه الاستطالة فلم يستطيعوا، وذلك على خلفية تعطيل مجلس الشيوخ تعيين مرشح جورج بوش من المحافظين الجدد لرئاسة البنك الدولي.

وأضيف إلى هذا تعطيل مجلس الشيوخ لتعيين خمسة من القضاة البارزين من الجمهوريين بما يعني ضمان المؤسسة القضائية، الأمر الذي اقتضى تسوية تنص على تعيين ثلاثة ورفض اثنين، لكن رفض تعيين مرشح جورج بوش للبنك الدولي بقي مستمرا كرسالة من الديمقراطيين إلا أن استمرارية هذا الواقع لم تعد مقبولة.

اللافت أن سبعة من الحزب الجمهوري انضموا في أول حادثة انشقاق من نوعها، إلى الديمقراطيين في رفضٍ لتعديل القانون الذي يسمح لعضو الكونغرس بتعطيل العمل في الكونغرس، فيما حاول بعض أعضاء الحزب الجمهوري رفع نسبة التعطيل من 51% إلى نسبة الثلثين، ما يعني بلغة العمل السياسي أن الحزب الجمهوري بات عمليا يتصدع نتيجة سيطرة المحافظين الجدد على آلية الفعل في أكثر من مكان في الإدارة الحالية.

المعركة التي لها شأن قد يصبح لاحقا شأنا دوليا، تجري حاليا حول اعتماد قانون يعتبر أن استخدام الأسلحة النووية الصغيرة والتكتيكية هو أمر لا يخضع لقانون حظره وخطر استعماله إلا بموافقة الكونغرس، أي ضم تلك الأسلحة إلى الأسلحة التقليدية على اعتبار أن استخدامها لا يعني استخداما لسلاح نووي فتاك بالبشر. وأنها تستخدم لتدمير المخازن والمنشآت تحت الأرض، إلا أن هذه المحاولة بُدئ حاليا بتعطيلها بصورة لافتة في الكونغرس عبر (القرارات الطويلة).

والهدف من هذه المحاولة لاستصدار قرار من هذا النوع هو حجب الفيتو المتوقع على أي عمل عسكري نووي على إيران أو كوريا الشمالية استكمالا للحرب الاستباقية التي رسمها المحافظون الجدد وتبناها تيار التمامية المسيحية ممثلا بجورج بوش وكوندوليزا رايس.

والمطلوب هنا هو توجيه ضربة فورية للمواقع النووية تتيح تدمير المنشآت التي أنشئت تحت الأرض، عبر أسلحة جديدة معدة لتدمير التحصينات تحت الأرضية، حتى وإن كانت عميقة جدا، مع الحد في الوقت نفسه من الأضرار الجانبية وبالتالي الانتهاء من الملفين الإيراني والكوري دون الحاجة للعودة إلى الكونغرس لأخذ موافقته على حرب ثالثة ورابعة، ووضع العالم أمام حقيقة منتهية.

فقد دعت قيادة الولايات المتحدة الإستراتيجية التي تتولى مسؤولية القوات النووية الأميركية إلى اجتماع خاص في إحدى القواعد العسكرية في نبراسكا، من أجل وضع مشاريع للتزود بجيل جديد من الأسلحة النووية.

"
بإمكان واشنطن أن تردع أعداءها بشكل أفضل إذا ما تضاءل الفرق بين الأسلحة النووية والتقليدية، ووضع إستراتيجية جديدة تسمح بالجمع بين الهجمات التقليدية والنووية لغايات استباقية أو انتقامية
"
وشارك في هذا الاجتماع ما يزيد على 150 اختصاصيا من أعلى المستويات، بينهم أعضاء من إدارة المسؤولين عن ثلاثة مختبرات نووية أميركية رئيسية وهي "لوس آلاموس وسانديا ولورنس ليفرمور"، وبعض كبار الضباط من القوات الجوية ومن القيادة الإستراتيجية، وِصناعيون وخبراء في الشؤون الدفاعية.

الهدف من هذا التبادل للأفكار المنتقى بكل عناية كان البحث في تنويع سلسلة الخيارات النووية الموضوعة في تصرف المخططين الأميركيين من أجل امتلاك أسلحة بالغة الدقة إنما بقوة بسيطة جدا تكون قادرة على اختراق الأرض عميقا لتدمير الملاجئ والتحصينات.

فالبنتاغون لم يعد يكتفي بإحصاء الصواريخ والقاذفات في ترسانات الدول التي قد تضرب أمن الولايات المتحدة، بل وصل به الأمر إلى حد وضع لائحة بسبعين دولة تمتلك ما يزيد على 1400 مركز تحكم لإطلاق الصواريخ أو منشآت تحت أرضية لأسلحة الدمار الشامل.

كما أنه خلال الحرب الباردة كان الخطر يتأتى من الأسلحة النووية السوفياتية، أما الآن فإن التحصينات تحت الأرضية لدى من يسمّونهم "الديكتاتوريين" هي التي على ما يبدو يرتعد لها مسؤولو الشؤون الدفاعية في الولايات المتحدة.

وهذا هو سر العمل في الكونغرس لاستصدار قرار يسمح باستخدام أسلحة نووية تكتيكية وكأنها أسلحة تقليدية، حيث أشار مسؤولون في مجال التسليح الأميركي إلى أنه يتوجب على واشنطن أن تعتمد إستراتيجية نووية تواجه بها مباشرة الأخطار المستجدة وأنه سيكون بإمكان الولايات المتحدة أن تردع بشكل أفضل أعداءها إذا ما تضاءل الفرق بين الأسلحة النووية والأسلحة التقليدية، ووضع إستراتيجية جديدة تسمح بالجمع بين الهجمات التقليدية والنووية لغايات استباقية أو انتقامية.

إن مخاطر السياسة الجديدة التي تتبعها الولايات المتحدة تتجلى في اعتمادها سياسة لحظر نشر الأسلحة ليس عن طريق المعاهدات بل بالهجوم، فهي تتنكر جذرياً لفرضية الردع الكلاسيكية كي تنحو في اتجاه مخطط استخدام الأسلحة النووية وضرب النظام الذي ينتج أسلحة محظورة وتعطي الأولوية لنشر الأسلحة النووية.

"
في حال اعتماد استخدام الأسلحة النووية الصغيرة في الحروب القادمة ضد إيران وكوريا ستكون الولايات المتحدة في مواجهة واضحة مع الأمم المتحدة
"

ولكن يبقى السؤال قائما عما إذا كان المشروع سيتعرض هذه المرة لتسوية في الكونغرس، وهو ما يجيب عنه انشقاق الأعضاء السبعة من الحزب الجمهوري.

وهذا يعني أن تصدعا قد ظهر على السطح في المعادلة السياسية حول الحروب الاستباقية في الحزب نفسه، وأن المخاوف من سيطرة المحافظين الجدد على المعادلة الداخلية والدولية بدأت تتعاظم، دون أن نقول إنها وصلت إلى حد التخلص منهم، لأن الأكثرية لا تزال معهم حتى الآن في ذلك الحزب.

وسينجلي الأمر بصورة أكثر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المحافظين الجدد يحتقرون الأمم المتحدة، ويرونها أداة لتعطيل الإجراءات الدراماتيكية بحق (التدخل الإنساني) عبر مادة السيادة فيها واعتمادها "الدبلوماسية" بديلا من الحرب الاستباقية.

وفي حال اعتماد استخدام الأسلحة النووية الصغيرة في الحروب القادمة ضد إيران وكوريا ستكون الولايات المتحدة في مواجهة واضحة مع الأمم المتحدة التي تعتبر أن تدمير المنشآت النووية لدولة هو بمثابة اعتداء نووي على تلك الدولة، وفقا لما تم اعتماده أساسا في القانون الدولي، وهذا ما سيعني أن الصراع في الكونغرس سيكون له مرتسمه الفعلي في العالم.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة