الإسلام السياسي في كردستان بين الديني والقومي   
الثلاثاء 1435/7/22 هـ - الموافق 20/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:33 (مكة المكرمة)، 13:33 (غرينتش)
خورشيد دلي


البدايات والتجربة والخريطة
القومي والديني
آفاق التجربة

لا يمكن النظر إلى تاريخ الحركة الكردية في أجزاء كردستان دون الدور التاريخي الذي قام به رجال الدين سواء في كردستان العراق، أو في كردستان تركيا.

ومن هؤلاء الشيخ محمود الحفيد من كردستان العراق الذي نفته بريطانيا (كانت تحتل العراق وقتها) إلى الهند بعد إعلانه مملكة كردستان، والشيخ سعيد في كردستان تركيا الذي قاد ثورة إسلامية ببعد قومي ضد إلغاء مصطفى كمال (أتاتورك) الخلافة الإسلامية عقب إعلانه الجمهورية التركية عام 1923.

ومع ذلك فإن الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي في كردستان يُعد حديث النشأة، وتجربته تحمل أسئلة جدلية عن كيفية التوفيق بين البعدين الديني والقومي في المعركة السياسية الجارية في إقليم كردستان.

البدايات والتجربة والخريطة
مع أن جذور الحركات الإسلامية في كردستان العراق تعود إلى مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، وظهرت كامتداد طبيعي لحركة الإخوان المسلمين في مصر، متأثرة بأفكار حسن البنا، فإن هذه الحركة لم تتجسد في تنظيم سياسي إلا في نهاية السبعينيات مع الشيخ عثمان عبد العزيز الذي أسس الحركة الإسلامية في كردستان عام 1978.

الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي في كردستان يُعد حديث النشأة، وتحمل تجربته أسئلة جدلية عن كيفية التوفيق بين البعدين الديني والقومي في المعركة السياسية الجارية في إقليم كردستان

بيد أن انتشار حركات الإسلام السياسي في إقليم كردستان برز بشكل أساسي في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، متأثرا بحدثين أساسيين:

الأول: قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 التي كانت لها الدور الأكبر في بروز حركات إسلامية جديدة أو ولادة حركات جديدة أنشقت عن الحركة الإسلامية، قبل أن تتحول الأخيرة إلى الاتحاد الإسلامي الكردستاني. والثاني: الانفصال العملي لإقليم كردستان العراق عن المركز عام 1991 وولادة تجربة الإقليم في ظل مناخ سياسي برز فيه دور حركة طالبان وغيرها من الحركات التي كانت لها تأثير في ولادة حركات إسلامية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بينها كردستان.

وقد اتسمت الحركات الأخيرة بالجهادية والقتال وممارسة العنف وسيطرة الهاجس الأمني، فكان تنظيم عصبة الأنصار بزعامة الملا كريكار وأنصار الله وحزب الله بزعامة أدهم البارزاني، وغيرها من الحركات الإسلامية المتشددة التي اتخذت من المناطق الحدودية مع إيران، ولاسيما حلبجة ورانية وقلعة دزه معاقل لها، ودخلت في صدام دموي مع الأحزاب الأساسية في كردستان ولاسيما الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني عام 1993، ثم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني.

وقد لجأت هذه الأحزاب إلى تصوير الحركات الإسلامية التي انتهجت العنف وإقامة إمارات إسلامية في المناطق الحدودية والجبلية النائية كحركات إرهابية على صلة بتنظيم القاعدة وحركة طالبان، حتى أن الولايات المتحدة قصفت مواقعها وقتلت العشرات من أنصارها، بل إن زعيم تنظيم عصبة الأنصار الملا كريكار يحاكم منذ سنوات في النرويج بوصفه إرهابيا على صلة بتنظيم القاعدة حيث يعيش تحت الإقامة الجبرية.

وقد ظهرت هذه التجربة الصدامية من قبل الحركات الإسلامية التي نادت بإقامة دولة إسلامية كتجربة بلا أفق سياسي في كردستان، ولعل هذا ما دفع بهذه الحركات إلى مراجعة تجربتها، ومحاولة المواءمة بين بعدها العقيدي والأيديولوجي والسعي إلى إقامة دولة إسلامية، وبين الممارسة السياسية التي تقوم على خوض الانتخابات والمشاركة في الحياة السياسية والعامة من منظور حزبي يعتمد الواقع الاجتماعي والسياسي لتجربة إقليم كردستان في الإدارة والحكم، وهي تجربة وضعته على مقربة من الاستقلال وإقامة الدولة.

في الإجمال يمكن القول إن خريطة الحركة الإسلامية في كردستان تتشكل من مجموعة من الأحزاب والقوى التي تبحث عن موقع ثابت لها في الخريطة السياسية الحزبية التي تتنافس بقوة على المشهد السياسي، ولعل من أهم هذه الأحزاب والتيارات:

1- تيار الجماعة الإسلامية في كردستان العراق بزعامة الملا علي بابير، وهو انشق عن الحركة الإسلامية بعد تفاقم الخلافات بينه وبين مرشد الحركة الإسلامية الملا علي عبد العزيز الذي تسلم الحركة بعد وفاة شقيقه عثمان عبد العزيز، وقد انتشرت الجماعة بشكل أساسي في الريف الجبلي، وتتميز بوجود العديد من التيارات السياسية بداخلها، وعلى الرغم من اعتمادها مفهوم الجهاد والشورى إلا أنها انخرطت بقوة في العملية السياسية والانتخابية في السنوات الأخيرة.

يُعد الاتحاد الإسلامي بمثابة الفرع الكردي للإخوان المسلمين في العراق، وقد تأسس عام 1994، ويعتبر عمليا التنظيم الرابع في كردستان بعد الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير

2- الاتحاد الإسلامي الذي يشغل أمينه العام حاليا محمد فرج خلفا لصلاح الدين بهاء الدين، وهو يعتبر الفرع الكردي للإخوان المسلمين في العراق، وقد تأسس عام 1994، ويُعد عمليا التنظيم الرابع في كردستان بعد الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير، ويعتبر الأكثر شعبية بين الحركات الإسلامية في كردستان العراق.

3- جماعة أنصار الإسلام بزعامة الملا كريكار واسمه الحقيقي نجم الدين فرج، ويكنى (أبو سيد القطب). وتأسست عام 2001 وانتهجت في البدايات العنف واصطدمت مع الأحزاب الكردية ولاسيما الاتحاد الوطني الكردستاني.

4- إلى جانب هذه التنظيمات الأساسية ثمة مجموعة من التنظيمات الصغيرة التي تعتمد العنف والسرية في عملها، ولعل أبرزها تنظيم جند الإسلام والوحيد وحماس الإسلامي في كردستان، وغالبا ما تكفر هذه التنظيمات الأحزاب الكردية الكبرى وتتهمها بالإلحاد والعمالة لأميركا، وسجل لبعض عناصرها المشاركة في القتال في سوريا.

القومي والديني
كان لافتا قبل فترة إعلان زعيم الاتحاد الإسلامي الكردستاني محمد فرج أنه يعمل من أجل إقامة الدولة الكردية المستقلة، مطالبا بحل المشكلات بين بغداد وأربيل، وقد جاء هذا الإعلان في سياق سياسي له علاقة بالانتخابات البرلمانية التي جرت والسعي إلى تشكيل حكومة جديدة في كردستان، حيث حققت الحركة الإسلامية نتائج جيدة في هذه الانتخابات (الاتحاد الإسلامي عشرة مقاعد والجماعة الإسلامية ستة مقاعد) وهي نتائج حفزت لمشاركة الحركة الإسلامية في الحياة السياسية العامة في البلاد من خلال أوسع مشاركة في الحكومة.

وقد شكل هذا المسار تطورا نوعيا في مسيرة الحركة الإسلامية، دفع بعدد من المتابعين إلى طرح سؤال مستقبلي عن إمكانية تكرار تجربة حركة حماس في قطاع غزة مع الحركة الإسلامية في كردستان عبر الانتخابات رغم فارق التجربة بين غزة وكردستان لجهة اختلاف الظروف وطبيعة القوى السياسية واختلاف تجربة الحكم.

ومهما يكن، فإنه يمكن النظر إلى إشكالية الجدل القومي والديني لدى الحركة الإسلامية في كردستان من زاويتين. الأولى: التطور الكبير في خطاب الحركة الإسلامية لجهة الانتصار للانتماء القومي والوطني الكرديين بالتوافق مع البعد الديني، ويظهر هذا الأمر أكثر كلما صعد الخلاف بين أربيل وبغداد إلى السطح، وكذلك انسجاما مع صعود التطلع الكردي نحو الاستقلال.

الثانية: له علاقة بتحديد طبيعة الحكم في كردستان، وهنا يبرز تمسك الحركة بالشريعة الإسلامية كأساس للدستور وإمكانية تطبيقها في كردستان، وقد تفجر هذا الأمر جليا خلال مناقشة البرلمان الكردي لدستور إقليم كردستان، حيث أصرت الأحزاب الإسلامية على التمسك بمطلبها السابق في ظل تمسك الأحزاب الأساسية الكبرى بدستور علماني، يحمي الحقوق المدنية فضلا عن حقوق القوى والطوائف الدينية والمذهبية في البلاد.

وعلى الرغم من أن الإسلاميين كانوا يدركون مسبقا أنهم سيخسرون هذه المعركة نظرا لمحدودية وجودهم في البرلمان إلا أنهم خاضوها انطلاقا من البعد العقيدي والأيديولوجي، وهو عمليا ما أدى إلى زيادة الانتباه إلى الحركة الإسلامية ومراقبة نشاطاتها لاحقا، تجلت بشكل أساسي في كيفية جمع الموارد المالية وطرق صرفها ولمن تصرف وكيف؟

في الواقع، بغض النظر عن مدى التداخل بين البعدين الديني والقومي في خطاب الحركة الإسلامية الكردستانية، فإن ثمة محاولة للتوفيق بين البعدين وفقا لمعادلة سياسية كرستها تجربة إقليم كردستان في الحكم، وهي تجربة تقوم على استيعاب الحركة الإسلامية وفقا لخطاب معتدل يتيح للإقليم تطوره وتحقيق تطلعاته الكبرى.

آفاق التجربة
في الواقع، لا يمكن النظر إلى تجربة الحركة الإسلامية في كردستان وخصوصيتها بعيدا عن تجربة الإقليم في الحكم والإدارة والأهداف، فكل طرف (الحركة الإسلامية والسلطة) يبدو وكأنه بحاجة للآخر، أو يكمله في إطار التجربة الفتية للإقليم التي حققت نجاحات لافتة في الكثير من المجالات، ولعل سر مثل هذا النجاح النسبي يعود إلى مجموعة من العوامل والأسباب والتطلعات يمكن وضعها ضمن الإطار التالي:

لا يمكن النظر إلى تجربة وخصوصية الحركة الإسلامية في كردستان بعيدا عن تجربة الإقليم في الحكم والإدارة والأهداف، فكل طرف يبدو وكأنه بحاجة في إطار التجربة الفتية

1- الحرص المشترك على المشاركة في بناء تجربة سياسية لإدارة الإقليم وحكمه، حيث يبدي كل طرف التزامه بقواعد اللعبة الديمقراطية وعدم الصدام انطلاقا من الخلاف الأيديولوجي.

2- الإحساس المشترك لكل الأطراف بالبعد القومي وما يهدد هذا البعد، انطلاقا من ما تعرض له الأكراد تاريخيا ولاسيما في عهد نظام صدام حسين، وفي المرحلة الحالية التوتر الدائم في العلاقة بين أربيل وحكومة نوري المالكي.

3- عدم وجود تجربة صدام أو عداء تاريخي بين القوى الإسلامية والقوى العلمانية في إقليم كردستان.

4- المناخ الديمقراطي الذي يؤمن الحياة الحزبية والسياسية والإعلامية، ويجعل من الانتخابات المدخل الأساسي للحكم والسلطة والشراكة السياسية، بما يتيح كل ذلك التعايش الاجتماعي والابتعاد عن التطرف والصدام والسعي إلى المشاركة في الحياة العامة.

دون شك، وجود هذه العوامل الإيجابية لا يعني عدم وجود خلافات كبيرة أو هواجس متبادلة، نظرا للخلاف الكبير على مستوى الأيديولوجيا والنهج والتفكير ومفهوم رؤية طبيعة الحكم والدولة.

ولعل ما يحد من تفجر هذا الخلاف هو خصوصية تجربة إقليم كردستان وما يتعرض له الإقليم من تحديات في علاقته ببغداد وتطلعه إلى الاستقلال على وقع الثورات والاحتجاجات الجارية في المنطقة، وفي جميع الأحوال فإن الجدل بشأن تقديم أولوية القومي على الديني أو العكس لم يخرج عن إطار الجدل بشأن خيارات إقليم كردستان المستقبلية والتحديات التي يواجهها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة