تحولات سياسية واقتصادية كبرى قائمة على المعلوماتية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ إبراهيم غرايبة

من الهرمية إلى الشبكية
اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها
الثروة الإلكترونية

شهدت البشرية في العقود الأخيرة تحولا كبيرا وعميقا في مسارها لا يقل في تأثيره ونتائجه عن مرحلتي الزراعة ثم الصناعة، وهو ما اصطلح على تسميته بالمعلوماتية والمعرفة، والتي جعلت المعرفة أساس الموارد والقوة والتقدم، كما كانت الزراعة في مرحلة من مراحل تاريخ البشرية وكما كانت الصناعة في المرحلة اللاحقة, فعلى سبيل المثال كان معظم القوى العاملة يقع في مجال الزراعة، ثم بدأت يتركز في مجال الصناعة، ولكن في العقود الأخيرة يتركز في المعلوماتية والمعرفة، وكما كانت المجتمعات والدول والاقتصادات توصف بأنها زراعية ثم صناعية، فإنها اليوم توصف بمجتمعات واقتصادات المعرفة.

وهي مرحلة اقتصادية واجتماعية في تاريخ البشرية تجعل المعرفة موردا تسعى المجتمعات والدول لاكتسابه، وتقتضي بالضرورة إعادة صياغة المجتمعات والسياسات للتكيف مع هذه المرحلة، فكما غيرت الزراعة في المجتمعات والدول والحضارات بانتقال البشرية من الصيد والرعي، وكما غيرت الصناعة في موازين القوى والعلاقات الدولية الإستراتيجية والاقتصادية فإن المعرفة تغير معظم إن لم يكن جميع المنظومات الاقتصادية والتنموية والسياسية والإستراتيجية.

فدور الدول والحكومات يتعرض لتغيير كبير، وكذلك الأنظمة الاقتصادية والتشريعات، وقواعد تنظيم الحياة العامة والعلاقات الاقتصادية بين الدول، ويقترب العالم من مرحلة من التداخل والاعتماد المتبادل، والمشاركة في كثير من أدوات المعرفة والاتصال التي جعلت كثيرا من أدوات المعرفة والسيادة والإدارة معرضا للزوال أو التغير.

من الهرمية إلى الشبكية

تفرض المعلوماتية والشبكية منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة يجب أن تؤخذ بالاعتبار، فالتقنية لم تعد تطبيقا مجردا لاكتشاف علمي ولكنها متوالية اجتماعية ثقافية
جعلت تقنية المعلومات والاتصالات الحياة شبكية وقوضت الهرم الذي ظل رمزاً وفلسفة ومنهاجاً، فقد كانت الحكومات والنخب والإدارات العليا في الشركات والمؤسسات تملك هذه المعلومات وتتحكم تماماً في طريقة بثها وتدفقها، وتحدد من تصل إليه المعلومة. وكانت جهة واحدة هي التي تتلقى جميع المعلومات ثم تقرر مصيرها.

ولكن المعلومات تصل اليوم عبر الإنترنت والأقمار الصناعية إلى أي شخص مهما كان موقعه الهرمي في المجتمع والدولة، وتقبع أجهزة استقبال المحطات الفضائية ومواقع الإنترنت في مكاتب رؤساء الحكومات وقادتها كما هي تماماً عند الصحفي في بيته أو ربة المنزل.

ولم تعد الرقابة على المطبوعات والمواد الإعلامية مؤثرة أو فعالة، وتحول هذا المورد الخطير المهم (المعلومات) من مجوهرات خاصة جداً في خزائن النخب إلى مادة شعبية وربما أكثر من ذلك كالماء مثلاً أو الهواء، وهكذا فقدت الحكومات والنخب جزءاً كبيراً من أهميتها ونفوذها لصالح العامة والمجتمعات، وكانت هذه أهم ضربة في الهرم جعلته ينبعج ويتفلطح، فلا يعرف له رأسا أو مركزا.

المعلوماتية والشبكية تفرض منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة يجب أن تؤخذ بالاعتبار، فالتقنية لم تعد تطبيقا مجردا لاكتشاف علمي، ولكنها متوالية اجتماعية ثقافية، وتقتضي أيضا مضامين وسياسات تعليمية جديدة.

والشبكية نفسها تتحول إلى فلسفة في الحياة والإدارة والتعليم والسياسة والثقافة بديلة للهرمية القائمة أو التي كانت قائمة، فالناس في تعاملهم الشامل مع الشبكات للتعليم والتواصل والاتصال والعمل والتشاور والحصول على المعلومات والمعارف وتبادل الآراء والخبرات والمعارف وتحويل وتلقي المال والخدمات والسلع، يستبدلون بنظامهم الهرمي التاريخي في الحياة نظاما شبكيا قائما على المساواة والمشاركة المتحققة فنيا.

ومن الواضح أن دور الحكومات والدول يتغير، فالحكومات تنسحب من كثير من المواقع التي سيطرت عليها، وتتخلى عن أدوار كثيرة كانت تقوم بها كالتعليم والصحة وتنظيم الاقتصاد وتوجيهه والأسعار والثقافة، وقد تنحصر مهمة الحكومات في الدفاع والأمن والتنسيق والمراقبة، ولكن بديل الحكومات ليس واضحاً بعد ولا محدداً، لقد كان يظن أنه الشركات والقطاع الخاص، وذلك يصلح في المجالات التي يمكن أن تكون استثماراً ومصدراً للربح، فإذا لم تكن كذلك فلن تقدم عليها الشركات والاستثمارات، فهل يعني ذلك تبخر كثير من الأعمال والبرامج والمشروعات غير الربحية كالثقافة مثلاً أو الرياضة في بعض المناطق؟‍‍‍‍‍ وهل يعني أيضاً حرمان الناس الذين لا يستطيعون أن يتعاملوا مع الخدمات كاستثمار، كالتعليم والصحة والاتصالات..إلخ

ولكن هذا السيناريو ليس هو الوحيد، فالمجتمعات والدول تعيد تنظيم نفسها على نحو (شبكي) قد لا يكون للشركات والاستثمارات فيه دور حاسم أو رئيس، فتنمو اليوم مؤسسات جديدة قد تتبلور في المستقبل على نحو أكثر فاعلية، هذه المؤسسات من النقابات والاتحادات والتعاونيات والجمعيات التي تنتظم معظم الناس يمكن أن تطور من أدائها لتحقق للناس معظم احتياجاتهم بمعزل عن الحكومات والشركات الاستثمارية، إنها صيغة شبكية تتفق مع المرحلة والتغييرات الجارية، وفرصة نجاحها مستمدة من كونها شبكية، بمعنى مشاركة جميع الناس في تمويلها والتخطيط لها.

اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها

الإعلام الجديد ليس بثاً أحادياً وتلقياً إجبارياً ولكنه تفاعل يختار فيه الناس احتياجاتهم ويشاركون هم في الوقت ذاته في الرأي والبث وتستطيع بموجبه وسائل الإعلام أن تقدم لكل شخص ما يريد
يُعد بيل غيتس أشهر وأهم وأغنى رجل في العالم، فهو رائد صناعة المعلوماتية التي تتنامى وتتعملق إلى درجة يصعب وصفها واستيعابها، ولا يعرف معظم الناس عالم الفيزياء برنرلي الذي ابتكر نظام الشبكة العنقودية العالمية (الإنترنت أو WWW- World Wide Web).

تفوق ثروة بيل غيتس الناتج القومي للعديد من الدول النامية، وهي تنمو نموا خرافيا، وتُعد الشركة التي يرأسها "ميكروسوفت" أكبر شركة في العالم إذ تجاوزت القيمة السوقية لأسهمها خمسمائة بليون دولار.

لقد تجاوز حجم صناعة المعلومات صناعة ثلاثة تريليونات دولار سنوياً وهي تشكل 50 - 60% من الناتج القومي للدول الصناعية في الوقت الحالي، ويُقدر حجم التجارة الإلكترونية "عبر شبكة الإنترنت" بتريليون دولار، ولكن هذه التجارة تتحول إلى حمى تجتاح العالم بحيث يتوقع خلال سنوات قليلة أن يتحول الإعلان والتسويق والتوزيع إلى الإنترنت. وقد تصبح التجارة الإلكترونية أمراً حتمياً.

يرتبط نمط المعيشة اليومي إلى درجة كبيرة بالكهرباء، فالأجهزة المنزلية كالراديو والتلفزيون والثلاجة والغسالة والمكنسة والهاتف هي محصلة مباشرة لاستخدام الكهرباء، فما هو نمط المعيشة المتوقع حدوثه حين يرتبط بشبكة الإنترنت؟

ستتغير طبيعة البيوت وتصاميمها لأنها يمكن أن تكون مقر العمل أيضاً، فالعمل في المنازل يتزايد، وقد يتحول إلى أصل، وتتقلص كثيراً مساحات المكاتب والمباني التجارية، وتتغير عادات واتجاهات النقل والسير وتصاميم الشوارع والطرق وأماكن السكنى والإقامة.. ستتلاشى المدن العملاقة وتزدهر الضواحي والقرى، وتقل الحاجة لوسائط النقل والطرق الواسعة، وتعود البيوت المنكفئة الواسعة، وتصبح العائلات كلها تعمل معاً وتنتج معاً "المشروعات العائلية والمنزلية".

وبطبيعة الحال فإن العلاقات الاجتماعية والعائلية ستأخذ طابعاً جديداً أقرب إلى الصورة التقليدية المتماسكة التي قضت عليها الحضارة الصناعية. وكأننا نعود إلى المجتمع الزراعي الممتد في الريف مع تقنية بالغة التقدم!

وثمة تحول كبير من الطباعة الورقية إلى الطباعة الإلكترونية يحمل أبعاداً جديدة تفوق بكثير التحول الذي حصل من الكتابة المخطوطة إلى الكتابة المطبوعة، فالأمر لا يقف فقط عند تخفيض التكاليف، ووقف النزف البيئي الناتج عن صناعة الورق من الأشجار، ولكن الإعلام الإلكتروني يقدم آفاقاً جديدة تعيد النظر في المفاهيم والأسس التي استقر عليها العمل الإعلامي طوال أكثر من 400 سنة.

فصحافة الإنترنت ليست مجرد استبدال للصحافة الورقية إلى صحافة إلكترونية وليست فقط تخطياً للزمن والجغرافيا والرقابة، ولكن الصحيفة الإلكترونية يمكن أن تقدم النص والصوت والصورة الثابتة والمتحركة والربط والاستدعاء بين المعلومات والبيانات ووسائل الإعلام، لتكون وسيلة إعلام جديدة تمزج بين الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وهي في الوقت نفسه شيء مختلف عنها.

هذا الإعلام الجديد ليس بثاً أحادياً وتلقياً إجبارياً ولكنه تفاعل يختار فيه الناس احتياجاتهم ويشاركون هم في الوقت ذاته في الرأي والبث، وتستطيع بموجبه وسائل الإعلام أن تقدم لكل شخص ما يريد وتستمع لكل شخص أيضاً، ويمكن إتاحة مساحات لأي شخص أيضاً لينشر، إنه إعلام أشبه بمجلس أو ندوة يشارك فيها عشرة أشخاص على قدم المساواة، وهنا تزيد أهمية الفردية والخصوصية.

فالإعلام مجبر على أن يرضي كل شخص بمفرده، وتتراجع النمطية في الإعلام والخطاب، وتزداد أيضاً أهمية ثقافة المجموعات القليلة وفكرها، وتجد الفرصة للتعبير عن نفسها وإمكانية التفاعل مع الثقافات الأخرى، أي أن الإعلام سيكون تعددياً بلا حدود حتى يستطيع البقاء والاستمرار.

ويؤدي هذا الإعلام المتعدد الوسائط دوراً جديداً غير القراءة والخدمة والتثقيف والتسلية، ولكنه أيضاً وسيلة تعليم وتدريب قد يكون بديلاً أو منافساً قوياً للمدارس والجامعات ومراكز التدريب التي يجب أن تعيد النظر في دورها ووجودها، حيث يمكن الحصول على معظم ما تقدمه بتكاليف لا تقارن في انخفاضها بتكاليف هذه المؤسسات.

وباختصار فإن الإعلام القادم هو مؤسسات جديدة تختلف كثيراً عما عهدناه في وسائل الإعلام التقليدية، إنه ليس إعلام صحفيين وكتاب وقراء، ولكنه مجتمع متفاعل يتبادل فيه الأعضاء خدماتهم ويحصلون على احتياجاتهم الأساسية ويمارسون أعمالهم اليومية، وإذا لم تفكر الصحف ووسائل الإعلام في الآفاق والتحديات الجديدة فإنها ستواجه الإعراض والعزوف والخسائر وربما الانقراض والتبخر.


تغيرت المقاييس والمفاهيم فبعد أن منحت الثقة للذهب والفضة ثم الورق توصل العالم اليوم إلى الاقتناع بأن الإشارات الإلكترونية المتناهية الصغر والزائلة يمكن مقايضتها مقابل سلع أو خدمات
الثروة الإلكترونية
بدأت الثروة تأخذ مفهوماً رمزياً جديداً مختلفاً عما استقرت عليه طوال القرون الماضية، فقد كانت في السابق عنصراً بسيطاً هو الأرض بموادها الظاهرة "الزراعة" ثم تحولت مع الثورة الصناعية إلى أوراق "نقود أو سندات أسهم" تعبر عن ممتلكات الإنسان.

وبتنامي قطاع المعلومات لم تعد الثروة تعبر عن موجودات صلبة ملموسة (أراض أو مصانع) فلا أحد يشتري سهم "مايكروسوفت" أو "آي بي إم" بسبب الأصول المادية للشركة ولكن ثروة هذه الشركات مستمدة من إمكانات معرفية في جماجم القائمين عليها، فالمساهم لا يشتري أصولاً واضحة، ولكنه يشتري القدرة التنظيمية والتسويقية والفكرية لهذه الشركات, ومن ثم فإن رأس المال اليوم يكاد يكون شيئاً رمزياً وربما وهمياً.

وحتى الأوراق التي كانت تعبر عن الممتلكات والأصول لم تعد تستخدم، وحل محلها "نقود إلكترونية" فبطاقات الائتمان المحوسبة يجري بموجبها تدفقات مالية عبر الإنترنت وشبكات المعلومات والاتصال تزيد على ثلاثة تريليونات يومياً، بل إن الوصف الدقيق لرأس المال اليوم هو ما بعد الرمزي وليس رمزياً، فالأوراق النقدية اليوم مهددة بالبطلان، وامتنعت بالفعل مؤسسات كثيرة جداً عن التعامل معها.

هذه البطاقات خفضت كثيراً من سلطات الدول ومزايا البنوك التي لم تعد قادرة على التمتع بالأموال المتأتية من خلال تحصيل الشبكات ومقاصاتها، وبدأت البنوك بدلاً من ذلك تستثمر أموالها في البطاقات وصارت تنافس الشركات المصدرة لهذه البطاقات.

البنوك المركزية أيضاً تضعف سيطرتها بسبب هذه النقود البلاستيكية التي تصدرها شركات مستقلة عنها، دون التزام بالضوابط والأنظمة التي تضعها عادة البنوك المركزية، وقد تؤدي إلى رفع معدل التضخم وتغير السياسات النقدية دون إرادة حكومية مركزية.

وباختصار فإن رأس المال بمعنى الثروة التي يتم تشغيلها بهدف زيادة الإنتاج يتبدل بشكل مواز للنقود ويتخذ كلاهما أشكالاً جديدة.
والنقود تتحول إلى نبضات إلكترونية متغايرة تنتقل وتتحول لحظياً ويتم متابعة تدفقاتها على شاشة تلفزيونية.. إنها ليست سوى معلومات وكذلك رأس المال، وهكذا تحول رأس المال تدريجياً من شكل واقعي قابل للمس إلى شكل رمزي، وحالياً إلى شكل بعد الرمزي.

وبالطبع فقد صاحب هذا التحول تغير آخر في القياس والمفاهيم، فبعد أن منحت الثقة للذهب والفضة ثم الورق، توصل العالم اليوم إلى الاقتناع بأن الإشارات الإلكترونية المتناهية الصغر والزائلة يمكن مقايضتها مقابل سلع أو خدمات.

إن ثروتنا بعد الرمزية هذه تعتمد عليها السلطة والموارد والعلاقات وقد تتحول هي الأخرى إلى ما بعد الرمزية.
ــــــــــــــــــ
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة