السلفية السنية.. مدارس ومسارات   
الأربعاء 1435/12/22 هـ - الموافق 15/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)
مهنا الحبيل

في الهجوم المهول على العالم السُّني اليوم كما ونوعا تضطرب مجددا قراءات ووعي الرأي العام الإسلامي المحاصر من داخل جغرافيته وعبر التحالف الإيراني الأميركي الشرس وصعود تقاطعاته في المشرق، إضافة إلى استدراج واشنطن عددا من الحُلفاء للالتزام بتحديدات هجومها وتسخير حركة الإعلام الغربي وما يدور في فلكه عربيا مساحات هجوم وتكثيف مصطلحات مناهضة لأهل السُّنة تحديدا.

ومع انتساب جماعات الغلو الوحشي إلى مصطلح السلفية، فقد تعزز هذا الخلط وامتد ليعزف على وتره كل جاهل أو عالم يحمل هدفا سياسيا أو أيديولوجيا أو أمنيا ضد العالم الإسلامي وقاعدة الأمة فيه، وهم بطبيعة التاريخ وحمل الرسالة أهل السُّنة.

ولن يتيسر للقارئ الكريم فهم هذه القضية والتسلسل المعرفي ما لم يعد إلى ما كتبناه تحت عنوان "إلى منهج أهل السنة من جديد"، ليتبين له تحديد معالم مسارات الفقه والفكر في تاريخ التشريع الإسلامي للمسلمين.

بانتساب جماعات الغلو الوحشي إلى مصطلح السلفية، فقد تعزز الخلط وامتد ليعزف على وتره كل جاهل أو عالم يحمل هدفا سياسيا أو أيديولوجيا أو أمنيا ضد العالم الإسلامي وقاعدة الأمة فيه

إن السلفية في العالم السُّني ومدارسه تنزع إلى ثلاثة مسارات رئيسية:
الأول هو تمييز الصدر الأول من قرون المسلمين بالخيرية كونهم أقرب زمانيا إلى الوحي وتطبيقاته العملية في حياة الصحابة وتابعيهم، وتحقيقهم صيانة النص من العبث والخرافة، وهي إحدى دلالات تميز ورعاية الوحي (الكتاب والسنة) في رسالة الإسلام.

وهذه السلفية وتعظيم تقدمها ومكانتها هي قاعدة مجمع عليها عند كل مدارس أهل السنة الكبرى وتابعيهم، وقد حددها الإمام السفاريني الحنبلي وغيره وتوافق عليها جموع المتقدمين كونها تتبع ذات الأصول في استدلالات العقائد والفقه وفي مقومات الجسم المركزي للأمة في مداولات التاريخ والحضارة والفكر، وهم الأشاعرة والماتوريدية وأهل الأثر، في حين تمثل مدرسة الفقه المذهبي الذي يتصدره الأربعة، ويضم معه مدارس أخرى كداوود الظاهري وغيره من منهجية التعدد الفقهي الثري.

والمقصود توحد فكرهم تجاه النص ودلالات الفروع في مدرسة أهل السُّنة، فارتبط التوافق بينهم بهذا المصطلح، وليس المقصود جزرا معزولة أو قبائل تفرز في تاريخ المسلمين، فهؤلاء ومن تبعهم كلهم على موقف واحد من الصدر السلفي للأمة.

أما المسار الثاني فيمثل نزعة المحافظة على دلالات ظاهر النص في السلوك واللباس والديانة التعبدية وعدم الانفتاح إلا بحذر شديد وتردد في المباحات تورعا، أو تأثما، وهذه الصفات تنتشر في كل مذاهب أهل السُّنة سواء في ذلك من نُعت بالسلفية أو المذهبية السنية أو الصوفية، فللناس نُسك وسلوك تعبدي لا يزال قائما حتى اليوم وليس محصورا بمن يُنعت بالسلفية أو لا ينعت من حيث التمسك بفهمه لظواهر الدليل والنصوص وتحفظه على بعض المباحات أو المكروهات وعدم تداوله فقه المقاصد أو الأولويات.

وهذه الشريحة واسعة في كل بلد ومنحى ولا يترتب على مظهرها وسلوكها شرط الإيمان بالعنف أو بأقوال داعش المدنية أو داعش العسكرية (تنظيم الدولة الإسلامية) أو مجمل عقائد السلفية الطائفية، بل هي تتمسك بإطار تراه سلوكيا وتعبديا، ولا تؤمن بقهر السُّني أو المخالف، ولا يجوز أن يَفرِض أي نظام دستوري إسلامي ولا مدني برنامجا يتعقب هؤلاء الناس ولا صناعة خطاب إعلامي في أي دولة أو وطن يدمغ هؤلاء بالصورة النمطية للتشدد وسوء السلوك، الذي قد يتقدم بعضهم فيه خيرا ممن يدعي الانفتاح والتنوير. وقلوب العباد مردها إلى الله.

أما المسار الثالث فهو التيار أو الفقه السلفي، وهل هناك في تاريخ التشريع الإسلامي تيار سلفي مستقل، وهل أدت الاستقلالية في كل مراحل نشوء هذا التيار إلى إعلان انفصاله واعتباره مدارس أهل السنة مدارس كافرة أو ضالة واعتبار مواجهتها مدنيا أو عزلها قسريا أو عسكريا بذاته أو مع قوى دولية، عملا مشروعا لأنه يعتني بإقامة العقيدة الصحيحة -في منظوره- التي ارتد عنها المسلمون.

ليست مواقف هذا التيار متعلقة فقط ببعض مظاهر الأخطاء والانحرافات كما يجري عند القبور فقط، بل تبتدئ مواقفه من هذه المدارس فتُقرر ضلالها، ويصنع لذلك مهمة أزلية وتاريخية يراها هي دين الله ويرى مشروعية التحالف مع أهل الكتاب ضدهم أو من يُمثلهم في العالم الدولي مشروعا ضد المبتدعة والضالين المنتمين لمدارس السُّنة.

حين نعتني بتوضيح مسارات مدرسة أهل السُّنة فهذا لا يعني إلغاء العلاقة مع الطوائف التي تعايشت مع الأمة ومنها ما هو قريب من هذه المدارس، لكن تحرير مسيرة هذه المدرسة يُعين على الفهم أصول وتاريخ التعامل مع بقية المسلمين

وهذا المسار هو الأكثر حساسية اليوم لفهمه في التاريخ العربي والإسلامي المعاصر، ونقول بوضوح إن هذه التشكلات -والجسم المنفصل للسلفية الطائفية الذي أعلن مواجهته للعالم السُّني فقهيا منذ زمن واستمرت تفاعلاته المتطرفة، وله دور كبير في صناعة فكر التوحش والغلو- لم تكن معروفة ولا حاضرة في سجلات التاريخ التشريعي لأهل السُّنة بهذا الصفات والانفصال الطائفي العنيف.

إن اقتران النزعة السلفية أو العودة لسلفية النص ذكر في تعيين مدرسة الإمام أحمد بن حنبل (إحدى كبريات مدارس التمذهب السُّني)، فتنوع أصول المذاهب ضمن الدائرة الكبرى في توافقات التشريع، هي من خصوصيات ثروة الفقه الإسلامي المتجدد، ولذلك كان الحنابلة يرون أنهم الممثلون لمدرسة أهل الأثر من الإمام أحمد ومن قبله، أي الاعتناء بالنص والأخذ بظاهره، وفي ذلك يجنحون للرد والتدليل على مدرسة الرأي للأحناف أو مدرسة الرأي والنص للمالكية أو منهجية أصول الفقه الجديد للإمام الشافعي وهكذا.

وكل هذه المدارس متحدة في أصول الشريعة ومدارات توافقاتها الكبرى، لكنها قدمت للأمة -وحتى في علاقتها مع من تختلف معهم وتتصارع كالمعتزلة- مداولات ونقاشات تعترف بتفكيرهم وتناقشهم وتحيي ثروة الفقه والعقل بين المسلمين.

وإجمالا حين نعتني بتوضيح مسارات مدرسة أهل السُّنة فهذا لا يعني إلغاء العلاقة مع الطوائف التي تعايشت مع الأمة، ومنها ما هو قريب من هذه المدارس، لكن تحرير مسيرة هذه المدرسة الكبرى يُعين على الفهم الدقيق لأصول وتاريخ التعامل مع بقية المسلمين وغيرهم وما طرأ على هذه التشكيلات الفقهية.

ومعلوم أن لبعض الحنابلة مصادمات مع الأشاعرة نُعتوا في الغلو فيه أو نُعت خصومهم به، والحقيقة أن مثل هذه المصادمات جرت في آفاق تعنت وتشدد موجود في التاريخ قد يكون تعزز لدى الحنابلة ولكنه تكرر مع غيرهم، ومن ذلك موقف المالكية من الإمام ابن حزم، ومواقف العامة وبعض الوعاظ وطلبة العلم طوال قرون من المجددين داخل مدرسة التشريع الإسلامي من العلماء المتقدمين.

بمعنى أن هذه سلوكيات تعصب حين تنحرف مسارات الفقه والوعي الشرعي وأخلاقيات طلبة العلم والعلماء عن الذي ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن تجميع هذه المعارك الفقهية لا يعني بالضرورة أن ذلك الزمن كان محبوسا على تلك الصور، بل العكس، ففيه مساحات كبرى من الحوارات واللقاءات وحسن التعامل والمودة لأشد المتصادمين، إنما جمعها غُلاة اليوم ليبرروا حربهم على المدارس السنية وتشريع عزلها وقهر علمائها.

ومع تجديد مدرسة الإمام أحمد انتهت إلى مدرستين كبيرتين: الإمام ابن الجوزي الذي اعتبر مدرسة الاعتدال للحنابلة، والإمام أحمد بن تيمية للمدرسة المحافظة، وقد ظلم في تقديري هذا الإمام الأخير حين حُبس في ظل مسارات الجدل التي أدارها مع مخالفيه أو حين سعى أقوام لتجريد فقهه ومدرسته وتحويلها في مسار معين واقتطاعات وتصنيفات تظهره كرائد للغلو والتشدد، وخاصة حين تنسب آراء الإمام ابن القيم التي قد يخالفها ابن تيمية وهو معروف بروح متشددة وهيمن عليه فكرة الصراع مع خصوم شيخه، فتُنسب هذه الآراء للإمام ابن تيمية، ولا تبرز ثروة آرائه الفكرية والثقافية التي أدار فيها بعمق وفلسفة فهم النص بمدارات العقل وقرر مسائل مهمة للغاية عبر نضجه العميق رغم محنته.

ومع أن هذه المدرسة نعتت بأنها تصنيف للفكرة والنزعة السلفية، فإنها أيضا لم تكن بحال في خندق انفصال كامل عن الحالة السُّنية بل ضمن الحالة السُّنية، وبقيت آراء الإمام ابن القيم وشدته في تضليل خصومه أو تكفير غير المعين ضمن تراجم علماء وشخصيات في طبقات وسير الفقهاء، التي تحوي الآلاف بين معتدل ومتشدد أو محافظ، ومن المهم جدا أن نحرر هذا القول وهو أن الإمام ابن تيمية لم يخلق عقيدة جديدة باسم السلفية الطائفية يُقاتَل عليها أهل السنة، بل ولا يرضى باستباحتهم ولا تكفيرهم.

العالم السُّني اليوم يحتاج حوارات داخلية ونهضة علمية تفصل بين مصالح حروب الأعداء وتحالفاتها وواجب الوحدة لمواجهتها حتى مع الاختلاف، وبين انحرافات وإشكالات خطيرة تولد لدى الشباب فراغا وفوضى وتمردا عن الدين أو تمردا باسم الدين

فما جرى من أصول لفكر داعش المدنية قديما أو حديثا كان نبتا مختلفا عن سياق تاريخ التشريع الإسلامي السني، هذا التاريخ لا يعني خلو رجاله ومدارس الاستنباط فيه من الخطأ أو التخلف، لكنه بالجملة ميراث فقه عظيم لا يزال حتى اليوم يُقدم دروسا ومنهجية لو أحسن استثماره وتدرب طالب العلم في فصوله ومساراته فتعلم الأدب والورع قبل التضليل والتكفير.

إن التيار السلفي أو النزعة السلفية كما قدمناها قبل عهود الانحراف والانفصال عن أهل السُّنة لها حقوقها وحقوق منسوبيها الاعتبارية بالتعبير عن رؤاهم، كما أن مشاركتها في مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر تُحقق توازنا مهما بين مدرسة المقاصد ودلالات ظواهر النص، وهو ما يُنتج ثروة فقهية وفكرية لحياة الإنسان المعاصر، في ذات الوقت الذي تبرز فيه العودة السلفية للمحضن السني الأصيل وتنظيم الخلاف الفقهي وفرزه سواء عن داعش أو عن كل منتجات السلفية الطائفية، كضرورة إسلامية واجتماعية لكل الأوطان.

والعالم السُّني اليوم يحتاج إلى حوارات داخلية ونهضة علمية تفصل بين مصالح حروب الأعداء وتحالفاتها وواجب الوحدة فيها لمواجهتهم ولو بقي الاختلاف، وبين انحرافات وإشكالات خطيرة تجلب لدى الشباب فراغا وفوضى وتمردا عن الدين أو تمردا باسم الدين يضرب في ديار المسلمين ويستدرج الغلو على الأمة ليفتك بمحاولات نهوضها بكوارث لا يعلم مداها إلا الله.

إن من أهم ما يحتاجه الشرق اليوم الحوار السُّني-السُّني ونقض عصمة أي جماعة أو تجربة سياسية للتاريخ بُنيت على مذهب ديني أو فكري وتحريرها وفق الأصول وتاريخ التشريع الإسلامي السُّني، وتثبيت الأصول والحقائق وفرزها من التعصبات والانحرافات، ومن ثم معرفة آفاق هذا الفقه الحضاري والتشريعي الذي يُعين على إعادة صناعة الشرق وتجنيبه آثار الحرب العالمية الجديدة عليه، وإطلاق رحلة البناء الداخلي للإنسان ليحقق رسالة العدالة واكتمال البنيان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة