الثورات العربية بين المساجد وساحات التحرير   
الأربعاء 11/9/1432 هـ - الموافق 10/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)
صالح السنوسي


ليس من الصعوبة ملاحظة دور الدين في الثورات العربية التي تجري الآن في موسم ربيعها الكبير وذلك من خلال تمظهرات ذات مرجعية دينية كانطلاق المظاهرات من الجوامع في بداياتها مثل ما هو الحال في الثورة السورية أو اتخاذ يوم الجمعة موعدا للتظاهر والتجمع كما هو الحال في صنعاء والتكبير الذي لا ينقطع في المساجد وفي ساحة التحرير بمدينة بنغازي، غير أن التساؤل المطروح -على ما يبدو- هو حول مدى تأثير هذا الدور على المآلات السياسية لمستقبل هذه الثورات، فهل سيكون دور الدين في رسم ملامح المستقبل السياسي لهذه الثورات مساويا لنفس حجمه أثناء انطلاقاتها وصراعها مع الحكام.
 
"
كان الدين الإسلامي دائما دافعا قويا ومصدرا لطاقة المقاومة بالنسبة للجماعات والأفراد حينما يجدون أنفسهم في موقف تصارعي مع أي طرف يرون فيه خطرا على حريتهم وهويتهم وكرامتهم
"
كان الدين الإسلامي دائما دافعا قويا ومصدرا لطاقة المقاومة بالنسبة للجماعات والأفراد حينما يجدون أنفسهم في موقف تصارعي مع أي طرف يرون فيه خطرا على حريتهم وهويتهم وكرامتهم، وعادة ما يزداد حجم دور الدين وحضوره في الصراع كلما أحس هؤلاء بقوة الخصم وتفوقه ماديا أو عدديا وذلك كمعادل معنوي ونفسي في مواجهة التفوق المادي، وهذا ما يبدو عليه الحال في مشهد الصراع بين الشعوب العربية الثائرة وحكامها الأقوياء الذين تتمثل مصادر وعوامل قوتهم في:

1- سيطرتهم المطلقة وتعميرهم في السلطة حيث تجاوز بعضهم مثل القذافي أكثر من أربعة عقود، وهذا أتاح لهم الفرصة للتغلغل في نسيج المجتمع وبناء علاقات مع بعض الفئات الاجتماعية التي أصبحت مراكز قوة تعكس العلاقة غير السوية بين المال والسلطة, ورغم أن هذه الفئات تمثل أقلية في المجتمع فإنها الأكثر قوة وفاعلية عندما تقف بجانب النظام.

2- عدم وجود كوابح قيمية وأخلاقية تردع تصرفات وأفعال هؤلاء الحكام في صراعهم مع شعوبهم، وبما أنهم يملكون قوة الحديد والنار ويسيطرون عليها داخل الإقليم فإن هذه الشعوب تجد نفسها أمام آلة قتل عمياء تخيرهم بين الذبح أو الاستسلام للعبودية, فإن حاولت هذه الشعوب التمرد على هذين الخيارين  فليس أمامها سوى محاولة الدفاع عن نفسها بما يقع بين يديها من وسائل، أي مبادلة العنف بالعنف على طريقة الثورة الليبية.
 
وهذا لاشك باب مفتوح أمام الكثير من الدمار الذي لا يبالي به حكام من أمثال القذافي وبشار الأسد وعبد الله صالح الذين يعتبرون بقاءهم في السلطة هو الشرط الضامن الوحيد لعدم قدوم الطوفان.

3- ارتباط هؤلاء الحكام بعلاقات إقليمية ودولية طيلة عقود وجودهم في السلطة، فقد نشأت علاقات متشابكة بينهم وبين مؤسسات وشركات وعصابات عابرة للحدود تتحدى قرارات ومواقف حكومات بلدانهم لتقدم لهؤلاء الحكام كل ما يحتاجونه في صراعهم مع شعوبهم كما هو واضح من الحالة الليبية حيث لا يزال القذافي يحصل على كل ما يحتاجه من سلاح ومواد تعينه على حربه ضد الشعب الليبي رغم قرارات الحظر وتجميد الأموال.

"
وجدت الشعوب العربية نفسها في مواجهة حكام يتمترسون خلف قلاع سلطتهم مزودين بكل أسباب القوة المادية مجردين من كل وازع أخلاقي
"
لقد وجدت هذه الشعوب نفسها في مواجهة حكام يتمترسون خلف قلاع سلطتهم مزودين بكل أسباب القوة المادية مجردين من كل وازع أخلاقي فبدت المواجهة بين طرفين أحدهما قوي وظالم والآخر ضعيف وصاحب حق, وبالتالي فإن هذا الأخير عليه إذا كان مصمما على التحدي، أن يبحث عن مصادر القوة التي في متناول يده ومن هنا يأتي الدين أحد هذه المصادر التي تزود الفرد بشحنة معنوية ونفسية وتشحذ همم الجماعة في لحظة التحدي لشعورها بالتماهي مع قوة الله التي هي أعظم من قوة الظالم الفانية.
 
فالتكبير المتواصل في ساحة التحرير بمدينة بنغازي والانطلاق من المساجد في درعا والتجمع وأداء صلاة الجمعة في ساحة التحرير بصنعاء كلها محاولات للاستقواء بالدين في مواجهة  قوة الحكام الغاشمة وذلك من خلال تحويل الساحة إلى مسجد وتحويل المسجد إلى ساحة، فهذا التناوب في أداء الوظائف بين الساحة والمسجد يعبر عن المزاوجة بين طموحات هؤلاء في تحقيق المآلات السياسية لهذه الثورات وبين البحث عن قوة معنوية تغذي طاقة المقاومة وروح التحدي.
 
فبناء دولة مدنية تقوم على مبادئ الحرية والمساواة والاستقلالية يصطدم بقوة مادية غاشمة مما يلجئ هذه الشعوب إلى التسلح بإرثها العقدي والثقافي لمواجهة هذا التفوق في أدوات العنف المادي التي يتسلح بها من يعتبر وجوده مشروطا ببقائهم تحت نير عبوديته.
 
لعله من باب إحقاق الحق القول إن المساحة بين المسجد والساحة يشغلها خطابان، أحدهما ديني سياسي أي أن مرجعياته دينية ولكنه يغازل السياسة المدنية أما الخطاب الثاني فهو سياسي ديني أي أن مرجعياته سياسية مدنية ولكنه يغازل الدين، فهذان الخطابان يتغذى كل منهما ببعض مفردات الآخر وهذا قد يقوي من احتمالات التعايش والتسامح ولاسيما أن هناك جملة من المعطيات التي تفرض عليهما ذلك ومنها:

أولا- أنهما يتحركان على ذات المساحة الواقعة بين المسجد والساحة وكلاهما يحتاج إلى الآخر رغم المزاحمة لأنه ليس كل من يرتادون المسجد مرجعياتهم السياسية دينية وبنفس القدر فإنه ليس كل من يرتادون الساحة هم ذوو مرجعيات سياسية مدنية، فالذين يكبرون في المساجد قليل منهم يحلمون بدولة دينية وكذا الأمر بالنسبة لمن يرددون الهتافات في ساحة التحرير فهؤلاء أيضا لا يطالبون جميعهم بدولة مدنية.
 
ولهذا فإن الخطابين بينهما تداخل وكل منهما يستعير من الآخر ما يراه ضروريا لتحقيق قبوله في الساحة وفي المسجد وهذا الاحتياج المتبادل قد يخلق ثوابت مشتركة لا يستطيع أي من الطرفين تجاوزها عند رسم ملامح المستقبل السياسي للثورة.

ثانيا- وجود عدو مشترك لا يزال قويا على الصعيد المادي، أي أنه لديه من أدوات العنف ما يجعله يشكل خطرا على الجميع ولهذا فإن منطق الصراع يقتضي من كل طرف أن يبحث عن كل ما يجمعه بالآخر ليستقوي به في مواجهة خطر مشترك.
 
فاستمرارا لقذافي في الحكم -على سبيل المثال- وعدم سقوطه منذ الأيام الأولى رغم ما يرتكبه من جرائم يومية، خلق وضعا تصارعيا بينه وبين الشعب الليبي فنمت بين مختلف القوى الثائرة المختلفة التوجهات علاقات فيها شيء من الاختلاف وشيء من التفاهم ومحاولات التسامح فمثل هذا السلوك -إن لم ينتكس- يعد بداية الطريق نحو تأسيس ثقافة التعددية  والاحترام المتبادل.

ثالثا- وعي التجربة السابقة: فقد مرت هذه الشعوب بتجربة مريرة استمر بعضها لعدة عقود، قادتها الأحادية الفكرية وأحادية القيادة وتميزت بالتصفية الجسدية والإقصاء ومصادرة الرأي الآخر، فكانت نتيجتها تفجر ثورات أخذ بعضها الطابع المسلح ليعيد إلى الأذهان صورا من ثورات نسيها العالم في القرنين الثامن والتاسع عشر، ولهذا فإن هذه القوى التي تتفاعل وتتشارك المساحة بين المسجد والساحة في الثورات العربية، لا ينبغي لها -إذا ما وعت التجربة السابقة- أن تعيدها من جديد.
 
"
في التغيرات والصراعات المجتمعية كثيرا ما يكون الدين حاضرا بشكل أو بآخر وذلك عبر محاولة توظيفه من قبل بعض أطراف الصراع أو محاولة تحييده من جانب الأطراف الأخرى
"
عندما انتفضت شعوب أوروبا الشرقية ضد أنظمتها السياسية الشمولية كان للدين دور ملحوظ في تعبئة مشاعر الجماهير الثائرة، ففي بولندا لعبت الكنيسة دورا كبيرا في مساندة نقابة التضامن البولندية حتى أصبح "مون سنيور غليم" رئيس كنيسة عموم بولندا يتمتع بشعبية لا تقل عن شعبية "ليش
فاليسا" رئيس نقابة التضامن، غير أن هذا الدور لم يتجاوز حد التعبئة المعنوية والروحية إبان مرحلة الصراع ثم تراجع عندما بدأت مرحلة رسم ملامح المستقبل السياسي لتلك المجتمعات.
 
ففي التغيرات والصراعات المجتمعية كثيرا ما يكون الدين حاضرا بشكل أو بآخر وذلك عبر محاولة توظيفه من قبل بعض أطراف الصراع أو محاولة تحييده من جانب الأطراف الأخرى، ولكنّ هناك فرقا بين أن يتوقف دور الدين عند نهاية مرحلة الصراع وبين أن يرسم كل ملامح المرحلة اللاحقة.
 
لاشك أن الجدلية بين الساحة والمسجد ستظل قائمة خلال مرحلة صراع هذه الثورات مع الطغاة ولكن السؤال المطروح هو حول من سيكون له النصيب الأكبر في رسم ملامح المرحلة اللاحقة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة