العلاقة بين اللوبي الموالي لإسرائيل ومسلمي أميركا   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ علاء بيومي

- حادثة كاليفورنيا نموذجاً
- سجل اللوبي الموالي لإسرائيل في حق المسلمين
- العلاقة بين اللوبي الموالي لإسرائيل والمسلمين

الأسبوع الثالث من يونيو/حزيران 2004 شهد حادثة تصادم افتعلتها بعض أكبر المنظمات الأميركية الموالية لإسرائيل مع طلاب مسلمين بإحدى جامعات ولاية كاليفورنيا. ورغم خروج الطلاب المسلمين من الحادثة سالمين غانمين وارتداد الحادثة بالفشل والإحراج على المنظمات الموالية لإسرائيل التي افتعلتها، فإن الحادثة جددت في أوساط المسلمين الأميركيين مشاعر الحيرة والقلق من نوايا منظمات اللوبي الموالي لإسرائيل تجاههم.

كما أعادت الحادثة تذكير مسلمي أميركا برصيد منظمات اللوبي الموالي لإسرائيل على صعيد مساعيها لتهميش قوى مسلمي أميركا السياسية وتشويه صورتهم خاصة منذ أحداث سبتمبر/أيلول 2001. وسنستعرض في هذا المقال بشكل سريع سجل اللوبي الموالي لإسرائيل في حق مسلمي أميركا خلال السنوات الثلاث الماضية.

حادثة كاليفورنيا نموذجاً

تمادت لجنة مكافحة التشويه في إساءتها للمسلمين عندما أشارت إلى الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) على أنها "تعبير عن الكراهية" وأنها "ترتبط ارتباطا وثيقا" بالإرهاب
في منتصف يونيو/حزيران 2004 شنت بعض أكبر المنظمات الموالية لإسرائيل بأميركا حملة شعواء ضد الطلاب المسلمين في جامعة ولاية كاليفورنيا بمدينة إريفين بسبب رغبة بعضهم (حوالي 20 طالبا) في ارتداء وشاح أخضر مكتوب عليه عبارة الشهادة (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) والآية الكريمة "رب زدني علما" أثناء حفل تخرجهم.

ورغم بساطة مطلب الطلاب المسلمين والذي اعتبره مسؤولو الجامعة "تعبيرا عن التعددية والحرية الشخصية والسياسية" ولم يعيروه اهتماما في البداية، فإن ثلاثا على الأقل من أكبر المنظمات الأميركية الموالية لإسرائيل شنت حملة نقد لاذعة للطلاب المسلمين سارعت بعض أبواق الإعلام اليمينية المتطرفة -مثل قناة فوكس الأميركية- لدعمها.

والمنظمات الثلاث هي المنظمة الصهيونية الأميركية (أسست عام 1897) والكونغرس اليهودي الأميركي (أسس عام 1918) وعصبة مكافحة التشويه اليهودية (أسست عام 1913) وهي أكبر المنظمات اليهودية الأميركية المعنية بمكافحة اللاسامية.

اتهمت المنظمات الثلاث الطلاب المسلمين بأن ارتدائهم الوشاح يعبر عن مساندتهم الضمنية للإرهاب، وشبهته بالملابس التي ترتديها بعض الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط. وأكثر من ذلك تمادت لجنة مكافحة التشويه في إساءتها للمسلمين عندما أشارت إلى الشهادة –في بيان لأحد مكاتبها بكاليفورنيا- على أنها "تعبير عن الكراهية" و"ترتبط ارتباطا وثيقا" بالإرهاب، وأنها عبارة "مسيئة للطلاب اليهود".

وطالبت المنظمات جامعة كاليفورنيا في إريفين بمنع الطلاب المسلمين من ارتداء الوشاح أثناء حفل تخرجهم وبإدانة ارتدائه علنا.

في المقابل رفضت الجامعة مطالب المنظمات الموالية لإسرائيل رغم الهجوم الإعلامي الذي تعرضت له من قبل وسائل الإعلام اليمينية والمنظمات الموالية لإسرائيل ومسانديها الذين سارعوا إلى مراسلة الجرائد المحلية بكاليفورنيا لوضع مزيد من الضغوط على الجامعة. كما مر حفل تخرج الطلاب المسلمين بسلام والذين ارتدوا الأوشحة التي لم تلفت انتباه أحد من المئات الذين حضروا حفل التخرج وانشغلوا بمشاركة ذويهم فرحة تخرجهم، كما أشارت وسائل الإعلام المحلية التي تابعت القضية.

أكثر من ذلك اضطرت عصبة مكافحة التشويه إلى تقديم اعتذارها لمسلمي أميركا بسبب ما ذكرته من عبارات مسيئة في حق عبارة "الشهادة" بعد أن طالبها بذلك مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) الذي يعد أكبر جماعات الحقوق المدنية المسلمة الأميركية، في بيان رسمي صدر عنه يوم 19 يونيو/حزيران 2004.

سجل اللوبي الموالي لإسرائيل في حق المسلمين
الحادثة السابقة ليست المرة الأولى -خلال السنوات الثلاث الأخيرة- التي تتعرض لها المنظمات الموالية لإسرائيل للفشل والإحراج على الصعيدين الإعلامي والعام بسبب مواقفها الساعية لتشويه سمعة المسلمين الأميركيين وإعاقة اندماجهم الإيجابي في المجتمع الأميركي.

- ففي أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز مقالا في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2001 كشف عن تنظيم مجموعة من أكبر المنظمات الموالية لإسرائيل حملة لتشويه صورة مسلمي أميركا ومنظماتهم بعد الاهتمام الإعلامي الذي سلط عليهم في أعقاب هجمات 11/9.

وقالت الصحيفة إن المنظمات الموالية لإسرائيل شنت "حرب فاكسات أطلقت منذ وقوع الهجمات في 11/9، إذ قامت منظمات موالية لإسرائيل أو منظمات يهودية أميركية مثل عصبة مكافحة التشويه ورابطة الدفاع اليهودية ومركز أبحاث الشرق الأوسط الذي يديره الكاتب (الأميركي المتطرف) دانيال بايبس، بمد وكالات الأخبار الأميركية بحزم من الوثائق المضادة لقيادات مسلمي أميركا.

وأوضح التقرير أن هذه الحملة جاءت بعد اجتماع الرئيس الأميركي بقادة مسلمي أميركا عدة مرات في أعقاب الهجمات، وأن الحملة سعت للتشكيك في مصداقية هؤلاء القادة ونواياهم أمام وسائل الإعلام والرأي العام الأميركي.

كما تضمن التقرير مقابلات مع بعض مديري المنظمات الموالية لإسرائيل أكدوا فيها حرصهم على تتبع كل ما يصدر عن المنظمات المسلمة الأميركية الكبرى وقادتها في المساجد، وفي النشاطات الجماهيرية وغيرها من الأماكن وتسجيله وتزويد الصحافة الأميركية ببعض هذه التسجيلات إذا تطلب الأمر.

- وفي الفترة ذاتها وتحديدا في أكتوبر/تشرين الأول 2001 أصدرت اللجنة اليهودية الأميركية وهي أيضا واحدة من أكبر المنظمات الموالية لإسرائيل وأسست عام 1906 إحصاءات سكانية حاولت التقليل من أعداد مسلمي أميركا. وأشارت وكالة أسوشيتد برس الأميركية في تعليقها على تقرير اللجنة إلى أن مدير اللجنة ويدعى ديفد هاريس سبق أن حذر في مقال نشره بجريدة جيروزالم ريبورت الإسرائيلية يوم 21 مايو/أيار 2001 من التحدي الذي تمثله زيادة أعداد مسلمي أميركا وتأثير ذلك على العلاقات الأميركية الإسرائيلية.

وقالت أسوشيتد برس إن اللجنة اليهودية الأميركية تقدر أعداد اليهود الأميركيين بستة ملايين نسمة وإن منظمات المسلمين الأميركيين تقدر عدد المسلمين الأميركيين بحوالي ستة إلى سبعة ملايين، لذا كتب هاريس يقول "رقم ستة ملايين له صدى خاص.. هذا يعني أن المسلمين يفوقون في عددهم اليهود بالولايات المتحدة وأن هذه ركيزة لدعوات إعادة تعريف التراث الأميركي كتراث يهودي مسيحي إسلامي كما يهدف قادة مسلمي أميركا علنا".

- كما أثار موقف أكبر المنظمات الموالية لإسرائيل المساند لقوانين مكافحة الإرهاب بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 حفيظة منظمات الحقوق المدنية الأميركية المختلفة التي رأت أن بعض هذه القوانين ذات تأثير سلبي على حقوق وحريات مسلمي وعرب أميركا بشكل خاص، وعلى حقوق وحريات الشعب الأميركي بشكل عام. ودعت المنظمات اليهودية الأميركية إلى التحالف معها في جهودها لمكافحة التبعات السلبية لهذه القوانين، ولكن الأخيرة رفضت ذلك وفقا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في الثالث من يناير/كانون الثاني 2002.


حملة المنظمات الموالية لإسرائيل ضد مسلمي أميركا تهدف إلى التشكيك في مصداقية قادة مسلمي أميركا ونواياهم أمام وسائل الإعلام ومن ثم أمام الرأي العام الأميركي
وقد سبق لبعض المنظمات الموالية لإسرائيل تأييد قوانين مكافحة الإرهاب الصادرة عام 1996 والتي مررت في عهد الرئيس بيل كلينتون وتضمنت بنودا سمحت باعتقال المشتبه فيهم بناء على أدلة سرية لا يتم الإعلان عنها لهم أو لمحاميهم. وقد طبق بند الأدلة السرية بصفة تمييزية استهدف بالأساس بعض النشطين المسلمين والعرب، وثبت فيما بعد عدم دستوريته، وقامت جماعات الحقوق المدنية الأميركية بحملات واسعة لإبطاله. ولكن بعض المنظمات الموالية لإسرائيل أيدت قانون الأدلة السرية وشهدت أمام الكونغرس تأييدا للأدلة السرية.

- وفي منتصف عام 2003 ساندت بعض المنظمات الموالية لإسرائيل ترشيح الرئيس جورج دبليو بوش للكاتب المتطرف دانيال بايبس لعضوية مجلس إدارة معهد الولايات المتحدة للسلام، وهو ترشيح عارضته المنظمات المسلمة والعربية الأميركية بسبب رؤى بايبس المتشددة خاصة فيما يتعلق بدعوته المستمرة لتهميش مسلمي أميركا سياسيا والحد من نفوذهم وقدرتهم على النمو السياسي.

ففي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2001 ذكر دانيال بايبس في خطاب ألقاه بمؤتمر لمنظمة الكونغرس الأميركي اليهودي "أنا قلق بقدر كبير جدا -منطلقا من وجهة النظر اليهودية- من أن وجود وارتفاع مكانة وتأثير وانتشار المسلمين الأميركيين سيمثل خطرا حقيقيا على اليهود الأميركيين". كما طالب بايبس في مقال نشره بمجلة "كومنتاري" في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 بتطبيق قوي "لضغوط سياسية واجتماعية للتأكد من عدم منح الإسلام موقعا خاصا من أي نوع في هذه البلاد (أميركا)".

وتعرض دانيال بايبس خلال عام 2002 لعاصفة من النقد عندما أطلق موقعا إلكترونيا يسمى "مراقبة الحرم (الجامعي)" لمراقبة الأساتذة والمؤسسات الأكاديمية التي تنتقد إسرائيل وتتعاطف مع الإسلام والمسلمين. وقد طالب الموقع الطلاب بتزويده بمعلومات عن أساتذتهم وآرائهم السياسية.

وقد ساند حملة مسلمي وعرب أميركا ضد ترشيح بايبس عدد من أكبر الصحف الأميركية وعلى رأسها جريدة واشنطن بوست وعدد من أبرز أعضاء مجلس الشيوخ مثل السيناتور الديمقراطي الشهير إدوارد كنيدي، ومع ذلك وقفت بعض المنظمات الموالية لإسرائيل خلف ترشيح بايبس وأيدته.

- كما سعت هذه المنظمات على فترات مختلفة للضغط على منظمات المجتمع المدني الأميركية وطالبتها بعدم إشراك المنظمات المسلمة الأميركية بفعاليتها والتي دارت في كثير من الأحيان حول قضايا الحقوق المدنية ومكافحة التمييز ضد أبناء الأقليات في فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. وفي بعض الأحيان رفضت المنظمات الأميركية المدنية الانصياع لضغوط المنظمات الموالية لإسرائيل وأصرت على دعوة المسلمين الأميركيين، مما جلب على المنظمات الموالية لإسرائيل الفشل والإحراج.

العلاقة بين اللوبي الموالي لإسرائيل والمسلمين
متابعة مواقف المنظمات الموالية لإسرائيل تجاه مسلمي أميركا خلال السنوات الأخيرة يكشف عن الحقائق التالية:

أولا- اللوبي الموالي لإسرائيل مدفوع بتحيزه الذاتي ضد مسلمي أميركا، فمواقف اللوبي الموالي لإسرائيل ليست ردودا على مواقف تصادمية بادرت بها المنظمات المسلمة الأميركية، فنحن لم نسمع عن منظمات مسلمة أميركية طالبت بإقصاء المنظمات اليهودية الأميركية من المشاركة في فعاليات الحياة المدنية الأميركية أو مؤسسات المجتمع الأميركي العامة.

ثانيا- اللوبي الموالي لإسرائيل يهاجم في العادة المنظمات المسلمة الأميركية الناجحة وذات القواعد الجماهيرية الواسعة والقادرة على إيصال وجهة نظر مسانديها إلى الرأي العام الأميركي. فلولا ظهور هذه المنظمات وقدرتها على الوصول إلى المنابر الإعلامية والسياسية الأميركية العامة لتوضيح مواقفها الأصلية، لما هاجمها اللوبي الموالي لإسرائيل.


موقف اللوبي الموالي لإسرائيل المتشدد ضد مسلمي أميركا لم يمنع المسلمين الأميركيين من التعاون والحوار مع بعض المنظمات اليهودية الأميركية المعتدلة في القضايا المشتركة
ثالثا- المنظمات الموالية لإسرائيل تستخدم في هجومها على مسلمي أميركا ومساعيها لتشويه صورتهم أدوات العمل الإعلامي والسياسي والقانوني المعروفة في المجتمع الأميركي والتي تجيدها هذه المنظمات بحكم خبرتها وإمكانياتها المادية والبشرية. ولكنها للأسف تستخدم هذه الأدوات المشروعة في تحقيق أهداف غير سوية تضر بمصالح أقلية أميركية أخرى ناشئة وهي المسلمون الأميركيون.

رابعا- المنظمات المسلمة الأميركية ردت على حملات اللوبي الموالي لإسرائيل باستخدام نفس الأدوات المتبعة، خاصة فيما يتعلق بفضح ممارسات اللوبي الموالي لإسرائيل أمام وسائل الإعلام الأميركية بالأسلوب الصحيح وفي الوقت المناسب وبالسرعة الكافية.

خامسا- موقف اللوبي الموالي لإسرائيل المتشدد سلبيا ضد مسلمي أميركا لم يمنع المسلمين الأميركيين من التعاون والحوار مع بعض المنظمات اليهودية الأميركية المعتدلة في القضايا المشتركة، فعلى سبيل المثال شاركت بعض المنظمات اليهودية الأميركية في حملة مسلمي وعرب أميركا للاعتراض على ترشيح دانيال بايبس لعضوية مجلس إدارة معهد الولايات المتحدة للسلام.

سادسا وأخيرا- إذا استمرت المنظمات الموالية لإسرائيل في تمييزها ضد مسلمي أميركا ومساعيها لتشويه صورتهم، وزادت قدرة المنظمات المسلمة في الأميركية في رصد محاولات اللوبي الموالي لإسرائيل وفضحها أمام الرأي العام الأميركي بالأدوات الإعلامية المناسبة وعلى نطاق كافٍ، واستمرت المنظمات المسلمة الأميركية على نهجها الرافض للانزلاق الأخلاقي والسياسي لمواجهة اللوبي الموالي لإسرائيل بأساليبه الملتوية، فإن ذلك سيضر بلا شك على المدى الطويل بمصداقية المنظمات الموالية لإسرائيل أمام الرأي العام الأميركي وسيبني قاعدة أخلاقية وسياسية قوية لمسلمي أميركا لدى الشعب الأميركي.
______________
مدير الشؤون العربية بمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة