الفكر القومي العربي وأزمته   
الاثنين 1434/6/5 هـ - الموافق 15/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)
زياد منى

 

التقدم إلى الأمام يفرض على المرء مواجهة حقائق المرحلة والتاريخ -القديم والمعاصر- كما هي، دون أي مساحيق تجميل، ودون حتى محاولة ممارسة حالة الإنكار التي يعيشها كثير منا، ومعنا أنظمتنا العتيدة، والحركات السياسية المؤثرة وغير المؤثرة.

بداية، نشدد على تأكيدنا أن الحركات الشعبية العربية انطلقت من رحم مجتمعاتنا، وأنها ردة فعل على تمادي أنظمة مستبدة أتت على الأخضر واليابس، وحولت الأوطان إلى مزارع خاصة بالعائلة أو العشيرة أو القبيلة.

الحركات الشعبية العربية انطلقت من رحم مجتمعاتها، وهي ردة فعل على تمادي أنظمة مستبدة أتت على الأخضر واليابس وحولت الأوطان إلى مزارع خاصة

لكن هذا لا ينفي في الوقت نفسه أن للإمبريالية الأميركية، وأذرعها الأخطبوطية، من الناتو والكيان الصهيوني، إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات مثل الآيزو الأميركية والدِن الألمانية وغيرهما، دورًا تحاول التأثير عبره في مجرى الأحداث.

لكن من الخطأ الكبير الادعاء بأن الانتفاضات أو الحراكات الشعبية في كثير من الدول العربية خارجية المصدر ومؤامرة مدبرة. ألهذه الدرجة شعوب أمتنا العربية غبية؟! هل الإمبريالية الأميركية هي من أوعز للبوعزيزي بحرق نفسه، أو أوعز للشرطية اللعينة! بالاعتداء عليه؟!

قرص الشمس لا يحجبه الغربال
نحن لا ننفي إطلاقًا أن الغريم الأميركي يحاول التأثير في الأحداث، وما له أن ينجح إن لم يجد ضالته في حاضنة شعبية محلية. لماذا لم تتمكن الاستخبارات الأميركية من الإطاحة بنظام الرئيس جمال عبد الناصر أو بنظام الرئيس الكوبي المتقاعد فيدل كاسترو أو الرئيس الفنزويلي البوليفاري الراحل هوغو شافيز؟! حاولت عشرات المرات، لكنها لم تعثر على حاضنة، وعندما توافرت لها، تمكنت من إنجاز الكثير.

كنا كتبنا في الماضي قناعتنا بأن الحراكات الشعبية الحالية في مختلف أنحاء وطننا الكبير ليست هبات يتيمة، وإنما حراكات ستستمر عقدًا من الزمن على الأقل، ولن تنتهي إلا بإقامة أنظمة القانون أو بالتلاشي نهائيًا وتشظي بلادنا العربية إلى إمارات طوائف أندلسية.

لا شك في أن الأخطار المحيقة بنا كبيرة، لكن حتى نتمكن من تحويل هذه الطاقات الهائلة الكامنة في شعوبنا إلى محرك للمستقبل، بدلاً من استحالتها انشطارات تقضي على ما تبقى منا في العالم، تقع على القوى السياسية النشيطة في بلادنا مهام كثيرة.

لا تتوافر وصفات سحرية، ولا النجاحات مضمونة، لذا فإن مقالنا هذا صرخة في أذن القوى التي أعلنت نفسها البديل الوحيد للاستعمار، وحاملة عملية التطور السياسي والثقافي والاقتصادي، أي التيار القومي العربي.

لسنا بصدد استعراض ظروف ولادته ونجاحاته وإخفاقاته، لكن مما لا شك فيه أن الفكر القومي العربي، ودون التقليل من أهمية أدوار مختلف الحركات القومية العربية في بلادنا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، يبقى الرمز الحي الذي تستنجد به الجماهير هو الزعيم جمال عبد الناصر، الذي حزنت الأمة لهزيمته ورفضت استقالته وفجعت بوفاته، وكانت من قبل تضامنت معه إبان العدوان الثلاثي حيث انطلق التأييد القومي العربي له من سوريا عندما فجر الشهيد جول جمال زورقه في المدمرة الفرنسية، إلى قطع عمال صناعة النفط خطوط التابلاين التي تمر ببلادهم.. إلخ. ولا يزال أبو خالد يمثل رمز عزة الأمة وشموخها وكرامتها، حيث نرى أن كل متحدث في الفكر القومي العربي لابد أن يعود إليه ويتذكره.

المشكلة، بل الفاجعة تكمن في غياب زعماء قوميين -أحياء كانوا أو أمواتا- تُجمع الأمة عليهم. أما القومية العربية، أي الشعور القومي العربي فحي قائم رغم أنف كل من يدعي غير ذلك. فانشداد الجماهير إلى الأحداث في تونس ومصر، ومن قبل إلى الانتفاضات في فلسطين المحتلة وإبان العدوان على جنوبي لبنان المقاوم ومن بعده على غزة، يعكس تواصلاً قوميًا من المحيط إلى الخليج، ويثبت أن فلسطين تبقى القضية المركزية الوحيدة الجامعة، رغم كل تنازلات المؤسسة السياسة الفلسطينية المحصور تأثيرها في موظفي مبنى المقاطعة في رام الله وليس أكثر من ذلك.

نقول هذا رغم الإخفاقات المرعبة التي صاحبت حكم الراحل الكبير في مجال السياسة الخارجية، حيث عانى الهزائم الواحدة تلو الأخرى، من الانفصال إلى حرب اليمن، إلى كارثة عام 1967 التي لا نزال ندفع ثمنها الفادح إلى الآن. لكن، لأن أبو خالد كان صادقًا مع نفسه ومع شعبه وأمته الكبيرة، غفرت له الجماهير العربية كثيرا من أخطائه.

أما بنظر أبناء مصر العزيزة إلى قلوبنا جميعًا، فقد كان ابنها البار وقائد شعبها نحو مستقبل أفضل، سواء أكان الأمر متعلقا بالقضاء على الإقطاع أو التصنيع أو بناء السد العالي، والمضي قدمًا بالبلاد نحو العصرنة، وهذا هو سر محبة كل الناس له كما رأيناها تتجلى يوم وفاته.

وإذا كان للبعض -وربما لكثيرين- عتاب عليه، فيتعلق بكيفية اختياره رجاله، السياسيين منهم والعسكريين. فقد ترك السلطة لأشخاص انقلبوا انقلابًا كاملاً على كل ما مثله وطنيًا وقوميًا وأمميًا، وهذه كارثة الكوارث بحد ذاتها.
 
التيار القومي العربي لم يتمكن من الخروج من وهم تأثيره في الشارع العربي، واستبدل المؤتمرات البليدة في الفنادق الفخمة بالنضال الشعبي اليومي
برحيل الزعيم جمال عبد الناصر، وجد التيار القومي العربي نفسه يعاني أزمة حقيقية مضاعفة بعد عدوان عام 1967، إذ لم يتمكن من الخروج من وهم تأثيره في الشارع العربي، واستبدل المؤتمرات البليدة في الفنادق الفخمة بالنضال الشعبي اليومي، كما فضل التكرش بأناقة التحرك في الشوارع والميادين والسكن في الفنادق الفخمة، على زيارة معتقلات أنظمة القمع العربية وسجونها. واستعاض عن العمل من أجل أوسع تمثيل ودعم جماهيري، بالتحالف الذيلي مع مختلف القوى العاملة في الساحة، وقبل ذلك التملق المخزي لأنظمة لا تعرف جماهيرها إلا عندما ترسل قواتها وعسسها لقمعها.

ذاك كان على الصعيد التنفيذي، أما على الصعيد الفكري فلا نكاد نجد له أي تجديد يأخذ في الاعتبار المتغيرات الوطنية والقومية التي عصفت ببلادنا منذ الحرب العالمية، عدا عن المتغيرات الدولية وهزيمة المعسكر الشيوعي وبداية مرحلة القطب الواحد التي تقترب من نهاياتها.

كل ما نجده تمجيد لهذا أو لذاك من طغاة العرب، فلا يمكننا العثور على إسهام فكري قومي إبداعي واحد يمكن العودة إليه والاستعانة به في تعرف تحديات المستقبل وكيفية مواجهتها من أجل تحويل مكامن الضعف إلى مصادر قوة وتطور.

وسواء أحب المرء الحقيقة الآتية أو لم يحب، فإن التطوير النظري والتطبيقي الأنجح -إن لم نقل الوحيد- الذي تم حديثًا في هذا المجال، هو كتابات الدكتور عزمي بشارة في الفكر القومي عربيًا، وتطبيقه عمليًا عبر تأسيس حركة قومية عربية في فلسطين في مواجهة تيارات متخلفة متجذرة في فلسطين المحتلة، ورغم المخاطر المحيطة بها. ومدى تأثير ما صنعه مع رفاقه، يتجلى بأوضح صوره في حقيقة أن التيار القومي العربي الذي أسسه استمر بعد خروجه من وطنه، بل وازداد وزنه في الشارع الفلسطيني.

أي أن الأمر لم يرتبط فقط بشخص بشارة وكاريزمته الشخصية، وهي حقيقية، بل في تقديمه بديلا عقلانيا وعمليا لعملية الأسرلة والتقسيم المذهبي والفكري والإقليمي التي سادت في الشارع السياسي الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

لا مقدس سوى القضية، لذا نؤكد حق من يريد الاختلاف مع بشارة في بعض آراءه الآن ولا نناقشها، وهي ليست موضوع هذا المقال، لكن حقيقة أن إبداعاته في المجال الفكري لا يمكن تجاهلها أو التقليل من أهميتها لأننا نختلف معه على هذه القضية أو تلك.

إن المنطقة العربية وما حولها من الصين شرقًا إلى المغرب الأقصى ومنطقة الصحراء، مقبلة -كما يبدو- على تغييرات وتحولات هائلة وفق "يالطا 2"، أي إعادة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ كما حدث في نهاية الحرب العالمية الثانية.

نشك في إمكانية تمكن القوى الرئيسية في العالم -وهي حلف الناتو ومجموعة البريكس- من فرض نظام عالمي جديد، لأن الأطراف كلها في حالة لا تسمح لها بفرض رأيها وتصوراتها. لا شك في الدور المركزي الذي ستمارسه الصين مستقبلاً، لكن ذلك سيتم في عالم متعدد الأقطاب. المرحلة المقبلة معقدة للغاية، ونكاد لا نعثر على إسهام فكري عربي واحد يتعامل مع المسألة.

والعرب! أين العرب من هذا؟ أين القوى التي تدعي تمثيل الشارع وطموحاته؟! نعم، هي ترفع بعض الشعارات الصحيحة، لكن الجماهير ملت منها ومن مردديها. تخلي قيادة المؤسسة السياسية الفلسطينية عن قضية العرب الأولى لصالح شبه سلطة على قطعة جغرافية افتراضية، وكيان شبه لهم، جعل الجماهير العربية تنأى بنفسها عن القضية بعدما بدا لها أن صاحب المصلحة الأول جعل منها قضية محلية، وقضى على بعدها العربي عندما رفع شعار القرار الوطني الفلسطيني المستقل، الذي عنى عمليًا إبعاد الجماهير عن المشاركة في قضية قومية بامتياز.

لنكن أكثر وضوحًا، لقد مني التيار القومي العربي بهزائم كبيرة، وارتكب أغلاطًا قاتلة حتى بالكاد نجد له تأثيرا في الأحداث الجسام التي تعصف بمختلف بقاع وطننا العربي، لكننا إلى الآن لا نعثر على مراجعة واحدة للممارسات والأفكار التي طرحت وساهمت -بدرجة أو بأخرى- في الانحدار الذي نجد أنفسنا فيه. ما تفعله هو عمليًا المقولة الشعبية المعروفة: العملية نجحت لكن المريض مات!!

بإمكاننا جعل الشرق الأوسط عربيًا جديدًا بكل معنى الكلمة، لصالح أمتنا وتطلعات شعوبنا نحو نظام عربي جديد حقًا، وليس استمرارا لنظام سايكس بيكو ويالطا

نحن لا نتوقع من قوى عوّدت نفسها الجلوس في حضرة السلاطين وفي الفنادق الفاخرة وتتدافع للظهور على شاشات الفضائيات، أن تتمكن من مراجعة الذات أو إدراك حقيقة وضعها التي هي مسؤولة عنه، إلى درجة ما. يبدو أنها -لقصور في بنيتها الفكرية- غير قادرة على استيعاب حقيقة أن المنطقة تشهد منعطفات خطيرة قد تطيح بدول وتعيد رسم حدود سياسية وجغرافية، وأن "الشرق الأوسط الجديد" صار على الأبواب، فإما أن يكون عربيًا جديدًا أو صوملة شاملة.

نعم، بإمكاننا جعل "الشرق الأوسط" هذا عربيًا جديدًا بكل معنى الكلمة، لصالح أمتنا وتطلعات شعوبنا نحو نظام عربي جديد حقًا، وليس استمرارا للنظام السابق، نظام سايكس بيكو ويالطا، وإنما نظام يولد في بلادنا، توحده قضيتنا المركزية الأولى، قضية فلسطين. لكن هذا يتطلب الكثير الكثير، ومقالتنا هذه دعوة للتأمل في الموضوع والتفكير في بدائل ترى الواقع كما هو كي تغيره.

هذه القوى المتكرشة المتبلدة لن تترك مواقعها، والمستفيد من بقائها من الأنظمة العربية لا يريدها أن ترحل، وأعداؤها وغرماؤها النظريون لا يريدون لها أن تترك مواقعها، لأنها بوجودها الصوتي والوهمي تحجب وجود قوى شعبية فاعلة ظهرت إمكاناتها في حراكات تونس ومصر والبحرين على نحو خاص.

نكرر، مقالتنا هذه دعوة للتأمل في الماضي والشعارات والسبل التي طرقت من أجل مستقبل عربي وحدوي تقدمي، وترى الواقع كما هو كي تغيره، وليس للانغماس فيه كما تفعل الآن. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة